Thursday, 15 April 2010

في نقد النوسطالجيا : الأيديولوجيا

إن الذاكرة السياسية لا تعدو كونها وسيلة إستحضار التاريخ أو حتى استقراؤه واستعادته ، بل هي مرجعية تاريخية يرجع إليها عن الحاجة و القياس وليس المطابقة ، إنها عالم الجماعة الحاضر الغائب ، و الذي تتوزع من خلاله الأدوار ، ولكن مابين الحضور و الغياب يكون الخطاب الأيديولوجي ، وهنا وبعد شرح مختصر في المقال السابق عن تحليل الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر ، اتناول هاهنا تفاعل الخطاب المعرفي / السلطوي أيديولوجيا.

فالخطاب الأيديولوجي السياسي الاسلامي – المعاصر ووجوده كعنصر معرفي / سلطوي معبر أيديولوجيا عن تلك المرجعية الغائبة الحاضرة تاريخيا ، نجد له وظيفتين إثنتين كأي خطاب معرفي / سلطوي أيديولوجي آخر على الساحة :

1.المنع من التذرر (Atomization): أي تفكك عرى الجماعة الواحدة لدى تفاعلها مع الآخر ، وهو مايجعل البعض يربط الفكر بالأيديولوجيا ، فيصبح الكاتب أو المفكر مائعا لالون له ولا طعم ولا رائحة مالم يكن خادما لأيديولوجيا ما بعينها و ليس فقط خادما للفكر كمطلق ، في تمثيل واضح لصور الانتهازية السياسية المتعلقة بسلطوية المعرفة وخطابها كأداة سلطة .

2. المنع من التفرد (Individualism) حتى داخل الجماعة الواحدة ، لذا عد الخطاب وسيلة سلطة وإن كان معرفيا ، لأنه يمنع الفردية المستقلة وما يمكن أن يعنيه ذلك من المجازفة بالرباط الجمعي أو المعرفة الجمعية و المرجعية الجمعية، في انعكاس ل(الموت مع الجماعة أرحم) مع أنه سيظل موتا.

إذن فالخطاب كأداة معرفية/سلطوية يعمل على تفعيل و تجذير الجمعية المعرفية و المنع من التذرر باسم حتى ولو كان باسم المرجعية ، وتلك إساءة كبيرة عندما ترتبط بدين سماوي ، وبلفظ آخر أدلجة الدين ليتحول حينها الدين من منهج :

- فردي : لبنته الأولى الفرد و الأخلاق الفردية والقيم الفردية فبدا ، مركزا على قيمة الفردية الإنسانية منطلقا للإنسانية ، لذا كان الرسول الكريم فردا إنسانا واحدا أرسل للبشرية جمعاء ، في كسر لنمطية القطيع.


- روحاني : يوفر الكثير من الإجابات الماوراء طبيعية و الأبوب الروحانية المتعلقة بالهاجش الإنساني الأكبر و الذي هو في منطلقه فردي أيضا وهو قيمة الحياة (مفرد) .


- حضاري : وتلك النقطة خلقت الفارق الواسع مابين الفتح و الاستعمار ، و أنتجت حضارات إنسانية أولا خاصة ثانيا ، إسلامية ثالثا يشهد لها التاريخ ، مستخدمة من كل ثقافة أدواتها الخاصة ، من دون تقييد .

في انكار تام على من يدعي بضحالة تاريخية معرفية أن أصل الحضارة العربية كان هو الإسلام ، مستقرأ الإسلام من عامل مساعد –رئيسي- لعامل وجودي أوحد.

إلى منهج:

- جمعي : لا يهتم بالفرد بقدر مايهتم بالجمع و قوة الجماعة واستحواذ الوطن –أي وطن- ملكا لقوة الأغلبية المادية ، فلا يقبل الاختلاف –أي اختلاف أيديولوجي وليس ديني فقط – ولا يقبل الفردية ، ليتحول حينها الدين تعبيرا جمعيا أيديولوجيا وليس فرديا روحانيا ، في تفسير واضح لتسرطن داء التكفير و الاخراج من الدين باسم الشرع و السماء ، و(معالم في الطريق) لايعدو إلا أن يكون إنعكاسا لخطاب معرفي سلطوي انتهج التكفير الجمعي لحماية الأيديولوجيا.


- مادي : لايهتم بالجانب الروحاني وهو النتاج الطبيعي للجانب الفردي ، بل يهتم بالمادية كمظهر يعبر عن الانتماء الجمعي في تنميط لصورة القطيع وهي صورة الأغلبية لا أكثر، فيصبح الدين مختصرا في مشاهده الفردية التي تحولت من عبادات لعادات جمعية ، اللحية و النقاب و الحجاب و التقصير وأشهر الجوامع ، لمشاهده الجمعية : الوصول للسلطة باسم الأغلبية وترادف الوطن للأيديولوجيا الاستقطابية.(1).


- سلطوي : لايهمه كيف سيصل للسلطة ، مادام سيصل ، مختصرا الحضارة في السلطة و الوصول إليها . مجندا لذلك الكثير من العبارات الرنانة روحانيا لبسط السلطة و التحكم في العقول ظاهرها وباطنها .

فعبارة كعبارة (الاسلام هو الحل) ، وبعيدا عن حساسيتها الغيبية لدى العامة البسيطة الثقافة و الفكر ، إلا أنها عبارة غير نزيهة سياسيا ، لأنها تغازل العصبيات والغرائز وتجعل أي حل سياسي غير ناجع مالم يكن حلا أيديولوجيا ، باستشارة السماء الصامتة ، وهي حيلة أيديولوجية لجعل السلطة حق ديني و ليس مدني ، كذلك الوطن بأيديولوجيات الاستقطاب ، وهي الحيل التي تعتمد عزل العقل المدني لصالح السماء امتدادا لمشهد رفع المصاحف على أسنة الرماح في أولى الحيل الأيديولوجية التي شهدها التاريخ الاسلامي باسم السماء لتحييد العقل.



الأثر التراكمي لذلك الخطاب المعرفي السلطوي الموجه للإسلام السياسي المعاصر على الخريطة الادراكية الجمعية :


كما أردفنا فان خطابا معرفيا سلطويا كهذا الخطاب ، لأجل الوصول لأهدافه : منع التذرر ، ومنع الفردية ، فإنه يستغل الكثير من القيم الانسانية المطلقة وحتى تلك الأيديولوجية النسبية للوصول لمآربه كأي خطاب معرفي سلطوي أيديولوجي آخر .

من ضمن مايراكمه هكذا خطاب ، هو ميكانيكية دوائر الاختلاف في الأمة العربية ، وهي تلك الدوائر التي تحوي الأنا والذات و ليس الأنا و الآخر ، حتى وإن كان ذلك الآخر هو في نفس الوطن والقضية ، متجاهلا ومستغلا في آن الأوضاع السياسية و الإجتماعية و الإقتصادية الراهنة قطريا و إقليميا - وإن كانت تلك الأوضاع لا تفرق بين الأنا و الآخر - ، مصدرا الكثير من الإزدواجيات المعرفية المطلقة باسم الأيديولوجيا ، ومستغلا عاطفة دينية قوية للخلاص محاطة بالكثير من مشاهد الظلم والإمبريالية و الاحتلال و الدكتاتورية و الفساد و التخلف و الاستهلاك .

من أبجديات ذلك الخطاب ، أبجديات تزرع – وإن كانت بريئة جزئيا- ، لها تأثيراتها و انعكاساتها من ولدى أرباب هكذا خطاب لايمكن أن يغفل عنها أي مراق ، وهي أبجديات اختزالية و اقصائية وليست استقصائية ، مثاله :


- اختصار قضية بحجم قضية الصراع العربي – الاسرائيلي في البعد الديني دون غيره ، هو اختصار في أقل أوصافه أرعن لما فيه من المصادرة على الكثير من العناصر الأخرى ، وهي عناصر فاعلة ومؤثرة لا يمكن اغفالها .

