Friday, 12 March 2010

في نقد النوسطالجيا...1


(لقد عامل المزاج الثوري والنفسية الثورية ، الإصلاح عبر التطور التدريجي :
Evolution
كنقيض للثورة :
Revolution
أو كاجهاض لها وتآمر عليها).

كانت تلك العبارة للمفكر والمبدع عزمي بشارة قد استوقفتني مرارا ومطولا لدى قراءتها ، لأنها شرحت وباسهاب سهل ممتنع العقلية و المنطقية الثورية المؤدلجة أيا كانت ، وعلاقتها بتيارات الإصلاح السياسي ، ولايمكنني استثناء حركات الإسلام السياسي –الثورية حاليا والتي تختصر الاسلام في السلطة – من تلك التيارات.
وذلك لأن علاقة الاسلام السياسي كمزاج ونفسية وحتى أجندة ثورية ، وكأي توجه ديني سياسي ، لم تعامل ذلك الأخير كمجرد نقيض ، انما أضفت على طرفي تلك العلاقة الضدية أبعادا قيمية ، انعكاسا لاستحواذ الحق الالهي المطلق ومايستتبع ذلك من عقلية مؤمراتية تبرر دوما إزدواجية دائرية مفرغة تقوم على وجود:

1.
مخلص :
على صورة ملك آخر الزمان الذي سيأتي ليخلص العالم من شرور آخر الزمان يوم يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر ، ذلك المخلص هو عقلية أفضل رقابيا ، لها القدرة ال
الهية على الاخبار بمكمن الخير و الشر ، في مصادرة وقحة على العقل الفردي والحرية ، واختصارا للمنطق و الملكة النقدية الفردية.
صورة تمثل اسقاطا لأحد اثنين : صنم أو معجزة ، ومايستتبع ذلك من جمود النقد أمام خطاب ديني أيديولوجي عاطفي يبرر للعامة المخدرين أي توجه كان سياسيا اقتصاديا فكريا أو اجتماعيا ، مما تشهده ساحاتنا من مظاهر مفتي السلطة أو شيخ المعرفة الغير محدودة و الذي يدلي بدلوه الفارغ و المسطح غالبا في القضايا السياسية و الاستراتيجية المختلفة متحدثا في الغالب باسم السماء.
ان وجود ذلك (المخلص) هو المبرر الضامن و الدائم لانتشار وتسرطن علماء الكلام / النص / النقل ، وليس علماء العقل / الفقه ، في اختصار واقتصار لعالمية الرسالة الاسلامية في عنصرها السلطوي وليس عنصرها الأصل وهو الإنساني ليصبح الدين بالمجمل نقلا وليس عقلا ، وجمعيا وليس فرديا
.

2.
عدو:
هو دوما (آخر) شرير ، كافر ، مادي ، غير روحاني ، متفسخ الخلق ، طامع في ارثنا أيا كان ، وجوده هام لوجود المخلص .
ولأن كل هذه الأوصاف تستدعي وتجند منطقيا واعيا وباطنا يغرس في العقل و الخريطة الادراكية رفضا لذلك الآخر بالاجمال ، فقد تطور ذلك الرفض ليبلغ حد الاقصاء والإلغاء لتأثيره وارثه ومنتجاته ودوره المعرفي انسانيا.
لذا يصعب على المراقب للعقلية الاسلامية السياسية -حاليا- ملاحظة أي حضور لإزدواجية (الأنا و الآخر) بمنحى أفقي وليس رأسي ، وذلك –وكما سأشرح في المقال المقبل الذي يتناول النوسطالجيا في الخطاب و الاستقراء التاريخي بالتفصيل – هو السبب في جعل القراءة التاريخية للحضارة الإسلامية مختصرة في:
1.
قراءة سلطوية تتغنى في حكم الفرد الواحد ومركزية السلطة وتهاب المدنية وأسئلتها واستحقاقاتها.
2.
قراءة جزر معزولة :جزيرة الأمويين ، العباسيين الأندلس ..وما إلى ذلك ، وهي قراءة تغفل حضور الآخر و تأثيره في الانتقال من جزيرة لأخرى.
مما جعل الفكر الانساني هو فكر استقطابي أيديولوجي في حين أنه قائم أفقيا على التفاعل بين ال(نحن) و ال (هم) أي ال(أنا) و ال(آخر).


3.
وأخيرا بعد (المخلص) و (العدو) تأتي النسبة الأكبر المغيبة و المخدرة وهم العامة أو الجمهور:

هم المغلوبون على أمرهم في أنتظار معجزة تزيدهم خدرا ينتشون به ويحتسبونه عند خالقهم ، مقيدون بعقل رقابي تقوده أصنام وفكر رقابي يجعل العامة رقباء على أنفسهم ومصدرين للأحكام من باب القص و اللصق عن الصنم/ الشيخ أو العالم الفلاني ، من دون أي عقلية اطلاعية نقدية تسمح بوجود الإختلاف وتعترف بالفردية . عامة جل مايملكونه هو متثاقفين مزدوجو المرجعية ، وأصحاب قراءات موجهة يعيشون تحت سقف الفكر الرقابي ، ينتجون فقط خطابات استقطابية وعاطفية مثقوبة ، وسآتي بالتفصيل على تلك النقط : الخطاب.

كلمة نوسطالجيا تعني في ابسط صورها (الحنين) ، إلا أنها ههنا عنت (الحنين) المرضي ، وعموما من مشاهد النوسطالجيا :

* الإزدواجية:

قديما في المجتمعات الانسانية البدائية الأولى والتي تطورت من منطق طبيعي مادي يضمن سيطرة
الذكر الأقوى ، خرجت قاعدة الأغلبية، و التي اضفت صورة جديدة على مبدأ القوة وهي الأغلبية. فكان حكم الأغلبية هو وسيلة إتخاذ القرارات ، ولكن ومع تطور الزمن و الوعي و الفكر الإنساني وبزوغ علوم السياسة ، تبدى للعقل البشري ومنطقه كمية الظلم الواقعة على الأقلية (الضعيفة تبعا لمبدأ القوة ) ، ومااستتبع ذلك من مزايدة على انتمائهم ووطنيتهم في وطن تقوده ال(أغلبية) وليس ال(كل) ، فحكم الأغلبية هو عزل لإرادة الأقلية وحق تمثيلهم ككجزء من جمعية الوطن لل(نحن) و ال(هم).
لذا فقد كان سقوط قاعدة حكم الأغلبية ديموقراطيا هو سقوط منطقي ومعرفي يتوازى مع تطور الفكروالمنطق الانساني. وقد كان أول من أشار إلى ذلك جان جاك روسو في العقد الاجتماعي ومونتيسكو ، ومن ثم جاءت مقاربة أيان راند الفلسفية السياسية الأدبية في رائعتها (أطلس متشنج
) :
ATLAS SHRUGGED

وعموما تكمن تلك الازدواجية لدى التعامل مع (حكم الأغلبية) المتوفي اكلينيكيا في نقطتين:

1.
المناداة بتغليب المرجعية الإسلامية / مرجعية الأغلبية ، لتصبح مرجعية وطن (الداخل
) ، ليصبح بالتبعية الوطن هو مرجعية ايديولوجية للأغلبية وليس لل(كل) ، وذلك يفسر بشكل أو بآخر ضبابية التعامل مع مبدأ المواطنة لدى أصحاب هذا التوجه ن و التي تصل أحيانا حد انكارها رجسا من عمل الشيطان أو استيعابها بميوعة لا يثبتها الواقع ويتغنى بها الخطاب.

2.
المناداة بحقوق الأقليات المسلمة في (الخارج) ، والمناداة بخروجها على قاعدة الأغلبية مع أنها نفس القاعدة التي ينادى بتطبيقها في (الداخل) ، كما حدث حينما اعتبر القرار الفرنسي بمنع الحجاب مصادرة على حقوق الأقليات ، في حين أنه قرار اتخذ بالأغلبية البرلمانية ، كذلك قرار حظر ال
مآذن في سويسرا والذي تعدت نسبة الموافقة عليه حاجز النصف أي أنها كانت أغلبية ، ناهيك طبعا عن الصمت على مظاهر القهر بإسم الأغلبية الدينية – ولو كانت ظاهرية – في بلاد مثل السعودية التي تفرض لباسا معينا على كل النساء.

ان تلك الازدواجية في المعايير لدى التعامل مع (حكم الأغلبية) في ( الداخل) و (الخارج) ، تصب في النهاية لتغذي جنبا الى جنب مع استحواذ الحق الالهي المطلق بالأفضلية ، العقلية المؤمراتية واستحواذ دور الضحية البريئة ، مما يشرح الكثير من مشاهد العزلة التي يعاني منها الفكر الإسلامي السياسي – حديثا في التاريخ المعاصر- ، وكما هي تلك التي تعاني منها الاقليات المسلمة في أغلب دول العالم ، والتي غالبا ما تساق ضمن الإحساس بالغبن و الاستهداف مجتمعيا وعالميا ، لذا لم ولن تنمو تلك المجتمعات لتصل لوصف (الغيتو) ، إذ أنها دوما ثائرة على تركيبة الموزايك الخاصة بمجتمعاتها ، والموزاييك الدولي العالمي بالنسبة لذلك التوجه على أساس أنه علاقة ثابتة الطرفية بين جاني آثم بالاطلاق وضحية بريئة وشهيدة. ، لذا فعندما يخرج م
ثال من تلك الأقلية ليتفاعل ويتأقلم مع مجتمعه بأغلبيته و أقليته تنهال عليه الأضواء ويصبح أعجوبة وعلامة فارقة ، ويتم تصويره على أنه عنتر زمانه متغلبا على الصعاب القهرية التي وضعت في طريقه ، في حين أن من وضع تلك الصعوبات هي العقلية المؤامراتية الانطوائية ، وجل ما قام به هو الاندماج مثل غيره في منظومة لا تتوقف أمام الأفراد بل أمام الاستحقاق الفردي و الجدارة الفردية.


*
الأيديولوجيا الاستقطابية:
عندما تصبح المواطنة انعكاسا واستحواذا لأيديولوجيا الأغلبية دون الأقلية ، تصبح حينها أيديولوجيا استقطابية ، أي أن المواطنة حينها تصبح مواطنة استقطابية ، تخدم وتعرف الأغلبية كامل التعريف والربط بالوطن ، ولا يكتمل تعريفها وتقديمها للأقلية ، وما ينتج عن ذلك من ديباجات جاهزة التطريز مثال ذلك:
(
ولاء الأقلية غير مضمون) و (هم متهمون حتى تثبت ادانتهم) ، متناسيين أن ذلك رد لفعل.

*
صكوك الشهادة والغفران ، وصكوك التكفير و اللعنات:
لايمكننا قراءة تلك المشاهد وملاحظتها بعيدا عن توازي ظهورها مع بداية عصر الانحطاط والتدهور الذي دخلته الحضارة الاسلامية بعد قيام الدولة العثمانية بقليل ، فتلك المشاهد لم تكن لتظهر قبل دولة الاسلام في الأندلس ، و التي شهدت زخما فكريا ومعرفيا وحضاريا جما لم يتدنى يوما لتصدير أي صورة من صور العنف والتكفير وان كانت قد ظهر فيها أدعياء للنبوة
ومصدريين للخرافات الفكرية والتجني على شخص الرسول وديننا الكريم ، إلا ولأن الحضارة كانت مبنية على افكار لا سلطة ولا أفراد فلم يعرهم التاريخ ولا الواقع اهتماما لخلو فكرتهم مما يقيمها ، فسقطوا وسقطت ، من دون أن يسقط عليهم أحد ضوءا.
ومن أعلام ذلك التوجه التكفيري من اتخذ التكفير منهاجا ، جاعلا رؤوس المختلفين معه (معالم على الطريق) طريقه إلى جنان الخلد ، هو من يسقط عليه الكثيرون أكاليل الشهادة الدينية وما يستتبعها من معية للأنبياء و الأبرار و الصالحين وأيضا شفاعة في أهله جزاءا لما فعل ، إلا أن من يغدقون عليه وعلى ما يمثل من بنك الشهادة ، يغفلون نقطتين هامتين:

1.
أغلب القراءات لمنتج ذلك الشهيد القطب هي قراءات ممسوسة بمس الشهادة الدينية واستحواذ براءة تصديرها ردا لفعل مورس ضده باسم الحرية وهو القتل خوفا من فكره ، أي انه شهيد حرية الفكر و ليس شهيدا دينيا ، لأن ذلك المس بالبراءة واستحواذها دينيا يعطل القراءة الحدثية لتفاصيل ال
ظرف الذي أعطى تلك المنتجات من أحوال سياسية و اجتماعية ودينية وغيرها ، مما يعطي لمنتجاته بعدا مرجعيا مطلقا يسمو فوق الظرف.

2.
ان إضفاء عنصر الشهادة الدينية على صاحب أفكار مثل تلك التي وردت في كتاب (معالم في الطريق) مثلا ، انما هي شهادة براءة واثبات لأحقية وشرعية قتل وتعنيف الآخر المختلف بعد تكفيره ، كما أنها اعتراف بأن قتله وممارسة العنف ضده انما هو : دفاع عن الدين أو المال أو العرض أو الأرض، تبعا للمنطق الاسلامي للشهادة – دينيا ، مما يجعل الأختلاف انما هو صراع بقاء وصراع دفاع عن الحياة ودفاع عن النفس وهو مبرر ، بل وتباركه السماء أيضا وتجازي فاعله جنان الخلد ومعية الأنبياء و الصالحين والشفاعة لأهله.

إلا أنني وللأمانة الأدبية لا أنفي عن السيد سيد قطب أنه شهيد الحرية ، لأنه قد مات دفاعا عن أفكاره ومبادئه ،وإن كنت لا أوافقه عليها بل و أعارضها أشد اعتراض ، إلا أنني لا أستطيع أن ألبسه ثوب الشهداء / دينيا ، لأنني لا أوافق على قتل المختلف أيا كان..أو هكذا قال الدين الذي يصادرون عليه ويحتكرونه.


ان الخدر الذي تنتجه صكوك الشهادة و الغفران ، بجانب صكوك التكفير ، انما هو مخدر موضعي يصيب ضمن ما يصيب العقل الانساني الفردي النقدي لسببين:
1.
إسقاط الخيرية حقا الهيا في ال(نحن) ، لذا فلا داعي لنقد الخير.
2.
اسقاط الشر في ال(هم) ، وأيضا الحلال بين و الحرام بين.

وقد كان غياب العقل النقدي الفردي واضحت وشديد الوضوح في رد قاتل الكاتب فرج فودة وأيضا ذلك الذي حاول قتل نجيب محفوظ ، ولأنهما كانا مساقين ومغيبين كان العقل الفردي النقدي لديهم غير موجود عندما سئلا أقرأ أحدكما شيئا من كتابات من تكفرونهم كانت الإجابة طبعا : لا.

ان ذلك الخدر يقسم الناس لقسمين اثنين:
الأول سادة :
يملكون التفويض السمائي والإلهي بالتفتيش في القلوب وتصنيف الناس واصدار الصكوك بنوعيها والوكالة عن الله ، وتعليب الأحكام النمطية .
سادة يعيدون تصدير صورة الآلهة باستخدام الأنظمة الرقابية السلطوية وتجنيد الكثير من العبارات الزئبقية المائعة التي لا يمكن الإمساك بها ضمن مبدأ ال"مع" أو ال"ضد" ، وهي في النهاية مبرر وانعكاس لمبدأ (الغاية تبرر الوسيلة).

الثاني عبيدا : غرست لديهم المحدودية و الدونية الفكرية التي شلت في النهاية العقلية النقدية الفردية وملكة التأويل و التخيل و الابداع ، وجندتهم سدنة فكر رقابي سلطوي في سجن كبير يراقبون بعضهم بعضا ، من دون السمو لمستوى الفكرة ، والتوقف لدى سياسيات التكفير الأعمى وتنفيذها.

ان علاقة السادة و العبيد من هذا المنطلق أدت إلى امتداد قيود (الثبات) الخاصة ب(إلهية) ال(التنزيل) للنص الديني إلى أن طالت (ديناميكية) (انسانية) ال(تأويل) لذا النص الديني ، مما جعل أي مقاربة ينادي بها أصحاب ذلك التوجه السلطوي ساقطة (واقعيا) وذلك ل(ديناميكية) الظرف والواقع ، و(ثبات) اسقاط النص (الثابت) منذ مايزيد عن ال 1400 عام وغياب العقلية النقدية وكونها استحواذا لعلماء كلام.
ليست (الشورى) هي المثال الوحيد الذي وصل الانتشاء بقدسية النص فيها حد تعطيل أي تأويل ونقد للتطبيق.

في النهاية –نهاية هذا الجزء- وددت أن أورد مثالا يوضح مدى تقيد العقل الفردي كنتاج للفكر السياسي الديني السلطوي:
قيل لي تعليقا على إختياري لكلمة (نوسطالجيا) عنوانا لهذه السلسلة من المقالات أن ذلك الاختيار لا يناسب الفكرة المطروحة في المقال وهو كما قصدت (الحنين) المرضي ، لأن التعريف الوارد في الموسوعة البريطانية (الانسيكلوبيديا) لم يورد تعريف خارج التعريف التاريخي لها.
وكأن (النوسطالجيا) هي معلومة صلبة مادية لا تمس ، إن تعليقا هشا وسطحيا وأجوفا كهذا ما هو إلا إنعكاس لظاهرة حصار التأويل الإنساني بسلاح القص و اللصق أو كما تقال بالعامية (حافظ مش فاهم).
وطبعا إذا سئل هؤلاء:
أيجب علينا أن نصادق بالمطلق وأن نغيب الملكة النقدية الفردية و الجمعية بهذا الشكل القاصر؟ وبالذات عندما نقرأ مثلا تعريف (الصهيونية) في نفس الموسوعة البريطانية (الإنسيكلوبيديا) ؟
وطبعا ...لا اجابة.