فلفظة مثل (الجهاد) وجعلها مرادفا للقضية الفلسطينية و الصراع بالمجمل، وإن كانت منطبقة - جزئيا- على مايحدث على أرض الواقع ، إلا أن الجزء دوما أصغر من الكل ، لذا كانت وستظل أرض الواقع أكبر من الأيديولوجيا . وهنا أتذكر كلمات المبدع الراحل شاعر السماء و الأسطورة محمود درويش حينما قال : الغريزة لا أيديولوجيا لها.

لأن تلك اللفظة التوصيفية في الخطاب ، تقتطع فعل المقاومة والإبقاء على الأرض و التاريخ و الجغرافيا والحضارة و التراث و الهوية وحتى حكايا جدي ، عن كامل السياق الإنساني ، وتختصرها انعكاسا لعنصر واحد من الهوية وهو الدين أو الميثولوجيا .

يتضح ذلك جليا في الكثير من الاختزالات الدنيئة و الغير أخلاقية المتواترة حديثا والتي تربط شرطيا بين التضحية و الدين ، في موافقة ضمنية مجحفة وخاوية على جعل الانتماء الديني فقط هو المحرك و الدافع للتضحية ، متى غاب هذا المحرك و الدافع لن تكون هناك تضحية ، مما يجعل الارتباط الوطني و الثقافي و التاريخي و الجغرافي و الحضاري و الهوياتي وحتى الانساني ليس ذو قيمة شرطية لتحقيق المطلوب منه وهو التضحية. إن ذلك التصور المرآوي المترادف لإزدواجية الدين / العطاء للوطن - أي عطاء- ، هو امتداد لإزدواجية الدين/ الوطن ، وما ينتج عن ذلك من اختزالات غير أخلاقية ومرفوضة لواجب التضحية وحقوق المواطنة ، في اهانة للوطن و الضحية و التضحية و الدين أيضا.

إن تلك المزايدة الضحلة الغير أخلاقية على دماء الشهداء وتضحياتهم وانتمائهم وهم من غير المتقاطعين في دائرة الاختلاف – أو الاستحواذ- الدين / الأيديولوجيا ، وذلك التجاهل للكثير من عناصر الهوية المكونة و الفاعلة في القضية ، و الناتجة عن كثير من دوائر التقاطع – لا الإختلاف- هو تطويق غير منتج وغير فعال براغماتيا على الساحة .



رواسب خطاب النوسطالجيا أيديولوجيا في التعامل مع المنتجات المعرفية و الثقافية و الفكرية :


متى كانت المعرفة إنعكاسا أيديولوجيا ، تحولت إلى سلطة ، وفقدت الكثير من محدداتها الموضوعية ، بخطاب معرفي م سلطوي م إنتقائي ، همه الأول و الأخير لدى تناوله أي منتج معرفي ثقافي أو فكري ، هو مايخدم أجندته الأيديولوجية فقط لخدمة أهداف الخطاب السالفة الذكر في بداية المقال بين أيديكم .

كان ذلك وعلى امتداد التاريخ في التناول و التجنيد الفعلي انتقائيا للمنتج الفكري أيا كان ، ولعل أشهر الأمثلة على ذلك ، كانالتجنيد النازي للفلسفة الوجودية النيتشوية ، و الفلسفة الطبيعية الداروينية ضمن أيديولوجيا الحزب النازي ورايخه الثالث ، مما ترك عميق الأثر في الخارطة الادراكية الانسانية جمعاء ، رابطا بين الإثنين وبشدة ، وان كان ربطا غير أمينا وغير مستوي معرفيا.(2)

وحتى الدين ، بمنطقه المأدلج/ السلطوي / المادي على مدى التاريخ الإنساني لم يسلم من الاتهام بهكذا إنتهازية ، ليس أقلها أولى المحاولات لترجمة القران الكريم ، ودراسة طوماس الإقويني له ، وكذلك تناول دانتي في كوميدياه الإلهية لشخص الرسول الكريم.

جميع هؤلاء حولوا المنتجات الأستقصائية المعرفية الفأدبية و الفنية و الثقافية أدوات إقصاء سلطوي ، تمثيلا لمبدأ : كل شيء في الحرب جائز.

وطبعا لم تغب تلك الاستراتيجية الغير أمينة عن عقول أرباب النوسطالجيا ، وكان من أبرز ضحايا تلك الإساءة الفكرية المفكر و المبدع الدكتور إدوارد سعيد ، ولكن ولأن عقلية ألمعية فذة وخلاقة كعقلية سعيد لن يخفى عليها وهي العالمة بخوافي التاريخ و ألاعيبه وحروب الأيديولوجيا وهكذا انتهازية سلطوية ، فقد أوضح في كتابه (الاستشراق) وهو ضحية الخطاب المعرفي/ السلطوي/ الأيديولوجي هاهنا ذلك قائلا :

آسف بأكبر قدر للزعم من جانب معادين ومتعاطفين على السواء أن ظاهرة الاستشراق هي مجاز مرسل أو رمز مصغر للغرب بأكمله المعادي للشعوب الغير أوروبية التي عانت من الاستعمار ، ويترتب على ذلك أن الشرق كاملا وأن معتقداته هي الحل الوحيد، أي أن نقد الإستشراق في هذه القراءة الخاطئة هو تأييد لأصولية ما ، في حين أنه لا طاقة لنا على تبين ما يكونه الشرق الحقيقي أو صحيح الإسلام ، و أن كلمات مثل (الشرق) و (الغرب) في الكتاب لا تناظر واقعا راسخا أو مستقرا يوجد كواقعة أو حقيقة طبيعية.

كانت دراسة الدكتور سعيد في كتابه الاستشراق هي من أكثر الدراسات غزارة و أكاديمية وإحاطة ، و التي تناولت ظاهرة تاريخية حضارية كظاهرة الاستشراق إبان الفترات الاستعمارية و الحقب الكلونيالية ، و أثرها المعرفي و الحضاري ، إلا أن ذلك الاختزال الأيديولوجي الغير أمين لمنتجات سعيد الفكرية لم تغب الاشارة إليه في ثلاثة من أعظم أعماله تاليا : (في تغطية الإسلام) و (الثقافة و الامبريالية) و (تعقيبات على الإستشراق)، معيدا التأكيد أن (الإسلام) كتجسيد لل(شرق) محمل بالمخاطر ، و أ، الغرب ضد الشرق و القول العكسي مضللان ، وذلك لتعاطفه مع نزعة تعددية الثقافات الإنتقادية للسلطة ، مجندة المعرفة ومعززة لها ، عوضا عن نزعة الكراهية للأجانب ، و النزعة الأيديولوجية ذات التوجه العنصري ، لذا كان سعيد على الدوام رافضا للصيغة المبتذلة التي تناولت (الإستشراق) ، و أعاد تصديرها أصحاب العقليات المؤامراتية و أثواب البراءة ووكالة السماء.

ومن المثير للسخرية و الهزل أن تلك العقليات التي اختزلت وتجنت على (الاستشراق) مجندة إياه لإثبات مبدأ صراع الحضارات مما يعطيهم المبرر الوجودي أيديولوجيا ، أن إدوارد سعيد بذاته نقد ورفض توجه هنتنجتون بصدام الحضارات مستعيضا عنه بصراع الجهالات ، إن نفس تلك العقليات التي ترفض منتج برنارد لويس الاستشراقي وهو الذي يصب في النهاية في صراع الحضارات ، قد رد سعيد عليه مرارا وتكرارا مؤكدا أن المنهج الاستشراقي الذي تناوله لدى دراسة ثقاة المستشرقين المحدثين كبرنارد لويس ، كان منهجا مصيبا بالكامل و أن (الاستشراق) هو نفي للافتراض القائل بأنه تقديم نقدي لهويتين متحاربتين ومتصارعيتن أيديولوجيا لما في ذلك من الغبن التاريخي و الحضاري و السطحية المعرفية.