للحديث بقية

Tuesday, 23 February 2010

الحرية ، المجتمع والحكم الأخلاقي


للحرية ألف تعريف وتعريف ، لست هنا بصدد تعريفها أو تقديمها كقيمة مطلقة ، بقدر ما اريد تقديم أنساق لحركة الحرية وعلاقتها بديناميكية المجتمع و الحكم الأخلاقي.
وأعلم مقدما أن صفحاتي هذه مهما طالت فلن تفي الحرية و المجتمع و الحكم الأخلاقي وعلاقة كل ذلك بالإنسان أي حق مستحق ، بل و أعتقد أن الصواب لن يجانبني عندما أصف هذه الكلمات بأنها ليست اكثر من نقاط على حروف أتقاذفها بيني وبين أناي باحثا عن أجوبة غير ملتصقة بالأسئلة لأن لكل سؤال هو جواب يتحول بمنطق الامور إلى سؤال وهكذا دواليك..

سأبدأ بتوصيف بدائي بسيط لفكرة الحرية في مقولة ، ولا أدري من كان صاحب تلك المقولة ، إلا أنها معبرة كبداية حيث تقول:
(الحرية هي أن تمد ذراعك أينما و كيفما أردت من دون أن تصطدم بذراع من هو بجانبك) ، وفي عبارة أخرى ، هي الأكثر شيوعا في أوساط عامة الناس:
(الحرية هي أن تفعل ما تريد من دون أن تؤذي أحدا) ، وبالنظر للعبارتين يمكننا القول أنهما و إن كانتا غير صحيحتين – كما سيرد بالتفصيل – إلا أننا نلاحظ فيهما و في أي مقاربة لمعنى (حرية) أن الحديث عن تلك القيمة يرتقي من مستوى لآخر بالتوالي ، وإن كان أغلب التنظير يتوقف عند المستوى الأول –لغويا-:

المستوى الأول: هو مستوى الذات :
والذي نلحظه في ضمير المخاطب في كل التوصيفات الفلسفية و الفكرية العلمية و المبسطة لفكرة الحرية ، وهو ضمير المخاطب الوارد مثلا في عبارة : (أن تمد –أنت- ذراعك) و ( أن تفعل –أنت- ماتريد) ، ولأن المخاطب ههنا هو الإنسان ، العنصر الأول والأصيل والكامل للإنسانية ،كانت الحرية حقا إنسانيا فرديا.

المستوى الثاني : هو مستوى الأنا و الآخر:
أي المجتمع الإنساني ، وهو المشار إليه بضمير الإشارة في (تصطدم بذراع من هو بجانيك) و (من دون أن تؤذي أحدا) ، ومن فكرة الحرية والمجتمع وإستحقاقاتهما إنبثق الحكم الأخلاقي و الحسم به.

***********************************

المستوى الأول : الذات الإنسانية و الحرية كحق:

كما ذهب هيجل بإعتباره الحرية حقا لأنها فكرة ، إعتبر فلاسفة الحق الطبيعي ، بإن هناك ارتباط بين الحق في الحرية و الحق في الحياة ، حيث:

- الحرية كحق طبيعي – فردي:
الإنسان هيء طبيعيا – جسديا ، بمكونات و أجهزة خاصة ، تحدد ماهيته في الطبيعة ككائن حي ، وبما أن القاعدة الأم في الطبيعة أن كل كائن حي يستخدم ماهيته ومفرداتها و أجهزتها في سبيل ضمان استمراره وبقاؤه كما هو في السلسلة الطبيعية و المحيط الطبيعي ، فكذلك الإنسان ككائن حي ، يتوجب عليه أن يستخدم ماهيته ومفرداتها و أجهزتها لضمان بقاؤه واستمراريته ، وذلك حق طبيعي تكفله الطبيعة واضعة الكائنات كلها تحت بند : إزدواجية المؤثر و الاستجابة و التي طورها داروين لعامل الإنتقاء الطبيعي :
Natural Selection
.والذي نحن ههنا لسنا بصدد تفصيله.

وكمثال مبسط جدا لفكرة الحرية الفردية كحق طبيعي ، يمكننا إسقاطها على على شخص –واحد فقط- على جزيرة ما ، فذلك الشخص يتوجب عليه كحق طبيعي أن يبذل كل ما بوسعه مستخدما كل قدراته الطبيعية الجسدية و العقلية والتي تحدد ماهيته ككائن حي بما يضمن بقاؤه و استمراريته كفرد على تلك الجزيرة.

إذن الحق الطبيعي يتحدد بحسب الرغبة: في البقاء و الإستمرار
و القدرة: أي القدرات الطبيعية الجسدية و الفزيولوجية للفرد .

أو كما أوضح سبينوزا :
" ولما كانت قدرة الطبيعة الشاملة كلها لا تعدو أن تكون مجموع قدرات الموجودات الطبيعية فقد ترتب على ذلك أن يكون لكل موجود طبيعي حق مطلق على كل ما يقع تحت قدرته ، أي أن حق كل فرد يشمل كل ما يدخل في حدود قدرته الخاصة . ولما كان القانون الأعظم للطبيعة أن كل شيء يحاول بقدر إستطاعته أن يبقى على وضعه وأن يستمر ، و بالنظر إلى نفسه فقط ، دون أي اعتبار لأي شيء آخر ، فينبني على ذلك أن يكون لكل موجود حق مطلق في البقاء على وضعه ".*1

أو كما قال هوبز:
"الحق الطبيعي هو الحرية غير المحدودة والممنوحة لكل فرد في حالة طبيعية.) *2
وأضيف أنا ههنا: حالة طبيعية مادية.

****************************

المستوى الثاني: الأنا و الآخر:

مع ظهور ال( الأنا) و ال(الآخر) ، ولدت فكرة المجتمع ، ف(المجتمع) كلمة تعني في أبسط تعاريفها اللغوية إجتماع مازاد عن إثنين ، والذي لا يمكن فصل تلك التعاريف على إسقاطات علوم الإجتماع و الأنثروبولوجي .
إلا أن الحرية الفردية كحق طبيعي عند هذا المستوى ، لن تكون سوى مرادف ل" حالة حرب" ، وذلك لأن الطبيعة لا تعترف سوى بمنطق القوة و البقاء للأقوى ، ولا تعرف العدل ولا ترحم الضعيف ، وإذا ما طبقت إجتماعيا ، فستكون قائمة على المصالح الفردية و التي إن كانت ترنو إلى ضمان الإستمرار الفردي إلا أنها تسبب الإضمحلال و الزوال الجمعي و المدني كمجتمع متغير ومتطور أكبر من قيود الحرية الطبيعية المادية.
وطبعا في هذه الحالة لن يخرج الإنسان عن حدود الحيوانية الطبيعية المادية ، بل وسيتقيد بحدود المجتمع الطبيعي المادي الحيواني في صور قطعان تغلب عليهم صفات القطيع كسطوة الذكر الأقوى على القبيلة و توزيع الطرائد و تقسيم بقية أفراد القطيع أفقيا على درجة أرقى و أدنى بحسب القوة و الجنس وذلك أيضا لا يمكن نطبيقه إنسانيا.

ولعلاج تلك الحرية الحيوانية الطبيعية ، أذكر ماقاله سبينوزا الذي دعا إلى إقرار ضرورة وقوف العقل أمام الحالة الفردية الطبيعية للحرية ، باعتبار أن هنالك ثلاثة دوافع أو اعتبارات تفرض ذواتها لتخطي الحالة الطبيعية للحرية :

1. اعتبارات وجدانية أمنية ، تتمثل في توق الإنسان إلى العيش في أمان وعدل وقبول فكرة التعايش و التعاون : (القيم المطلقة لعلم الإجتماع السياسي إنسانيا).

2. اعتبارات عقلية تتمثل فيما يدركه الانسان من مصلحة تهم الذات والآخر كمجتمع فالإقرار بالمصلحة المشتركة أو العامة هو إعمال للعقل الجمعي وليس الفردي : (فيما تطور بعد ذلك انطلاقا من قاعدة رأي الأغلبية للمؤسسات المدنية القائمة على الإستحقاق الفردي و المنظومة العقلية و المنطقية وليست الفردية الأحادية).

3. اعتبارات نفعية تتمثل في التخلي عن المبادرات الذاتية لفائدة سلطة ذات سيادة متعالية عن الأفراد لأنها تمثل الإرادة العامة : ( وتلك كانت اللبنة الأولى التي تطور وانبثق منها مجلس القبيلة كأول نظام اجتماعي اداري نابع من فكرة العائلة مؤسساتيا كأول تجمع طبيعي ، ومع عزل فكرة القطبية والحكم الواحد إنبثقت البرلمانات ومجالس الشعب و الشورى بكل صورها كمؤسسات مدنية إستحقاقية تثميلية وليست أحادية السلطة)

وطبعا الحديث عن تلك النقاط الثلاث وبحثها وتفنيدها هو شيء بالغ الحساسية ويسهل ههنا الإنزلاق من عرض النقاط المحددة في عنوان المقال : (الحرية ، المجتمع و الحكم الأخلاقي) ، أي اجتماعيا إلى منزلق السياسة وعلومها ، وهو ما أعمل حاليا على البحث فيه في مجموعة مقالات مستقلة تتناول النوسطالجيا السياسية و الأيديولوجيا ، لذا فسألتزم في هذا المقال بالجانب الموضح في العنوانه.