بالنسبة لنا كان (الاستشراق) تسجيلا لحالة التوازي الملحوظ و القابل للفهم بين نشأة التخصص الاستشراقي وامتلاك امبراطوريات شرقية بواسطة بريطانيا وفرنسا في تمثيل امبريالي مادي لإزدواجية حضارية قوامها (الضعف / القوة ) وليس (الاسلام / الغرب) كما يصدر أصحاب النوسطالجيا التاريخية و السياسية لأيديولوجياتهم.

الهوامش :

1. راجع المقال الأول في نقد النوسطالجيا .

2. وردت الإشارة هاهنا لتجربة شخصية مع العديد من الأصدقاء و الأقارب الألمان لدى رؤيتهم لمجموعة نيتشه الكاملة بحوزتي ، والذي قوبل بالكثير من الاستهجان.

3. المراجع و المصادر:

- Culture and imperialism by Edward W. Said

- Orientalism By Edward W. Said

- Encyclopedia of Religions

- Covering Islam By Edward W. Said

- Orientalism Reconsidered By Edward W. Said

Wednesday, 31 March 2010

في نقد النوسطالجيا : الخطاب


"لسنا أفضل من رسولنا الكريم الذي حاصره الكفار لثلاثة سنوات ، ليحاصروننا عشر سنوات "

"لسنا عبده أصنام ، فالحجر لدينا لا قيمة له ، وكما احترق منبر صلاح الدين واستبدلناه ، فإذا سقط الأقصى فنحن قادرون على بناء غيره "



كانت تلك العبارات الصادرة عن أحد أهم رموز الإسلام السياسي المعاصر و الذين يتصفون –كما يقال- بالاعتدال أو الوسطية ، الأمين العام للإتحاد العالمي لعلماء المسلمين ، الدكتور محمد سليم العوا .


وجب علي قبل البدء في مقالي هاهنا و الذي سيتناول مظاهر النوسطالجيا في الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر ، أن أنوه القارئ قبل أن تأخذه حمية الدفاع عن السيد العوا وما يمثله ، أنني في هذا المقال وبالرغم من كمية الثقوب التي قدمها السيد العوا في كتبه وبالذات كتابه : في النظام السياسي للدولة الإسلامية و الذي تناول إجابة مقننة ل(كيف؟؟) وليس إجابة حضارية ل(لماذا؟؟) ، إلا أنني لا ولن أتحرك في إطار ذلك المنتج المخدر إنما هو نقاشي هو عن مظاهر الخطاب ، بما يمثله ذلك الخطاب من أداة تشكيل معرفة و من ثم سيطرة .

مقالي هاهنا يتناول تعاقبيا وباختصار مظاهر النوسطالجيا والخدر في الخطاب ، بعد تفكيكه وتحليله ، واستعراض المنهج الاستقرائي التاريخي الذي يعبر عنه ويخدمه ذاك الخطاب ، وأثره بالتراكم على الخريطة الإدراكية الجمعية للشعوب العربية من ناحية و تلك لل(الآخر) أيا كان ، وتأثير ذلك لدى أي تفاعل حضاري ، وسياسي وتاريخي وحتى اجتماعي .

إن أول ما يمكن للمراقب للساحة السياسية و الاجتماعية في بلادنا لدى تحليل الخطاب السياسي ولا أستثني من ذلك الخطاب العبارتين السابقتين ، غياب العامل الزمني ، بغض النظر عن مضمون الفكرة المنقولة من خلال ذلك الخطاب .

فمثلا عبارة كتلك الأولى من العبارات المشار إليها أعلاه تقارب ما بين وضعين مقاربة أقل ما يمكن وصفها مقاربة جوفاء ، توظف خطابا عاطفيا يزيد الخدر العام ويجعله من فعل لطبع بحسب قاعدة بالدوين في الطبيعة ، وذلك باستخدام العاطفة الأكثر حساسية على مدى التاريخ و الحضارة الإنسانية وهي الدين ، فالزمن لدى الحالتين المعبر عنهما في العبارة الأولى معطل ومهمش بالدرجة التي تسلب تلك المقاربة كل أساسيات الصحة و القوامة و المنطق .
فعهد الرسول الكريم قد ولى و انتهى ، وكذلك عصر المعجزات ، وليس منا مبشرون بالجن ، وليس كل ضحايا الحصار هم من المهاجرين أو الأنصار أو غيرهم ممن آمن مع الرسول الكريم ، كما أن الجيش الإسرائيلي ليس بكفار قريش ، على الأقل بمنطق علاقته مع الإمبريالية الأمريكية .
إن تلك المقاربة ، وعلاقتها المعطلة مع العامل الزمني ، هي مقياس للكثير من الظواهر الخطابية و التي و إن كانت صوتية إلا أن لها تأثيرا لا يمكن تجاهله تراكميا ، وذلك بزيادة حس التباكي على الماضي وتعميق الحس الكاذب بالبراءة و الشهادة و الحق المطلق من السماء .
ولتحليل الصور الواردة في مقاربات مثل المقاربات السابقة ، وجب علي الانطلاق لذلك من نقطتين أو محورين :



المحور الأول : الأنا و الذات :

إن اختصار قضية الصراع –وغيرها- أو الحصار في عنصر قيمي متضاد من خير و شر ، إيمان وكفر ، وما يستتبع ذلك من قيم مطلقة ، تمليها تصاوير –إن جاز التعبير- تنال من شخص رسولنا الكريم ، يجعل الاعتراف بال(ذات) أمام ال(أنا) في هذا الحدث السياسي أو غيره هو اعتراف بالخيرية و الصلاح المطلقين ، وما يستلزم ذلك تعطيل العقل النقدي وتحديد الخطأ أو/و المخطئ . إن ذلك الاختصار إنما يعمل على تغييب العقل البراغماتي الذي يحدد المسئوليات و الواجبات اتجاه الصراع ، وأثر ذلك في غياب النقد الذاتي ، من ذلك مثلا النفي عن حركة حماس خطأ الدخول للمعترك السياسي على رأس ظاهرة ديموقراطية نادرة الحدوث في المنطقة ، اعترافا من الحركة بأبجديات اللعبة السياسية التي بنيت أولا وأخيرا على بنود اتفاقية أوسلو والتي رفضتها الحركة مسبقا وكذا رفضها الكثير من عقلاء و أمناء القضية لما كانت تمثله من سقطة . ومن ذلك أيضا ما تمثله تلك المقاربة من الدعوة للإستكانة و السلبية والتصابر –إن صح القول- حتى بعد افتراض وجود القدرة على الاعتراف بالخطأ ، كل ذلك في انتظار الأمر الإلهي بالهجرة للحبشة أو غيرها.
إن حالة النوسطالجيا المخدرة التي يعمقها ذلك الخطاب المغلف بالعاطفة ، في ظل تدني مستوى الثقافة و الوعي و المعرفة بالعموم و المتنامية في الوطن العربي، ساهمت بشكل كبير في تعطيل الفكر السياسي الإسلامي ومواكبته للعصر وديناميكيته ، كمحتوى تراكمي ، وأداة تحليلية ، لما في ذلك لعزل لمبدأ الخطأ لزاما منطقيا لقاعدة الحق الإلهي المطلق ، فالفكر حينها كأداة لا يخطئ، وبالتاي فالفكر كمحتوى ثابت ثبوت الجماد على الصحة ، ويمكن رؤية ذلك على الكثير من مظاهر الفكر السياسي الإسلامي والتي توقف الخطاب لدى توصيفها بقدسية الزمن القديم كوثيقة المدينة المنورة و مبدأ الشورى، وكلاهما إعجاز لا يتعدى ظروف الزمان و المكان الخاص بهما.
إن عقلية "القص و اللصق" الخطابية لنموذج السلف ، تتحمل نصيب الأسد من حالة النوسطالجيا التي يعاني منها الفكر الإسلامي في وقتنا المعاصر على الصعيد السياسي و الحضاري و حتى المعرفي كما سيأتي تباعا ، كما أنها تفسر تضييق مساحة الحكم الأخلاقي والمنطقي وكذلك المعرفي على الأمور بحكم تقسيم العقول بمنحى رأسي ، في استغلال أيديولوجي سلطوي لقاعدة : اسألوا أهل العلم ، والتي سرعان ما حولت المعرفة و العلم استحواذا رأسيا-هرميا ، مصدرا للكثير من ديباجات الرقابة و السطوة التي تطورت لسرطانات التكفير تحت مسمى الدين وحمايته ، جاعلا من العلم و الفكر و الثقافة حقلا رأسيا يتقاسمه السادة و العبيد.