إذن وبالعودة لنقطة الحرية كحق جمعي – مدني واستحقاقاتها ، أمكننا توضيحها باستخدام ذات المثال البدائي السالف الذكر عن الإنسان / الجزيرة وذلك بتغيير أو إضافة بسيطة لمنظومة : الذات / المحيط لتصبح ألأذات / الآخر / المحيط ، أي بفرض وجود شخصين إثنين (مجتمع بسيط) على نفس الجزيرة ، لتصبح حينها الحرية من حق فردي / طبيعي مكفول لحق جمعي مدني ، بكلمات أبسط تصبح عملية البقاء ليست فردية إنما جمعية فيصبح ما على الجزيرة ملك للمجتمع فيما يضمن بقاؤه .
وعملية البقاء (جمعيا) إنما هي ليست عملية قطيعية بيولوجية ، إنما هي ديناميكية فكرية وحضارية تسمو فوق حدود بيولوجيا المأكل و المشرب و التناسل ، وهو الفرق بين القطيع و المجتمع.

***************************

- الحرية المجتمع و الحكم الأخلاقي:

إذن الحرية مسئولية ، لأنها ببساطة وكما رأينا فكرة تفرق التجمع الطبيعي عن المدني لأنها المكون الأساسي للإنسانية .
فالحرية تتطور لتصبح مسئولية بالإجتماع ووجود الآخر ، لذا وجب على الفرد أن يعيها حقا إنسانيا أصيلا لا يتجزأ ، فهي لا تعطى و لا تهدى ، هي كل لا جزء له ، وكلما إزداد الوعي الإنساني الفردي بحريته ، كلما إزداد الوعي بالمسئولية عن أفعاله الحرة وحكمها الأخلاقي في المجتمع .
إن منظومة الوعي بالحرية ككل والمسئولية عنها هي العامل المؤثر في كسر المنظومة الرقابية التي تتخذ من نفسها مرجعية وعقلا أسمى إنسانيا للحسم الأخلاقي بما في ذلك من مصادرة على الفردية العقلية و الحرية ، وتصدير صكوك الغفران و الخطيئة ، ذلك الفكر الرقابي الذي تسهل استمالته سياسيا ودينيا و فكريا وأيديولوجيا ، للتحول حينها الساحة الإنسانية قاطبة إلى سجن كبير كلنا فيه سجناء و سجانون ، متذرعين بالحرية.

إن زيادة الوعي الفردي بحريته إجتماعيا ، تصعب على الفرد التهرب من الحكم الأخلاقي ، لأنه يصبح حينها أكثر سهولة ووضوحا ، ولن يكون حكرا مطلقا أو حقا مطلقا.
وعلى الجانب الآخر فإن حالة القسر أو القهر الرقابي الإجتماعي على الفرد وحريته تحت أي مسمى من مسميات القيم المطلقة أو الأيديولوجيات تسهل عليه –الفرد – التهرب من الحكم الأخلاقي لإنعدام الحرية الإجتماعية . وذلك ما يمكننا ملاحظته في الكثير من بلادنا حيث ارتبطت العدمية الأخلاقية (كفكرة) مع القهر الإجتماعي (كفعل).
ولأن كفة الميزان مابين ال(فعل) و ال(فكرة) لن تستوي أبدا ، فستظل تلك الدائرة تدور مفرغة ، وتنتج لنا العديد من مظاهر المصادرة على الحريات والعنف بمختلف صوره من تكفير وقذف ومنع ومصادرة وإعتقال وحتى تهم معلبة بالإساة للقيم المطلقة وكل ذلك لا يسمو خارج كونه فعلا لافكرة هذا من ناحية ، واستحواذ للبراءة و الشهادة ودور الضحية كأفكار من ناحية أخرى.

وهنا:
" ليس الحكم الأخلاقي معزولا عن الظروف الإجتماعية والتربية و السيرة الفردية . ونحن عندما نتكلم عن الحرية في الحسم بالحكم الأخلاقي فإننا نتكلم عن طبيعة الأخلاق لا عن طبيعة الفرد ، أي فرد ، يواجه الخيارات الأخلاقية بغض النظر عن الدواعي و الأسباب التي أدت إلى ذلك . ولكننا لم نأخذ بعن الإعتبار الظروف الإجتماعية و البيئية وظروف التنشئة الفردية التي سوف تساهم في ترجيح هذا الخيار على ذلك . إن الأخلاق المستندة إلى الحرية تفترض أنه في لحظة القرار الأخير، ماقبل الخطوة العملية ، يكون القرار حرا مابين أن تفغل أو لا تفعل ، لأنه كان بالإمكان ، ولو كإحتمال ضعيف ، اتخاذ قرار آخر . وكلما ضعف الإحتمال إزداد التحدي الأخلاقي صعوبة ، وهذه الصعوبة لا تغير من التعامل الإجتماعي مع الحكم كحكم حر . فالحرية مسئولية."*3

يمكننا القول إذن أن (الحرية) و (المجتمع) و (الحكم الأخلاقي) ليست عناصر سابحة في الفراغ ، بل هي عناصر ترتبط في دواخلها ككيانات مستقلة و بينها وبين بعضها ككيانات متصلة بالوعي ، لذا وفي النهاية فإن منظومة (الحرية المجتمع و الحكم الأخلاقي) هي مسئولية إنطلاقا من الوعي بها جميعا.

لذا فذلك الوعي هو الذي يأتي قبل الإتيان بأي فعل من ناحية الفرد ليصبح:

1. وعيا بالحرية في عنصر (الذات/ الأنا) أثناء الإتيان بالفعل أو الإنتاج لتصبح عملية حرفية عالية الجودة كذلك المنتج أيا كان فكريا ثقافيا معرفيا أو فنيا ، تيقنا أنها –عملية الإنتاج أو الفعل- إنما هي إنعكاس للوعي الفردي بالحرية الجمعية – المدنية وبالتالي المسئولية اتجاه المجتمع.

2. وعيا بالحرية في عنصر (الهو /الآخر) وذلك في عملية إستقبال ذلك المنتج أو الفعل ونقده وتفنيده والتنظير له على مستوى يتناسب مع درجة الحرفية و المهنية التي أنتجت المنتج أو الفعل أيا كان.

لتصبح حينها عملية الإرسال و التلقي بين الفرد ( الأنا) و المجتمع (النحن) ، هي عملية ، فعلها ورد فعلها هو الفكرة وليس الفرد.
وبصورة أكثر عمقا ، تصبح عملية إستيعاب (الآخر/ الهو) لحق (الذات / الأنا) الفردي الحر في البقاء و الإستمرار و التعبير عن الذات المميزة له وهي العقل و الفكرة هي عملية إثبات تميز :
Individualism.
تصب في النهاية في خدمة المجتمع . كذلك تصبح عملية إستيعاب (الذات/ الأنا) لخصوصيات تجمعها مع (الآخر/ الهو) هو تقدير لخصوصيات وفردانية وتميز ذلك المجتمع بذاته مما لاشك أن ينعكس على المنتج أو الفعل.

لذا فبتواجد هذه الدرجة من الوعي بكمال الحرية الطبيعية و المدنية ، تسهل عملية الحسم الأخلاقي ، والتي لن تتعدى حينها أن تكون مجرد عملية جمع وطرح فكرية للفكرة و الفكرة المقابلة ، وطبعا فإن الزخم الفكري الناتج سيؤدي إلى:

1. رفع مستوى الوعي و الثقافة في المجتمع.

2. السمو فوق الكثير من مشاهد الشخصنة الفكرية المقيتة و المدمرة.

3. سمو الخطاب بين المرسل و المتلقي إلى مستوى الفكرة أكاديميا ومعرفيا و ثقافيا ، والتخلص من متلازمة الإتهامات المشخصنة و المعلبة وحالات الخوف المرضي من الأسئلة.

4. القدرة الفعلية على إستقراء المنتجات و الأفعال التاريخية وإسقاطاتها بموضوعية بعيدا عن إستقطابها ايديولوجيا أو إنتقائها أو عزلها أو حتى نسخها كما حصل ويحصل مع الكثير من الأحداث التاريخية ، والتي يتم فيها توزيع صكوك الشهادة والبراءة على القتلة ، وتجريم وقذف وتخوين غيرهم والكثير من مشاهد النوسطالجيا.

5. التخلص من القياسات المحدودة و الإختزالية لأي منتج ثقافي أو فني أو فكري أو معرفي بمعزل عن واقعه و المحيط ، بل و الحكم على تلك المنتجات بالنجاح أو الفشل أو الرقي أو التدني أو السمو أو الإنحطاط لأسباب غالبا ماتكون غير إستقرائية للواقع ودرجة التباين بين جاهزية / خصوصية المجتمع ووعيه وثقافته وخواص المنتج.

6. إقتصار المسمى الفكري إنتقائيا ، لما في ذلك من مظاهر الحق المطلق المجحفة ، حيث أن المعرفة والتجربة الإنسانية هي تراكمية ، فلا يمكن القول بأن تلك الفكرة هي (فكرة) وغيرها لا ، ببساطة لأن الأضداد تخرج من ذواتها ، وكما قال فوكو : " أركيولوجيا المعرفة أثبتت المع و الضد في ذات السياق) ، أي أن الفكرة لا تصبح استحواذا رأسيا انما هي إستحقاق أفقي .


"الخوف لا يقود أبدا إلى الحب ، وقد لا أكون مخطئا إذا قلت أنه أقصر الطرق إلى الكراهية ثم الحقد وأخيرا العنف أو أكثر . فالخوف قد يخلق الطاعة الظاهرية أو الشكلية وربما يوحي بالإستقرار ولكنه لا يؤدي للطمأنينة"

عبدالرحمن منيف في رائعته من أدب السجون "الآن ..هنا"

وفي النهاية تلك الأطروحة قابلة للتطبيق على أي منتج إنساني أيا كان تحت هذه السماء.




_________________________________________________________________________________
1.Spinoza, politics
2.Hobbes. Leviathan
3.عزمي بشارة، طروحات عن النهضة المعاقة

Monday, 25 January 2010

القوة و المعرفة : العولمة (4): الثقافة و الهوية


تستند العولمة لدى الحديث عن الجانب الثقافي منها – وهو الأهم حضاريا- على ما يسمى بالثقافة العالمية ، والتي ساعد ومهد لها مجتمع الإنترنت ووسائل الإتصالات الحديثة تاني جعلت من هذا العالم قرية بالغة الصغر، وما يحدث في غربها يعلمه من في شرقها لحظة حدوثة ، بل أن ذلك المجتمع مهد لمن يريد أن يبحث عن التفاصيل المتعلقة بأي شخص أي يبحث عنه في محركات بحث أو في مواقع إجتماعية أخرى.
وعموما لدى الحديث عن الثقافة و الهوية ، وإسقاطات العولمة عليهما توجب علينا أن نضع نقطة بداية وهي التعريف :
فالثقافة كما عرفها الدكتور محمد عابد الجابري هي ذلك المركب المتجانس من الذكريات و الصور والقيم و الرموز والتعبيرات و الإبداعات الناتجة عن التعامل مع الطبيعة ومع المجتمع الإنساني .
وأضيف أنا ههنا للتعريف أعلاه أن ذلك المركب أو النتاج هو الذي يحتفظ لجماعة بشرية بجزء كبير من هويتها الحضارية ، المؤكدة لحضورها التاريخي وذلك في إطار ما تشهده من ديناميكية أولا داخلية بين الأنا و الذات وثانيا وبالتوازي ديناميكية خارجية بين الأنا و الآخر .

لذا فمن المنطقي أن نجد في النهاية أنه كما أن للثقافة ألف تعريف و تعريف إلا أنها جميعا تتفق في :

1. في الثقافة ماهو خاص وماهو مشترك إنسانيا.
2. في الثقافة ماهو ثابت وماهو متغير.
3. للثقافة علاقة هوية وكينونة باللغة.
4. الثقافة قابلة للطرق و السحب إن صح التعبير.
5. الثقافة هي التعبير الأمثل عن النظرة المجتمعية للعالم و الكون لأمة ما بعينها في الزمان و المكان المحددين ، وتلك النظرة غير ثابتة.

أما الهوية فهي ليست كلا من ثقافة ، جنسية، أرض ، تاريخ ، جغرافيا ، لغة ، دين ، عرق ، طائفة ، إثنية ، أو أيا كان ، بل هي حالة من التماهي بكل هؤلاء في آن ، وليس إحتواءا ، لأن الإحتواء يستلزم بوجه أو بآخر إحدى صور الثبات في حين أن الهوية هي مماهاة ديناميكية بالتراكم لا تعود لنقطة الصفر ابدا .
وهذا مايغفل عنه الكثيرون أن الهوية متى إنغلقت أو ثبتت على عنصر واحد فقط اصبحت مدمرة لذاتها وللآخر ، فيما يفسر لنا الكثير من الأحداث التاريخية ، وسأعود لتلك النقطة في مقال لاحق.

ومن هنا يمكننا القول أن الثقافة و الهوية لا يكتملان ولا يتكونان بعيدا عن فكرة المجتمع الإنساني أي بعيدا عن الآخر ، لذا و بالرجوع للخواص المذكورة للثقافة ، يمكننا القول أن لذلك الآخر دوره في :

1.الإنطلاق من نقاط الإشتراك للإختلاف و التمايز بين الهويات ثقافيا ومنها حضاريا / إي إحداث تغيرات ثقافية إنطلاقا من الثبات للتغير.
2. إحداث حركة تطوير لغوية عن تطريق توسيع أبجديات التواصل وأصواتها ، فاللغة كما ذهب جان جاك روسو في مقالته: مبحث في أصل اللغات تتطور مع تطور الحضارات ، وهذا مايفسر إرتباط سطوة لغة ما بسطوة حضارتها والعكس كذلك.
3.إعادة تشكيل الثقافة والنمو بها طرقا وسحبا كنتاج طبيعي عن التفاعل مع الآخر في المجتمع و التفاعل مع الكون.
4. تغيير النظرة المجتمعية للعالم و الكون ، بمنحى لا يعرف الثبات.

ومن هنا نجد أن هويتنا الثقافية تتشكل وتنمو بقدر تفاعلنا مع ذواتنا ومع الآخر في ديناميكية علاقة لا تنتهي هي : الأنا و الذات و الأنا و الآخر.

لذا وجب علينا التوقف لدى المنتج الثقافي الذي نتعاطاه مع الآخر من حيث الكيف و الكم وأسلوب التواصل كاللغة و الخطاب ومساحة التواصل من إرسال و إستقبال ، كل ذلك مع موازنتنا معرفيا بين الإنفتاح الثقافي على الآخر وثقافته ومدى إحتوائنا لثقافتنا و إرثنا وذاتنا التاريخية وخصوصيتنا الحضارية بعيدا عن الإنغلاق عليها ـ تحت أي دعوة أو تلاعب لفظي يصل إلى تسميتها بالمرجعية المقدسة .
كما يجب علينا التنبه إلى الفرق الخادع مابين لفظ (العولمة) الثقافية حضاريا كعملية إقتصادية الطابع تقتحم الخصوصيات الثقافية و الحضارية لتحتويها وتحولها لمنتج ثقافي إستهلاكي بقاؤه على الساحة الحضارية مرهون بنسب المشاهدة المرتفعة والدخل الناتج ونسبة الإعلانات التجارية .
ولفظ حضاري آخر هو : (العالمية) الثقافية التي لا تقتحم خصوصيات الثقافات وتنتطلق من قاعدة التشابه ، وتعرضها كما غيرها على مستوى أفقي بعيدا عن ثقافة ال
Best seller
عرضا يقدم الثقافة الأخرى كجزء من خصوصية هوية الآخر ، الآخر المسهم في علاقة : الأنا و الآخر.

ولأننا نحيا في عصر المعرفة السريعة بإمتياز ، عصر المعلومة الأثيرية ، وجب علينا التوقف لدى قنوات التواصل والتي يجب ألا نغفل التالي لدى تناولها:

1. هناك ما يقارب ال 2000 قمر صناعي يدور حول كوكب الأرض للقارة الأمريكية الشمالية منهم نصيب الأسد.
2. في العالم يوجد أربع وكالات عالمية للأخبار عبرها ينتقل الخبر:
- الأسوشيتيد برس الأمريكية
Associated Press.
- يونايتد برس الأمريكية.
United Press.
- وكالة رويتيرز البريطانية.
Reuters.
- فرانس برس الفرنسية
France Press

وبقراءة بسيطة لعالم الإنترنت ومحركات البحث فيه أمكننا معرفة تلك القنوات التي تصل من خلالها المعلومة إلينا ، ناهيك طبعا عن أن جميع المجتمعات المعرفية الإجتماعية المعروفة في عالم الإنترنت تقع على نفس الشاطيء.

اللغة (وباختصار):
كما ذكر روسو هي خط موازي للتطور الحضاري ، لأن اللغة تزداد غنى وديناميكية بزيادة الحاجة عن التعبير عن الذات في عملية التفاعل مع الأنا و الذات.
ومما لاشك فيه أن الحاضر بقوة سياسيا وثقافيا و إقتصاديا ومعرفيا هو الأقدر على فرض لغته ، إلا أن ذلك لا يعفي الطرف الأضعف أو الأقل قوة من واجب الذود عن لغته/حضارته ، لأن اللغة تمثل مفتاح التواصل و التعاطي حضاريا لأنها ببساطة الأكثر تعبيرا وإحتواءا وإنعكاسا للخصوصيات الحضارية و الثقافية و الهوياتية . ومن هذا المنطلق خرجت لدينا على الساحة العالمية نوافذ في عالم الإنترنت و الفضاء الإتصالي مثل مشروع أوروبا جارتنا الموجه للعالم العربي وبالذات دول ساحل البحر الأبيض المتوسط .
ونافذة أخرى هي القناة الفضائية الروسية المتحدثة باللغة العربية ، وكلها نوافذ بقدر ما تستحق الإحترام بقدر ما تعري سؤالا حاضرا وبقوة:
أين نحن؟؟؟

وبالعودة للعلاقة اللغوية بيننا وبين الآخر وجب علينا إيراد الملاحظات التالية:

1. 88 % من معطيات الإنترنت يتم باللغة الإنجليزية.
2. 75 % من أجهزة الحاسب الآلي تمت تصنيعها باللغة الإنكليزية.
3. 60 % من البث التلفزيوني لمشاهد العالم و أحداثه هي منتجات أمريكية.