المحور الثاني : الأنا و الآخر :

ولأن السياسة – و إن كانت على عكس أماني البعض الأيديولوجية – لا تدور في فلك ال(أنا) فقط، كان هناك الآخر أيا كان ، أقلية في وطن أو مدافع عن نفس الوطن أو حتى من سكان هذا التجمع الإنساني . ولأن السياسة تشمل من ضمن ما تشمل بناء صورة لل(آخر) ولعلاقة ال(أنا) به ، كان وضع صورة له على أدق ما يمكن وبتثبيت الزمان و المكان و العلاقة الرباعية الأطراف : (الأنا-الآخر- الزمان- المكان) هو سر للعملية السياسية الناجحة ، بعيدا عن أطر العاطفة المجندة .
لذا كان استخدام ثنائيات مثل : (الخير - الشر) و (إما – أو) في الخطاب ، يؤدي لإنتاج صورة ليست واضحة المعالم ، لما تعتمده من الإطلاق عنصرا بنائيا في الحكم ، مما نشهده من صعوبة تقبل ذلك الآخر صاحب الموقف المحبذ سياسيا ، متى كان خارجا من ذلك الشر المطلق أو المادية المطلقة (مثال ذلك التعامل مع كتاب ومفكرين يهود مثل نورمن فنكلستين أو نعوم تشومسكي وغيرهم) ، كما كان هو نفس السبب الذي يجعل الحكم الموضوعي و الأخلاقي على أفعال أي آخر محبذ أيديولوجيا موضع شك ومزايدة وبحث عن مبررات كما هي علاقة الكثيرين منهم مع الإرث الجرائمي الهتلري النازي و هو ما يفسر حالة الترادف الخطابي بين لفظ مثل : عنترية و هتلرية ، وأخيرا وليس آخرا المحاولة الدائمة لاختصار الفكر السياسي الليبرالي المعاصر في رمزين اثنين لا ثالث لهما هما الأفغاني و محمد عبده في حين أن الاثنين عملا على إخضاع الإصلاح الديني للظرفية السياسية أو العكس من إخضاع السياسة للظرفية الدينية مما أفقد الدين محتواه الروحاني وتحول لتجربة سلطوية.



من المحورين الأول و الثاني نرى أن حالة الإطلاق و الاستحواذ و الثبات ، المغلفة بالعاطفة الدينية المتوقفة الزمن ، إنما هي عامل معطل للمعيارية في الحكم ، تلك المعيارية الضرورية لقيام العقل البراغماتي الضروري و اللازم لدى التعاطي مع معطيات السياسة و المجتمع بالنقد و التساؤل ضمن تفاصيلها الآنية والمكانية .


الخطاب ما بين النهضة و الديموقراطية :

إن القطع بثبوت الخير و الشر بالتوازي مع ال(نحن) و ال(هم) ، ومع تخطي تلك الثبويتة حدود الوطن و القطر و القومية ، يجعل حرية التعبير و هي القضية الديموقراطية الأم ، و التي تتأتى شرطا أساسيا و أوليا وسابقا للنهضة ، محصورة في إسقاطها لل(أنا) و ال(آخر) ، وبالتوازي مع : (كلمة حق) يواجهها (إفساد في الأرض) ، لتصبح حينها حرية التعبير هي مظهر استحواذي يبرر نظم الرقابة باسم السماء وما تمتلئ به هكذا بروتوكولات من صور للعنف ليس التكفير فيها سوى وسيلة من الوسائل لضمان السيطرة بالخطاب العاطفي الأيديولوجي ، وكذلك الصمت أمام مظاهر العنف ، وهنا أتذكر الخطاب الخجول الذي قدمه الأمين العام للإتحاد العالمي لعلماء المسلمين والذي تناول رواية نجيب محفوظ (أولاد حارتنا) ذلك الخطاب الذي كان الأجدر بالأمين أن يحفظ ماء الوجه عن أن يدعي موضوعية وحيادية لا يملكها من يصدر ديباجات الحق السمائي المطلق وصادرات خيال السلطة.


الخطاب وأثره على الاستقراء التاريخي في الفكر السياسي الإسلامي :

إن تاريخنا الاجتماعي و السياسي كحضارة إسلامية وعربية (الأيديولوجيا هاهنا لها مدلولاتها)، يتميز بتداخل الظرفية الزمانية و المكانية وتفاعلهما بشكل مميز ، إلا أن عملية عزل الزمان في الخطاب السياسي لدى استقراء التاريخ السياسي ، جعل الارتباط بين الخطاب و المكان أكبر بكثير من ذلك مع الاثنين معا : الزمان و المكان .
جعل ذلك الاستقراء التاريخي –باعتبار أهمية الخطاب وحيويته كوسيلة سلطة ومعرفة مؤثرة سياسيا - جمعيا وليس خطابا مجردا- هو استقراء للمكان ، فأصبح التاريخ هو تاريخ الكوفة و البصرة و القاهرة و القيروان و دمشق وبغداد و الأندلس في رمزية للدول الإسلامية ، مما حول التاريخ الإسلامي حضاريا إلى أرخبيل سلطوي ، أي إلى تاريخ مجموعة من الجزر المنفصل زمانيا كانفصالها مكانيا ، أي أن منتج استقراء هذا التاريخ السياسي بخطاب عاطفي يرتبط بالمكان ، جعل الوعي التاريخي السياسي وعيا (تراكميا) وليس وعيا (تعاقبيا) ، بملي ستلزمه الأخير من الاعتراف بحضور الآخر وتأثيره في الزمان و المكان .
إن هذا النوع من الخطاب ألغى الترابط المنطقي والتراتبي بين كل جزيرة وجزيرة في التاريخ السياسي معتمدا على عاطفية نوسطالجية تقيس الحضارة بامتدادها السلطوي ، لذا نجد دوما عبارة : (لقد وصلنا للأندلس) ، مغفلين كيف وصلنا للأندلس و الأدهى والأكثر دعرا كيف خرجنا من الأندلس.
في حين أن الدورة التعاقبية لأي حضارة هي انعكاس للرابط بين الزمان و المكان بما يحمله ذلك من تفاعلات اجتماعية و سياسية واقتصادية و حضارية ، بما ضمن للدين الإسلامي كعقلية حضارية و ليست سلطوية حضورها الذي شهده التاريخ ، ويتجنى عليه البعض بصادرات النوسطالجيا والمزايدات على العنصر الحضاري واختصاره في العنصر السلطوي متغنين بمظاهر السلطة المتجبرة من مركزية وحكم الفرد الواحد وتصنيف للولاية بحسب الجنس أو طريقة العبادة ، متجاهلين عناصر الزمان و المكان ، ولا أستثني من ذلك الأندلس كمشهد غنائي للسلطة وليس للحضارة مسقطين الكثير من أساسيات المعرفة و التاريخ بدفن الرأس في الرمال.