ولكي لا تفهم أطروحتي عن العولمة بأنها طرح لنظرية المؤامرة سأورد مثالا صغيرا يوضح أن سباق التفوق الحضاري لا علاقة له سوى بالرغبة في سمو الذات الحضارية بعيدا عن هوية الآخر المتأخر أيا كان دينه وإثنيته وهويته وحتى تاريخه الذي لا يستطيع إستقراؤه في الغالب ويعلق في إنشائية الخطاب وتفصيله بحسب مقاسات الآخر شخصانيا وليس فكريا أو حضاريا .
فإفريقيا بتعدد أديناها السماوية والوثنية ولغاتها وحضاراتها و إنتماءاتها لا تمثل أكثر من 2% من حركة إنتاج الكتب عالميا.
نظرية المؤامرة التي يسعد لها الكثيرون لأنها تطبب الكثير من جراحهم التي أحدثوها لأنفسهم بأنفسهم ، وتسبغ عليهم دور الضحية والشهادة بأي مرجعية كانت وإن كان أكثرها حضورا هي المرجعية الدينية التي أتت علينا بقميص عثمان الذي جعل البعض يلغي جميع هوياتنا ويأدلج كل شيء حتى الله بعد العقل والإنسانية وحتى التاريخ.
بل إنني أرى أن أطروحتي هي نقدا لكل الخدرين بنوسطالجيا نظرية المؤامرة أيا كانوا و أينما كانوا ، فإذا كان الآخر يطرق كل الأبواب بعيدا عمن ورائها نائما ، فذلك لا يعطي لذلك النائم إذا ما إستيقظ فزعا حق التشاكي وإستحواذ البراءة أيا كان .

أعتذر عن خروجي عن العرض ، وبالعودة ثانية للغة :

- الدبلجة :
لحركة الدبلجة تأثيرها القوي في ثقافتنا المتراكمة ، لأنها تتناول الفضاء التلفزيوني و السينمائي وهو صاحب الشريحة الأعرض تعاطيا في عصر الإستهلاك.
إلا أن تلك الدبلجة لا تتم من لغة لأخرى بل من لغة للهجة ، مما يعمق الفروقات اللهجوية بين الشعوب على حساب الإجتماع اللغوي .
وسيتساءل سائل عن الفن التمثيلي وعلاقة اللغة بخصوصية المجتمع المقدم في ذلك الفن فسيكون ردي أن الفن متى كان معبرا عن مجتمع ما عربي فأهلا باللهجة المحلية لذلك المجتمع لما في ذلك من كونها معبرة عن خصوصياته وتقاطعاتها جزئيا في الجذور مع الكثير من مجتمعاتنا العربية ، ولما في ذلك أيضا من كسر حواجز اللغة بين أبناء الشعوب العربية الواحدة
إلا أن الدبلجة –كأداة تقديم- عندما تصبح من لغة غريبة تماما كالهندية والفارسية والإنجليزية و الفرنسية والألمانية والإسبانية وحتى التركية* ، فلا يجب أن تتم الدبلجة منها لللهجة الخليجية مثلا أو المصرية أو اللبنانية ، لأنه وببساطة المقابل لتلك اللغة أيا كانت هو اللغة وليس اللهجة.

- الكتابات الفكرية و الأدبية و الثقافية :
من الملاحظ على الساحة الثقافية الحالية ظهور الكثير من المنتجات الفكرية والأدبيات العامية ، والتي لايمكن بحال من اللأحوال إنكارها لا الآن ولا أبدا ، ولكن سطوة تلك الأدبيات أولا ومن ثم طرقها لمجالات معينة بذاتها مثل الفكر و الفلسفة و النقد وعلم الأديان و الإجتماع السياسي ، إنما هي ظواهر لا يمكن إغفالها أو تجاهل مسبباتها والتي أولا تدل على إفتقار اللغة العربية لسطوتها بين الذات و الأنا ، ليصبح التعامل باللهجات العامية في تلك المجالات مبررا بكل قصورها وميوعة ألفاظها وسقطاتها الفكرية التي لن تحمي جودة الخطاب و المادة المطروحة من تلاعب أو تقصير فكري أو تعبيري.

- الترجمة :
و الحديث عن الترجمة يطول بما لا يتسع له المقال ، إلا أن الترجمة في سياق التفاعل الحضاري على مدى التاريخ والذي أوضح لنا أن حركتها كانت دوما من اللغة المتحضرة أو المتطورة إلى تلك الأقل ، لما في ذلك من من اللحاق بالركب الحضاري.
فسر ذلك الكثير من شواهد التاريخ حين ترجمت الكثير من كتب العلوم و الفلسفة و الطب و الكيمياء وغيرها من اللغة العربية إلى اللاتينية ، يكفي من ذلك للذكر عدد الترجمات التي فاقت الثلاثمائة في قرنين من الزمان. مما جعل الكثير من الحضارت الأوروبية التي قامت على أحداث إقصائية كمحاكم التفتيش ليست بالقادرة على التخلص من الإرث العربي للمعرفة مهما كانت الوسائل ، يكفي لذلك ذكر أن ملابس ملكة إسبانيا بعد سقوط الحكم الإسلامي في الأندلس كانت مطرزة بحروف عربية ، لأنها صيغت بأيد عربية.

أين نحن الآن من حركة الترجمة في ظل سطوة اللغة الإنجليزية (ليس وحدها)؟؟؟
أين نحن منها وأسبانيا وحدها تترجم ما يفوق حجم مايترجمه عالمنا العربي و الإسلامي المخدر كاملا؟ ناهيك عن جودة عملية الترجمة تلك وإفتقارها للموضوعية و الأكاديمية و الرقابة الحرفية ، الذي يجعلها عرضة لهوى مترجمها.


- الرقابة:
مابين كتب ممنوعة رقابيا وإعفاءات مشروطة وموافقات جزئية تظل الرقابة بقدر ما هي منهج نظامي رسمي ، إلا أن اصلها الفردي و الإنساني الذي يوجد له الكثيرين مبررات تحت مسمى الدين أو الأخلاق أو الوطن ، يجعل من الساحة الفكرية في اوطاننا سجنا كبيرا كلنا فيه سجانون وسجناء ، نحتاج صنما أكبر ليوافقك على مانتعاطاه فكريا فيقبله أو لايوافق فيرفضه ، ونحن نتبع فقط ،لدرجة أوصلتنا بالتتابع لتجاهل الفكرة في حد ذاتها وتقييد حريتها ، و التي هي حق مكفول و أصيل إنسانيا تقف ضد الصنم أيا كان. :

http://timeofwhitehorses.blogspot.com/2009/08/blog-post_13.html
و
http://timeofwhitehorses.blogspot.com/2009/08/blog-post_20.html


- ثقافة الصورة :
في عصر تحولت فيه كل صنوف المعلومات و المعارف إلى منتجات إقتصادية تدر عائدا ماديا ظهر ما أسميه بثقافة الصورة و التي نتجت من حالة الإكتمال الفني و البهرجة والمبالغات الفنية الإستعراضية في الصور جعلت منها منتجا شهيا لايقاوم ، وفي نفس الوقت ثقافة التيك أواي.
فالصورة هي المعبر الأول و الأسرع عن المعلومة ، لذا فاللجوء لحرفية إستعراضية في الإعلام جعل منها أسرع رسالة و أقلها مقاومة ، لذا نلاحظ سطوة الإقتصاد و الرسائل المبطنة فيما يعرف ب الراعي الرسمي ، و الذي يظهر دائما لدى المنتج الصوري غن جاز القول أكثر من غيره من صنوف المنتجات المعرفية.
ومن مشاهد ثقافة الصورة أيضا ثقافة المقاطع ، أي في لفظ آخر ومقاربة أخرى ثقافة الإقتباس اللفظي أو الصوري في بعض الأحيان . فيصبح أي توجه فكري او معرفي أ, ثقافي معلبا في إقتباسات مقطوعة أو موتورة عن السياق أو الجسد الكلي مما يفتح لها باب التعرض بسهولة للتوجيه ، وذلك بعيدا عن الحجم الثقافي و الكلي لها ، ومشاهد ذلك كثيرة ليس أقلها إختصار التوجهات الفكرية في مقطع فيديو من دقيقتين أو أقل أو أكثر ، هو كل مايحتاجه البعض في زمن السرعة لإصدار الحكم الخالي منطقيا والغير موضوعي على ذلك التوجه كله.



وللحديث بقية

Tuesday, 19 January 2010

كانت حلما


- قالت:

لا تذهب.

..............

- قلت:

سأظل حاضرا معك أسرق من خديك قبلة على غير إنتباه منك...وأمازحك وأنت تفتحين مظاريف البريد..وأنفخ دخان تبغي عليك وأنت تقرأين كتابك..
سألعب بألوانك وفرشاتك...
ساظل أدور في فلكك لأنني لاأحيا خارجه..
وستكونين شمسي وسأرجع بنا عصور المايا لأتنسك بمحرابك ولا أغيب عنك..
إلأ أنني أخاف أن انتمي إليك..
وأ خاف أن أنتمي لشيء غيرك..

............