__________________________
_________________________________________________________

الهامش:
رابط المقال على صفحات مجلة عرب ال48
http://www.arabs48.com/display.x?cid=5&sid=84&id=69809



1. المراجع:

- في نظم السياسي للدولة الإسلامية : د.مجمد سليم العوا
مجلة الوسطية الصادرة عن التيار الوسطي الاسلامي
- في نقد الخطاب الديني د.نصر حامد أبو زيد
- اشكاليات الفكر العربي المعاصر : د.محمد عابد الجابري
- الدين و الدولة : برهان غليون

Friday, 12 March 2010

في نقد النوسطالجيا...1


(لقد عامل المزاج الثوري والنفسية الثورية ، الإصلاح عبر التطور التدريجي :
Evolution
كنقيض للثورة :
Revolution
أو كاجهاض لها وتآمر عليها).

كانت تلك العبارة للمفكر والمبدع عزمي بشارة قد استوقفتني مرارا ومطولا لدى قراءتها ، لأنها شرحت وباسهاب سهل ممتنع العقلية و المنطقية الثورية المؤدلجة أيا كانت ، وعلاقتها بتيارات الإصلاح السياسي ، ولايمكنني استثناء حركات الإسلام السياسي –الثورية حاليا والتي تختصر الاسلام في السلطة – من تلك التيارات.
وذلك لأن علاقة الاسلام السياسي كمزاج ونفسية وحتى أجندة ثورية ، وكأي توجه ديني سياسي ، لم تعامل ذلك الأخير كمجرد نقيض ، انما أضفت على طرفي تلك العلاقة الضدية أبعادا قيمية ، انعكاسا لاستحواذ الحق الالهي المطلق ومايستتبع ذلك من عقلية مؤمراتية تبرر دوما إزدواجية دائرية مفرغة تقوم على وجود:

1.
مخلص :
على صورة ملك آخر الزمان الذي سيأتي ليخلص العالم من شرور آخر الزمان يوم يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر ، ذلك المخلص هو عقلية أفضل رقابيا ، لها القدرة ال
الهية على الاخبار بمكمن الخير و الشر ، في مصادرة وقحة على العقل الفردي والحرية ، واختصارا للمنطق و الملكة النقدية الفردية.
صورة تمثل اسقاطا لأحد اثنين : صنم أو معجزة ، ومايستتبع ذلك من جمود النقد أمام خطاب ديني أيديولوجي عاطفي يبرر للعامة المخدرين أي توجه كان سياسيا اقتصاديا فكريا أو اجتماعيا ، مما تشهده ساحاتنا من مظاهر مفتي السلطة أو شيخ المعرفة الغير محدودة و الذي يدلي بدلوه الفارغ و المسطح غالبا في القضايا السياسية و الاستراتيجية المختلفة متحدثا في الغالب باسم السماء.
ان وجود ذلك (المخلص) هو المبرر الضامن و الدائم لانتشار وتسرطن علماء الكلام / النص / النقل ، وليس علماء العقل / الفقه ، في اختصار واقتصار لعالمية الرسالة الاسلامية في عنصرها السلطوي وليس عنصرها الأصل وهو الإنساني ليصبح الدين بالمجمل نقلا وليس عقلا ، وجمعيا وليس فرديا
.

2.
عدو:
هو دوما (آخر) شرير ، كافر ، مادي ، غير روحاني ، متفسخ الخلق ، طامع في ارثنا أيا كان ، وجوده هام لوجود المخلص .
ولأن كل هذه الأوصاف تستدعي وتجند منطقيا واعيا وباطنا يغرس في العقل و الخريطة الادراكية رفضا لذلك الآخر بالاجمال ، فقد تطور ذلك الرفض ليبلغ حد الاقصاء والإلغاء لتأثيره وارثه ومنتجاته ودوره المعرفي انسانيا.
لذا يصعب على المراقب للعقلية الاسلامية السياسية -حاليا- ملاحظة أي حضور لإزدواجية (الأنا و الآخر) بمنحى أفقي وليس رأسي ، وذلك –وكما سأشرح في المقال المقبل الذي يتناول النوسطالجيا في الخطاب و الاستقراء التاريخي بالتفصيل – هو السبب في جعل القراءة التاريخية للحضارة الإسلامية مختصرة في:
1.
قراءة سلطوية تتغنى في حكم الفرد الواحد ومركزية السلطة وتهاب المدنية وأسئلتها واستحقاقاتها.
2.
قراءة جزر معزولة :جزيرة الأمويين ، العباسيين الأندلس ..وما إلى ذلك ، وهي قراءة تغفل حضور الآخر و تأثيره في الانتقال من جزيرة لأخرى.
مما جعل الفكر الانساني هو فكر استقطابي أيديولوجي في حين أنه قائم أفقيا على التفاعل بين ال(نحن) و ال (هم) أي ال(أنا) و ال(آخر).


3.
وأخيرا بعد (المخلص) و (العدو) تأتي النسبة الأكبر المغيبة و المخدرة وهم العامة أو الجمهور:

هم المغلوبون على أمرهم في أنتظار معجزة تزيدهم خدرا ينتشون به ويحتسبونه عند خالقهم ، مقيدون بعقل رقابي تقوده أصنام وفكر رقابي يجعل العامة رقباء على أنفسهم ومصدرين للأحكام من باب القص و اللصق عن الصنم/ الشيخ أو العالم الفلاني ، من دون أي عقلية اطلاعية نقدية تسمح بوجود الإختلاف وتعترف بالفردية . عامة جل مايملكونه هو متثاقفين مزدوجو المرجعية ، وأصحاب قراءات موجهة يعيشون تحت سقف الفكر الرقابي ، ينتجون فقط خطابات استقطابية وعاطفية مثقوبة ، وسآتي بالتفصيل على تلك النقط : الخطاب.

كلمة نوسطالجيا تعني في ابسط صورها (الحنين) ، إلا أنها ههنا عنت (الحنين) المرضي ، وعموما من مشاهد النوسطالجيا :

* الإزدواجية:

قديما في المجتمعات الانسانية البدائية الأولى والتي تطورت من منطق طبيعي مادي يضمن سيطرة
الذكر الأقوى ، خرجت قاعدة الأغلبية، و التي اضفت صورة جديدة على مبدأ القوة وهي الأغلبية. فكان حكم الأغلبية هو وسيلة إتخاذ القرارات ، ولكن ومع تطور الزمن و الوعي و الفكر الإنساني وبزوغ علوم السياسة ، تبدى للعقل البشري ومنطقه كمية الظلم الواقعة على الأقلية (الضعيفة تبعا لمبدأ القوة ) ، ومااستتبع ذلك من مزايدة على انتمائهم ووطنيتهم في وطن تقوده ال(أغلبية) وليس ال(كل) ، فحكم الأغلبية هو عزل لإرادة الأقلية وحق تمثيلهم ككجزء من جمعية الوطن لل(نحن) و ال(هم).
لذا فقد كان سقوط قاعدة حكم الأغلبية ديموقراطيا هو سقوط منطقي ومعرفي يتوازى مع تطور الفكروالمنطق الانساني. وقد كان أول من أشار إلى ذلك جان جاك روسو في العقد الاجتماعي ومونتيسكو ، ومن ثم جاءت مقاربة أيان راند الفلسفية السياسية الأدبية في رائعتها (أطلس متشنج
) :
ATLAS SHRUGGED

وعموما تكمن تلك الازدواجية لدى التعامل مع (حكم الأغلبية) المتوفي اكلينيكيا في نقطتين:

1.
المناداة بتغليب المرجعية الإسلامية / مرجعية الأغلبية ، لتصبح مرجعية وطن (الداخل
) ، ليصبح بالتبعية الوطن هو مرجعية ايديولوجية للأغلبية وليس لل(كل) ، وذلك يفسر بشكل أو بآخر ضبابية التعامل مع مبدأ المواطنة لدى أصحاب هذا التوجه ن و التي تصل أحيانا حد انكارها رجسا من عمل الشيطان أو استيعابها بميوعة لا يثبتها الواقع ويتغنى بها الخطاب.