- قالت:

أمن الممكن أن تضعني قلما من أقلامك لأحس حميمية علاقة الحب بينك وبين الكلمات..
لأشهد الورقة كشرفش سرير بعد ليلة حب أيروسية...
.......

- قلت:
أعترف أنني أستمتع بضعفي أمام أنوثة عباراتك وخيالك وكلماتك...وأعلن أنني سأبدأ علاقة حب أسطورية معك بأثر رجعي...
سنسير معا في الزمان للأمام و الخلف معا...
ليتك أمامي لنصل معا لحالة من النشوة الشعرية بعيدا عن كوكب البشر ..
فنصعد مجالس الآلهة..
ولنعلم شيفا وكالي عذرية الكلمات....
.........


أغــار من الأشياء التي
يصنع حضوركَ عيدها كلّ يوم
لأنها على بساطتها
تملك حقّ مُقاربتك
وعلى قرابتي بك
لا أملك سوى حقّ اشتياقك
صدقا أغار من مكتبك..
من مقعد سيارتك
من طاولة سفرتك
من مناشف حمّامك
من شفرة حلاقتك
من شراشف نومك
من أريكة صالونك
من منفضة تركت عليها رماد غليونك
من ربطة عنق خلعتها لتوّك
من قميص معلّق على مشجب تردّدك
من صابونة مازالت عليها رغوة استحمامك
من فنجان ارتشفت فيه
قهوتك الصباحيّة
من جرائد مثنية صفحاتها.. حسب اهتمامك
من ثياب رياضية علِق بها عرقك
من حذاء انتعلته
لعشائنا الأوّل..
.....................


- أجبت :
لا أملك سوى أن أحسد من أحبك يوما..
وأحسد من لم يحبك يوما..
الأول على ضعفه..
و الثاني على قوته
..............................


ردت:
و انا احسد كل امراة مرت باراضيك يوما
و حاولت عبثا ان تعشش داخلك
.................................


أشتاقهن جمبعا فيك..وأعلن إتحادي بأنوثهن جميعا...ووحدتي بدونكن جميعا..
تبتلعني وحدتي و أخاف علي مني..أن أتحجر وحيدا ههنا..
أن لا أعي إنسانيتي إلا في كلماتك...كلماتكن وآهاتكن..

وأعلن منفاي ووطني في إناث/مدن علموني الأسفار لغة وعشقا...

...........................................

انا ايضا تائهة في خضمك
صرت لا ادرك سوى ..
انك نقطة ارتكازي..
على هذه الكُرَةِ الأرضية المُهتزّهْ..
.........................................

- قلت لها:
أعلن من تلك النقطة الصغيرة إحتياجي إليك..
وإتحادي بحزن عينيك..
وجمالية كلماتك..
وغواية أسطورتك المنسدلة ليلا كاحلا على أكتافك..
عمديني في حلمك لألا تصلني سهام الحزن بعدك..

………………………………

قالت:

يكفينى من حبك انه......يملأ دنياى ....ويكفينى
عمرى الآنى.....والآت بعمرك يطوينى
يكفينى .....انك........................تكفينى
بدايتك بدايتي

………………………………..


فإسمحي لي أن أحبك من حيث إنتهت كلماتك..من البدايات....
بدايات الشعر..
بدايات العشق..
بدايات الغواية..
بدايات الحلم..
بدايات الغزل..
بدايات الموسيقى..
بداية الشعر..
بدايات الوطن..
بدايات الجنة..والإنسانية ..فلنكن آدم وحواء في أولى دروس الحب..لنعلن ثورتنا على أوراق التوت..فهل سيكفينا ما بقي من حلمنا..لنبدأ
....................................................


نعم سنبدأ...
سننشئ و نخلق..
سنعلم هذه الارض العشق و الشجاعة و العقل...
و نهزها هزا...
سنخلق الرياح و العواصف...
و نخلق الرعود و الزلازل...
و سننشئ الحب....
فهات يدك و...
لنبدأ


أتراها تحتمل عنفوان حلم جمعنا أم ستضيق عليه سماوت سبع و أراضين سبع..
وإن كان كذلك..
سنرتحل بين الكواكب و الأجرام..
سنطير في سماء الاسطورة..
نجمين من مستحيل..ومرمر..
سأفلح الأرض و السماء من رمان شفتيك..
لنعلم الآلهة الحب...
ولنعط التايتان سببا..
ليظلوا يحملون هذه الأرض...

والحلم..
.............................................

نعم سنرتحل..
سنطير ... سنحلق عاليا
سنخلق...
سنتوحد...
سنكون معا...
و سأكون في كل روح ... رَوحك

وفي كل دورات التناسخ التي سنحياها...
و سنأسس لمملكة عشق لم يسبق لأحد قبلنا ان اسسها
و سنبدأ من البدايات..
..............................................


وننتهي عند البدايات...


لتصبح بدايتنا عشقا...
وعشقنا بداية...
ولنضع تعريفا للزمان .. زماننا... بزماننا
وللمكان ...مكاننا..بمكاننا..
وزماننا نحن عاشقين..
ومكاننا..نحن لازلنا عاشقين..
لنجعل المنفى و الوطن عشقا..
لنجعل الأضداد و المترادفات بنا عشقا......
لنجعل الأصل في كل شيء العشق...
ليصبح بنا الحب معضلة وحلا...
أبجدية ورسما..

.............................................


- سألتني بخوف:
ولكن سيقبض على كلينا اذن بتهمة التورط في الحب..
............................................


سنعدم في ميدان عام على رؤوس العشاق..
ليتعلموا أن العشق في هذا الزمن جريمة...
هو نزول بالجنة إلى الأرض لتتسع لعاشقين إثنين فقط...
يراهم الناس ..يتناوبون العشق و الحياة على سرير العمر لا ينفصل جسداهما..

في نشوة صارخة الآهات..تصم آذان هذا الزمان الأصم
ها أنت ههنا..
داخلي ..
أحيط جسدك العاري المرمري
لتشرق الشمس من بين نهدين من سحاب...
وليغطيني شعرك
مسترسلا
كل خصلة تمر بمقام صالح..
لأرص قبلاتي على خط ظهرك...
سلسلة من بلورات و أحلام...
على كل جغرافيا المستحيل...
.......................................................


و سنفض بكارة الجنون...

…………………………………..

وسيفيض دمنا رحيقا من شجرة الحياة....
يزرع بكل أرض حلما وعشقا..
ولن نكتفي جماعا حتى تزهر الأرض جنة..
فينادي المنادي ليوم الحساب ..
فلا جهنم هناك..
فالجيم تركتها للجنة
و الجنون
والجماع
جنتنا وجنوننا وجماعنا....


فلنصبح معا على ورد...
على موعد آخر مع حلم...

Thursday, 14 January 2010

حاسة


إحترت كيف أصف صوتك..وكيف إحتلتني بحة المرأة فيه..
كيف كانت بريئة...متدثرة بدثار من الغواية والذكرى ..
تعري أحد النهدين وكتف...
وإنتماء....إنتمائي إليهما...

كيف لك ولبحة هذا الصوت أن أراك بكامل النقصان حولي...
تلمسين صدري المتيم بإصبع من منمنمات نساء....
عشقنني..وتركنني....
تزرعينه حلما وشوقا ....ونشوة...

كيف لحاسة كالسمع ظننتها بريئة...
أن ترتحل بي في ليل الغواية و العشق...
في أيروسية صوت وخيال...
هو صوتك وخيالي...

ياإلهي كم إشتقتك...بحاسة


Friday, 8 January 2010

المعرفة و القوة : العولمة (3): إرث الإستشراق و الإستعمار


للفظة ( الشرق) و (الغرب) الكثير من الدلالات السياسية و الحضارية و الأيديولوجية خارج المدلول الجغرافي البريء في كتب الجغرافيا في المدارس.

فإفريقيا التي تعتبر جزءا من الشرق السياسي ، تقع إلى الجنوب جغرافيا من القارة الأوروبية و التي بدورها جزء من الغرب السياسي ، و الأخيرة تقع إلى الغرب جغرافيا من الولايات المتحدة التي تمثل قطب الغرب السياسي.

وهكذا ، فسقوط إحتكار مدلول مسميات كالشرق و الغرب جغرافيا ، يفتح بابا للتساؤل عن الإرث المنتج من تسييس الإتجاهات الجغرافية .

ولم لم تنتج تلك الإتجاهات الجغرافية حركة معرفية تعادل الإستشراق ولتسمى إستغرابا؟

بل ولم لم يتم الإمعان في تقسيم الغرب معرفيا وسياسي كما قسم الشرق إلى أوسط و أدنى و أقصى؟

كما لم توجد حركة معرفية أنتجت لنا كل هذا الكم من أقسام دراسات الشرق في جميع جامعات العالم ومحافله الدولية واللغة العربية تحديدا و التي سميت الإستعراب.

وماعلاقة ذلك الإرث المعرفي المسيس - في ظني - بالحركة الإستعمارية قديما والعولمة حاليا؟؟

إن الشرق و الغرب لاحد يفصل بينهما ، كما أن مدلولاتهما السياسية و الحضارية ليست بحال من الأحوال بريئة من الإرث الإستشراقي ، مما يستخدم كأداة تعريف وتنميط للعلاقة في الحوار الحضاري بين الأمم ضمن أطر بعينها.

وقد يظن انما المعنى قد سيق به ضمن سياق نظرية المؤامرة في حين أنه ليس سوى صراع قوى على المصالح و الثروات والنفوذ أيا كان الطرفين، ولو فرضنا أنه كان معكوسا .

فالإستشراق في أبسط صوره وتعاريفه :

هو ظاهرة دراسة المجتمع و الأدب الشرقي من وجهة نظر غربية ( لاحظ الجهات الجغرافية الموجهة) ، إلا أن الإستخدام الأغلب كان لدراسة الشرق إبان العصور الإستعمارية مابين القرنين الثامن عشر و التاسع عشر الميلاديين . (لاحظ أولا الجهات الغير جغرافية وتقيد المعرفة الحرة فرضا بزمن).

وقد قدم المفكر إدوارد سعيد تعريفا لل "إستشراق" في كتابه الذي حمل نفس الإسم وصدر عام 1978 ، ثلاثة تعريفات للإستشراق ، يعتمد بعضها على بعض :

* التعريف الأول:

كل من يدرس الشرق أو يكتب عنه أو يبحثه سواءا في سماته العامة أو الخاصة فهو مستشرق، ومايفعلى هو إستشراق.

* التعريف الثاني:

الإستشراق هو أسلوب من الفكر المستند على تميز وجودي ومعرفي بين الشرق و الغرب.

* التعريف الثالث:

أسلوب غربي للسيطرة على الشرق وإعادة هيكلته لإمتلاك السلطة أو السطوة عليه وتطويعه.

ومنطقيا تتبع ذلك إنتاج ثلاثة أنواع من المستشرقين لا يسعنا ههنا اعطاء أطروحة الدكتور أدوارد سعيد حقها من التفنيد و النقد ، إلا أن ما يمكننا قوله أن الفكر الإستشراقي قد أنتج لنا منتجا فكريا تناول التعاطي مع الإرث المعرفي العلمي و الفلسفي و الديني و الحضاري الشرقي بكل جوانبه ، و أخص بالذكر ههنا الجانب العربي عامة و الإسلامي خاصة بدون الفصل .

وذلك لأن نصيب الشرق (الجغرافي) من دراسات الإستشراق التي تناولت الحضارات الصينية و الشرق الأقصى والساموراي و الكونفوشيوسية والبوذية و الهندية وما إلى ذلك قد وظفت جيدا وكما يجب أن تكون: دوعة للتوازن مابين الأصالة و الحداثة لتصبح منطلقا للكثير من الدول للتقدم كالهند التي إنعدمت حركة الإستيراد لديها واليابان العملاق الصناعي وأخيرا وليس آخرا العملاق الصيني الأحمر ، وذلك مع كل الإحترام لفارق الزخم الحضاري و التاريخي و الثقافي.

كان ذلك المنتج الفكري الإستشراقي أحد إثنين:

1. منتج تعمد تزوير الحقائق التاريخية وشواهدها على أرض الواقع ضمن الإطار السيادي (فرق تسد) ضمن منهجية تميزت بإنعدام الموثوقية العلمية و الأكاديمية و المهنية والتي وصلت مؤخرا حدود التزوير ، والتركيز على الشواذ التاريخية وتعميمها كنمط كأزمنة الحروب و المحن ، وكذلك أنماط الطائفية الدينية و القبلية المتصارعة وغرسها ضمن السياق التاريخي كقاعدة متجاهلا الكثير من شواهد التمازج الحضاري و الثقافي و العلمي الذي وصل حدود هيكل الدولة التي أصابت من المؤسساتية الكثير، مما شهدته الساحة الحضارية العربية و الإسلامية بكل ما أفرزته من فنون وآداب ، منكرين ذلك الدور التأسيسي في الحضارة الإنسانية ككل.

إن هذا المنتج يحمل في طياته خطرا حضاريا محيطا لا يمكن إختصاره في التزوير فقط ، لأنه دعوة للعقول والأقلام الفكرية و الثقافية العربية و الإسلامية لتصبح فقط ردا لفعل، كل ماعليه أن يبحث ويفند تلك التواترات الضعيفة و المغلوطة وتنقيتها من توجهاتها السياسية الغير بريئة ، وذلك بالسير في التاريخ إلى الوراء و الإمعان في قراءته بشكل إنتقائي ورجعي. في وقت نحن أحوج ما نكون فيه لقراءة فلسفية للتاريخ مهمتها تصويب أخطائنا لا أخطاء الآخر.

كما أن ذلك المنتج يولد إحساسا غير ديناميكي في أغلب الأحيان بالظلم ينتهي بالكثيرين لإستحواذ دور الضحية والشهادة ، فيما يفسر تسرطن نظرية المؤامرة الذي بلغ حده أن إستفحل في الكثير من العقول الموجودة حاليا على الساحة الفكرية و حتى السياسية.

2. منتج ثاني و إن كان يتحلى بالمصداقية و الثبونية والأكاديمية التاريخية إلا أنه في نظري يعد أشد خطورة من المنتج الأول و إن كان ينتهي لنتيجة مقاربة.

لأن كل تلك العناصر لدى التعامل مع التاريخ الشرقي العربي و الإسلامي ، وماأثبته من دور ذلك الشرق في البناء الحضاري الحالي - تحت أي مسمى جهوي كان- ، إنما هو و بالموازاة معنظرية المؤامرة يعد مخدرا ، كمن يتغنى اليوم لفقير معدم بثروة أجداده ومجدهم وسلطانهم ، فينام ذلك المعدم حالما بالثروة والمجد و الغنى ، بعد أن تمت تغذيته بالحلم البائد ليصبح حلم يقظة يحمله لبعد آخر عن الواقع ، وهو في كلا الحالتين : في صحوه ومنامه ..هو مغيب.

إن كلا من المنتجين السابقين للإستشراق ورد الفعل الناتج عنهما إعتبار أنهما أفعال ، يشكلان سببا رئيسيا في ما آلت إليه الحركة الفكرية الثقافية في عالمنا العربي و التي إقتصرت لدى تفاعلها مع المنتج الغستشراقي و إرثه المعرفي و التاريخي حضاريا إلى:

1. تيار متقوقع تحت مسمى الأصالة والتي لا تقتضي الإنغلاق ، يرفض التعامل مع الآخر المتآمر عليه و المستحوذ على الصواب الإلهي ، مما فرض سورا حول ذلك المنهج والتيار الفكري أعطى للكثير من رموزه ومنابره الفرصة والمساحة الكافية للتأويل الأحادي الجانب و الموتور في الغالب للتاريخ والحضارة والسياسة ، وأصبح لكل رمز منهم قميص عثمان واتباع يتركون عقولهم بجانب أحذيتهم..على أبواب المنابر.

2. تيار آخر وتحت مسمى الحداثة إلتصق بكل إنتاجات الآخر وإستحوذ دور المستهلك بغض النظر عن جودة المنتج ،وتبرأ من الكثير من عناصر الهوية كالتاريخ تحت منطق دارويني يسقطه بقصر نظر منقطع النظير على الهوية لتصبح كالعمل الوراثي ، يمكن تعديله بتغيير الأحماض النيتروجينة ، متناسيين تماما أن الهوية ، لا يمكن أن تعود ابدا لنقطة الصفر ، بل هي تراكمية نقدية.

وجب علي التنويه أن السيد داروين قد إعتذر عن تلك الهوة في سلسلة التطور البيولوجي الإنساني والتي أعابت الكثير من جوانب نظريته والتي كانت منطقية بيولوجيا في الكثير من نواحيها.

ولا يمكننا بحال من الأحوال التعامي عن الظل الفكري الإستعماري و الإستشراقي الظل إستخدم الكثير من التأويلات الداروينية وعملية الإنتقاء الطبيعي والتطور عندما كان الإمبريالية مساقة بالكثير من المظلات التي تناولت دونة ثقافة الرجل الملون ووجوب تنقيح البشرية وبسط سطوة الرجل الأبيض ، وبالذت لدى الثورة الصناعية والحربية و العلمية و البحرية بالذات في دول مثل فرنسا و إنجلترا وهولندا و البرتغال.

فكما قد سيقت أبسط المعارف من دين وفلسفة وجغرافيا وأدب لتسير جنبا إلى جنب مع الإستعماربمباركة الكثير من رموزها مثل ليبينز ونيتشه و غيرهم - مع الأخذ بالعين الفعل و التأويل و المسافة بينهما- ، إلا أن كل ذلك إنما جاء ليغرس دونية الثقافة والهوية القطرية و القومية بكل عناصرها وليظلل ثقافة المستعمر بالمعرفة بشتى صنوفها وإنتاجاتها التي غرست بالقوة .

القوة العسكرية و التي و إن غابت في العولمة في عصرنا الحديث ، وظهر بديلا لها القوة الإقتصادية والتي تتميز ببرودة الدم وبطء إتمام الفعل وصمته.

إلا انها تترك مساحة جيدة للمقاومة إذا ما أمكننا تفكيك السلاح الإقتصادي بالشفافية والرؤى الإستراتيجية البعيدة عن الكراسي ، فسيظل لنا العامل الثقافي و الذي سيرد تباعا في هذه السلسلة.