2.
المناداة بحقوق الأقليات المسلمة في (الخارج) ، والمناداة بخروجها على قاعدة الأغلبية مع أنها نفس القاعدة التي ينادى بتطبيقها في (الداخل) ، كما حدث حينما اعتبر القرار الفرنسي بمنع الحجاب مصادرة على حقوق الأقليات ، في حين أنه قرار اتخذ بالأغلبية البرلمانية ، كذلك قرار حظر ال
مآذن في سويسرا والذي تعدت نسبة الموافقة عليه حاجز النصف أي أنها كانت أغلبية ، ناهيك طبعا عن الصمت على مظاهر القهر بإسم الأغلبية الدينية – ولو كانت ظاهرية – في بلاد مثل السعودية التي تفرض لباسا معينا على كل النساء.

ان تلك الازدواجية في المعايير لدى التعامل مع (حكم الأغلبية) في ( الداخل) و (الخارج) ، تصب في النهاية لتغذي جنبا الى جنب مع استحواذ الحق الالهي المطلق بالأفضلية ، العقلية المؤمراتية واستحواذ دور الضحية البريئة ، مما يشرح الكثير من مشاهد العزلة التي يعاني منها الفكر الإسلامي السياسي – حديثا في التاريخ المعاصر- ، وكما هي تلك التي تعاني منها الاقليات المسلمة في أغلب دول العالم ، والتي غالبا ما تساق ضمن الإحساس بالغبن و الاستهداف مجتمعيا وعالميا ، لذا لم ولن تنمو تلك المجتمعات لتصل لوصف (الغيتو) ، إذ أنها دوما ثائرة على تركيبة الموزايك الخاصة بمجتمعاتها ، والموزاييك الدولي العالمي بالنسبة لذلك التوجه على أساس أنه علاقة ثابتة الطرفية بين جاني آثم بالاطلاق وضحية بريئة وشهيدة. ، لذا فعندما يخرج م
ثال من تلك الأقلية ليتفاعل ويتأقلم مع مجتمعه بأغلبيته و أقليته تنهال عليه الأضواء ويصبح أعجوبة وعلامة فارقة ، ويتم تصويره على أنه عنتر زمانه متغلبا على الصعاب القهرية التي وضعت في طريقه ، في حين أن من وضع تلك الصعوبات هي العقلية المؤامراتية الانطوائية ، وجل ما قام به هو الاندماج مثل غيره في منظومة لا تتوقف أمام الأفراد بل أمام الاستحقاق الفردي و الجدارة الفردية.


*
الأيديولوجيا الاستقطابية:
عندما تصبح المواطنة انعكاسا واستحواذا لأيديولوجيا الأغلبية دون الأقلية ، تصبح حينها أيديولوجيا استقطابية ، أي أن المواطنة حينها تصبح مواطنة استقطابية ، تخدم وتعرف الأغلبية كامل التعريف والربط بالوطن ، ولا يكتمل تعريفها وتقديمها للأقلية ، وما ينتج عن ذلك من ديباجات جاهزة التطريز مثال ذلك:
(
ولاء الأقلية غير مضمون) و (هم متهمون حتى تثبت ادانتهم) ، متناسيين أن ذلك رد لفعل.

*
صكوك الشهادة والغفران ، وصكوك التكفير و اللعنات:
لايمكننا قراءة تلك المشاهد وملاحظتها بعيدا عن توازي ظهورها مع بداية عصر الانحطاط والتدهور الذي دخلته الحضارة الاسلامية بعد قيام الدولة العثمانية بقليل ، فتلك المشاهد لم تكن لتظهر قبل دولة الاسلام في الأندلس ، و التي شهدت زخما فكريا ومعرفيا وحضاريا جما لم يتدنى يوما لتصدير أي صورة من صور العنف والتكفير وان كانت قد ظهر فيها أدعياء للنبوة
ومصدريين للخرافات الفكرية والتجني على شخص الرسول وديننا الكريم ، إلا ولأن الحضارة كانت مبنية على افكار لا سلطة ولا أفراد فلم يعرهم التاريخ ولا الواقع اهتماما لخلو فكرتهم مما يقيمها ، فسقطوا وسقطت ، من دون أن يسقط عليهم أحد ضوءا.
ومن أعلام ذلك التوجه التكفيري من اتخذ التكفير منهاجا ، جاعلا رؤوس المختلفين معه (معالم على الطريق) طريقه إلى جنان الخلد ، هو من يسقط عليه الكثيرون أكاليل الشهادة الدينية وما يستتبعها من معية للأنبياء و الأبرار و الصالحين وأيضا شفاعة في أهله جزاءا لما فعل ، إلا أن من يغدقون عليه وعلى ما يمثل من بنك الشهادة ، يغفلون نقطتين هامتين:

1.
أغلب القراءات لمنتج ذلك الشهيد القطب هي قراءات ممسوسة بمس الشهادة الدينية واستحواذ براءة تصديرها ردا لفعل مورس ضده باسم الحرية وهو القتل خوفا من فكره ، أي انه شهيد حرية الفكر و ليس شهيدا دينيا ، لأن ذلك المس بالبراءة واستحواذها دينيا يعطل القراءة الحدثية لتفاصيل ال
ظرف الذي أعطى تلك المنتجات من أحوال سياسية و اجتماعية ودينية وغيرها ، مما يعطي لمنتجاته بعدا مرجعيا مطلقا يسمو فوق الظرف.

2.
ان إضفاء عنصر الشهادة الدينية على صاحب أفكار مثل تلك التي وردت في كتاب (معالم في الطريق) مثلا ، انما هي شهادة براءة واثبات لأحقية وشرعية قتل وتعنيف الآخر المختلف بعد تكفيره ، كما أنها اعتراف بأن قتله وممارسة العنف ضده انما هو : دفاع عن الدين أو المال أو العرض أو الأرض، تبعا للمنطق الاسلامي للشهادة – دينيا ، مما يجعل الأختلاف انما هو صراع بقاء وصراع دفاع عن الحياة ودفاع عن النفس وهو مبرر ، بل وتباركه السماء أيضا وتجازي فاعله جنان الخلد ومعية الأنبياء و الصالحين والشفاعة لأهله.

إلا أنني وللأمانة الأدبية لا أنفي عن السيد سيد قطب أنه شهيد الحرية ، لأنه قد مات دفاعا عن أفكاره ومبادئه ،وإن كنت لا أوافقه عليها بل و أعارضها أشد اعتراض ، إلا أنني لا أستطيع أن ألبسه ثوب الشهداء / دينيا ، لأنني لا أوافق على قتل المختلف أيا كان..أو هكذا قال الدين الذي يصادرون عليه ويحتكرونه.


ان الخدر الذي تنتجه صكوك الشهادة و الغفران ، بجانب صكوك التكفير ، انما هو مخدر موضعي يصيب ضمن ما يصيب العقل الانساني الفردي النقدي لسببين:
1.
إسقاط الخيرية حقا الهيا في ال(نحن) ، لذا فلا داعي لنقد الخير.
2.
اسقاط الشر في ال(هم) ، وأيضا الحلال بين و الحرام بين.

وقد كان غياب العقل النقدي الفردي واضحت وشديد الوضوح في رد قاتل الكاتب فرج فودة وأيضا ذلك الذي حاول قتل نجيب محفوظ ، ولأنهما كانا مساقين ومغيبين كان العقل الفردي النقدي لديهم غير موجود عندما سئلا أقرأ أحدكما شيئا من كتابات من تكفرونهم كانت الإجابة طبعا : لا.

ان ذلك الخدر يقسم الناس لقسمين اثنين:
الأول سادة :
يملكون التفويض السمائي والإلهي بالتفتيش في القلوب وتصنيف الناس واصدار الصكوك بنوعيها والوكالة عن الله ، وتعليب الأحكام النمطية .
سادة يعيدون تصدير صورة الآلهة باستخدام الأنظمة الرقابية السلطوية وتجنيد الكثير من العبارات الزئبقية المائعة التي لا يمكن الإمساك بها ضمن مبدأ ال"مع" أو ال"ضد" ، وهي في النهاية مبرر وانعكاس لمبدأ (الغاية تبرر الوسيلة).

الثاني عبيدا : غرست لديهم المحدودية و الدونية الفكرية التي شلت في النهاية العقلية النقدية الفردية وملكة التأويل و التخيل و الابداع ، وجندتهم سدنة فكر رقابي سلطوي في سجن كبير يراقبون بعضهم بعضا ، من دون السمو لمستوى الفكرة ، والتوقف لدى سياسيات التكفير الأعمى وتنفيذها.

ان علاقة السادة و العبيد من هذا المنطلق أدت إلى امتداد قيود (الثبات) الخاصة ب(إلهية) ال(التنزيل) للنص الديني إلى أن طالت (ديناميكية) (انسانية) ال(تأويل) لذا النص الديني ، مما جعل أي مقاربة ينادي بها أصحاب ذلك التوجه السلطوي ساقطة (واقعيا) وذلك ل(ديناميكية) الظرف والواقع ، و(ثبات) اسقاط النص (الثابت) منذ مايزيد عن ال 1400 عام وغياب العقلية النقدية وكونها استحواذا لعلماء كلام.
ليست (الشورى) هي المثال الوحيد الذي وصل الانتشاء بقدسية النص فيها حد تعطيل أي تأويل ونقد للتطبيق.

في النهاية –نهاية هذا الجزء- وددت أن أورد مثالا يوضح مدى تقيد العقل الفردي كنتاج للفكر السياسي الديني السلطوي:
قيل لي تعليقا على إختياري لكلمة (نوسطالجيا) عنوانا لهذه السلسلة من المقالات أن ذلك الاختيار لا يناسب الفكرة المطروحة في المقال وهو كما قصدت (الحنين) المرضي ، لأن التعريف الوارد في الموسوعة البريطانية (الانسيكلوبيديا) لم يورد تعريف خارج التعريف التاريخي لها.
وكأن (النوسطالجيا) هي معلومة صلبة مادية لا تمس ، إن تعليقا هشا وسطحيا وأجوفا كهذا ما هو إلا إنعكاس لظاهرة حصار التأويل الإنساني بسلاح القص و اللصق أو كما تقال بالعامية (حافظ مش فاهم).
وطبعا إذا سئل هؤلاء:
أيجب علينا أن نصادق بالمطلق وأن نغيب الملكة النقدية الفردية و الجمعية بهذا الشكل القاصر؟ وبالذات عندما نقرأ مثلا تعريف (الصهيونية) في نفس الموسوعة البريطانية (الإنسيكلوبيديا) ؟
وطبعا ...لا اجابة.

للحديث بقية

Tuesday, 23 February 2010

الحرية ، المجتمع والحكم الأخلاقي


للحرية ألف تعريف وتعريف ، لست هنا بصدد تعريفها أو تقديمها كقيمة مطلقة ، بقدر ما اريد تقديم أنساق لحركة الحرية وعلاقتها بديناميكية المجتمع و الحكم الأخلاقي.
وأعلم مقدما أن صفحاتي هذه مهما طالت فلن تفي الحرية و المجتمع و الحكم الأخلاقي وعلاقة كل ذلك بالإنسان أي حق مستحق ، بل و أعتقد أن الصواب لن يجانبني عندما أصف هذه الكلمات بأنها ليست اكثر من نقاط على حروف أتقاذفها بيني وبين أناي باحثا عن أجوبة غير ملتصقة بالأسئلة لأن لكل سؤال هو جواب يتحول بمنطق الامور إلى سؤال وهكذا دواليك..

سأبدأ بتوصيف بدائي بسيط لفكرة الحرية في مقولة ، ولا أدري من كان صاحب تلك المقولة ، إلا أنها معبرة كبداية حيث تقول:
(الحرية هي أن تمد ذراعك أينما و كيفما أردت من دون أن تصطدم بذراع من هو بجانبك) ، وفي عبارة أخرى ، هي الأكثر شيوعا في أوساط عامة الناس:
(الحرية هي أن تفعل ما تريد من دون أن تؤذي أحدا) ، وبالنظر للعبارتين يمكننا القول أنهما و إن كانتا غير صحيحتين – كما سيرد بالتفصيل – إلا أننا نلاحظ فيهما و في أي مقاربة لمعنى (حرية) أن الحديث عن تلك القيمة يرتقي من مستوى لآخر بالتوالي ، وإن كان أغلب التنظير يتوقف عند المستوى الأول –لغويا-:

المستوى الأول: هو مستوى الذات :
والذي نلحظه في ضمير المخاطب في كل التوصيفات الفلسفية و الفكرية العلمية و المبسطة لفكرة الحرية ، وهو ضمير المخاطب الوارد مثلا في عبارة : (أن تمد –أنت- ذراعك) و ( أن تفعل –أنت- ماتريد) ، ولأن المخاطب ههنا هو الإنسان ، العنصر الأول والأصيل والكامل للإنسانية ،كانت الحرية حقا إنسانيا فرديا.

المستوى الثاني : هو مستوى الأنا و الآخر:
أي المجتمع الإنساني ، وهو المشار إليه بضمير الإشارة في (تصطدم بذراع من هو بجانيك) و (من دون أن تؤذي أحدا) ، ومن فكرة الحرية والمجتمع وإستحقاقاتهما إنبثق الحكم الأخلاقي و الحسم به.

***********************************

المستوى الأول : الذات الإنسانية و الحرية كحق:

كما ذهب هيجل بإعتباره الحرية حقا لأنها فكرة ، إعتبر فلاسفة الحق الطبيعي ، بإن هناك ارتباط بين الحق في الحرية و الحق في الحياة ، حيث:

- الحرية كحق طبيعي – فردي:
الإنسان هيء طبيعيا – جسديا ، بمكونات و أجهزة خاصة ، تحدد ماهيته في الطبيعة ككائن حي ، وبما أن القاعدة الأم في الطبيعة أن كل كائن حي يستخدم ماهيته ومفرداتها و أجهزتها في سبيل ضمان استمراره وبقاؤه كما هو في السلسلة الطبيعية و المحيط الطبيعي ، فكذلك الإنسان ككائن حي ، يتوجب عليه أن يستخدم ماهيته ومفرداتها و أجهزتها لضمان بقاؤه واستمراريته ، وذلك حق طبيعي تكفله الطبيعة واضعة الكائنات كلها تحت بند : إزدواجية المؤثر و الاستجابة و التي طورها داروين لعامل الإنتقاء الطبيعي :
Natural Selection
.والذي نحن ههنا لسنا بصدد تفصيله.

وكمثال مبسط جدا لفكرة الحرية الفردية كحق طبيعي ، يمكننا إسقاطها على على شخص –واحد فقط- على جزيرة ما ، فذلك الشخص يتوجب عليه كحق طبيعي أن يبذل كل ما بوسعه مستخدما كل قدراته الطبيعية الجسدية و العقلية والتي تحدد ماهيته ككائن حي بما يضمن بقاؤه و استمراريته كفرد على تلك الجزيرة.

إذن الحق الطبيعي يتحدد بحسب الرغبة: في البقاء و الإستمرار
و القدرة: أي القدرات الطبيعية الجسدية و الفزيولوجية للفرد .

أو كما أوضح سبينوزا :
" ولما كانت قدرة الطبيعة الشاملة كلها لا تعدو أن تكون مجموع قدرات الموجودات الطبيعية فقد ترتب على ذلك أن يكون لكل موجود طبيعي حق مطلق على كل ما يقع تحت قدرته ، أي أن حق كل فرد يشمل كل ما يدخل في حدود قدرته الخاصة . ولما كان القانون الأعظم للطبيعة أن كل شيء يحاول بقدر إستطاعته أن يبقى على وضعه وأن يستمر ، و بالنظر إلى نفسه فقط ، دون أي اعتبار لأي شيء آخر ، فينبني على ذلك أن يكون لكل موجود حق مطلق في البقاء على وضعه ".*1

أو كما قال هوبز:
"الحق الطبيعي هو الحرية غير المحدودة والممنوحة لكل فرد في حالة طبيعية.) *2
وأضيف أنا ههنا: حالة طبيعية مادية.

****************************

المستوى الثاني: الأنا و الآخر:

مع ظهور ال( الأنا) و ال(الآخر) ، ولدت فكرة المجتمع ، ف(المجتمع) كلمة تعني في أبسط تعاريفها اللغوية إجتماع مازاد عن إثنين ، والذي لا يمكن فصل تلك التعاريف على إسقاطات علوم الإجتماع و الأنثروبولوجي .
إلا أن الحرية الفردية كحق طبيعي عند هذا المستوى ، لن تكون سوى مرادف ل" حالة حرب" ، وذلك لأن الطبيعة لا تعترف سوى بمنطق القوة و البقاء للأقوى ، ولا تعرف العدل ولا ترحم الضعيف ، وإذا ما طبقت إجتماعيا ، فستكون قائمة على المصالح الفردية و التي إن كانت ترنو إلى ضمان الإستمرار الفردي إلا أنها تسبب الإضمحلال و الزوال الجمعي و المدني كمجتمع متغير ومتطور أكبر من قيود الحرية الطبيعية المادية.
وطبعا في هذه الحالة لن يخرج الإنسان عن حدود الحيوانية الطبيعية المادية ، بل وسيتقيد بحدود المجتمع الطبيعي المادي الحيواني في صور قطعان تغلب عليهم صفات القطيع كسطوة الذكر الأقوى على القبيلة و توزيع الطرائد و تقسيم بقية أفراد القطيع أفقيا على درجة أرقى و أدنى بحسب القوة و الجنس وذلك أيضا لا يمكن نطبيقه إنسانيا.

ولعلاج تلك الحرية الحيوانية الطبيعية ، أذكر ماقاله سبينوزا الذي دعا إلى إقرار ضرورة وقوف العقل أمام الحالة الفردية الطبيعية للحرية ، باعتبار أن هنالك ثلاثة دوافع أو اعتبارات تفرض ذواتها لتخطي الحالة الطبيعية للحرية :

1. اعتبارات وجدانية أمنية ، تتمثل في توق الإنسان إلى العيش في أمان وعدل وقبول فكرة التعايش و التعاون : (القيم المطلقة لعلم الإجتماع السياسي إنسانيا).

2. اعتبارات عقلية تتمثل فيما يدركه الانسان من مصلحة تهم الذات والآخر كمجتمع فالإقرار بالمصلحة المشتركة أو العامة هو إعمال للعقل الجمعي وليس الفردي : (فيما تطور بعد ذلك انطلاقا من قاعدة رأي الأغلبية للمؤسسات المدنية القائمة على الإستحقاق الفردي و المنظومة العقلية و المنطقية وليست الفردية الأحادية).

3. اعتبارات نفعية تتمثل في التخلي عن المبادرات الذاتية لفائدة سلطة ذات سيادة متعالية عن الأفراد لأنها تمثل الإرادة العامة : ( وتلك كانت اللبنة الأولى التي تطور وانبثق منها مجلس القبيلة كأول نظام اجتماعي اداري نابع من فكرة العائلة مؤسساتيا كأول تجمع طبيعي ، ومع عزل فكرة القطبية والحكم الواحد إنبثقت البرلمانات ومجالس الشعب و الشورى بكل صورها كمؤسسات مدنية إستحقاقية تثميلية وليست أحادية السلطة)

وطبعا الحديث عن تلك النقاط الثلاث وبحثها وتفنيدها هو شيء بالغ الحساسية ويسهل ههنا الإنزلاق من عرض النقاط المحددة في عنوان المقال : (الحرية ، المجتمع و الحكم الأخلاقي) ، أي اجتماعيا إلى منزلق السياسة وعلومها ، وهو ما أعمل حاليا على البحث فيه في مجموعة مقالات مستقلة تتناول النوسطالجيا السياسية و الأيديولوجيا ، لذا فسألتزم في هذا المقال بالجانب الموضح في العنوانه.

إذن وبالعودة لنقطة الحرية كحق جمعي – مدني واستحقاقاتها ، أمكننا توضيحها باستخدام ذات المثال البدائي السالف الذكر عن الإنسان / الجزيرة وذلك بتغيير أو إضافة بسيطة لمنظومة : الذات / المحيط لتصبح ألأذات / الآخر / المحيط ، أي بفرض وجود شخصين إثنين (مجتمع بسيط) على نفس الجزيرة ، لتصبح حينها الحرية من حق فردي / طبيعي مكفول لحق جمعي مدني ، بكلمات أبسط تصبح عملية البقاء ليست فردية إنما جمعية فيصبح ما على الجزيرة ملك للمجتمع فيما يضمن بقاؤه .
وعملية البقاء (جمعيا) إنما هي ليست عملية قطيعية بيولوجية ، إنما هي ديناميكية فكرية وحضارية تسمو فوق حدود بيولوجيا المأكل و المشرب و التناسل ، وهو الفرق بين القطيع و المجتمع.

***************************

- الحرية المجتمع و الحكم الأخلاقي:

إذن الحرية مسئولية ، لأنها ببساطة وكما رأينا فكرة تفرق التجمع الطبيعي عن المدني لأنها المكون الأساسي للإنسانية .
فالحرية تتطور لتصبح مسئولية بالإجتماع ووجود الآخر ، لذا وجب على الفرد أن يعيها حقا إنسانيا أصيلا لا يتجزأ ، فهي لا تعطى و لا تهدى ، هي كل لا جزء له ، وكلما إزداد الوعي الإنساني الفردي بحريته ، كلما إزداد الوعي بالمسئولية عن أفعاله الحرة وحكمها الأخلاقي في المجتمع .
إن منظومة الوعي بالحرية ككل والمسئولية عنها هي العامل المؤثر في كسر المنظومة الرقابية التي تتخذ من نفسها مرجعية وعقلا أسمى إنسانيا للحسم الأخلاقي بما في ذلك من مصادرة على الفردية العقلية و الحرية ، وتصدير صكوك الغفران و الخطيئة ، ذلك الفكر الرقابي الذي تسهل استمالته سياسيا ودينيا و فكريا وأيديولوجيا ، للتحول حينها الساحة الإنسانية قاطبة إلى سجن كبير كلنا فيه سجناء و سجانون ، متذرعين بالحرية.

إن زيادة الوعي الفردي بحريته إجتماعيا ، تصعب على الفرد التهرب من الحكم الأخلاقي ، لأنه يصبح حينها أكثر سهولة ووضوحا ، ولن يكون حكرا مطلقا أو حقا مطلقا.
وعلى الجانب الآخر فإن حالة القسر أو القهر الرقابي الإجتماعي على الفرد وحريته تحت أي مسمى من مسميات القيم المطلقة أو الأيديولوجيات تسهل عليه –الفرد – التهرب من الحكم الأخلاقي لإنعدام الحرية الإجتماعية . وذلك ما يمكننا ملاحظته في الكثير من بلادنا حيث ارتبطت العدمية الأخلاقية (كفكرة) مع القهر الإجتماعي (كفعل).
ولأن كفة الميزان مابين ال(فعل) و ال(فكرة) لن تستوي أبدا ، فستظل تلك الدائرة تدور مفرغة ، وتنتج لنا العديد من مظاهر المصادرة على الحريات والعنف بمختلف صوره من تكفير وقذف ومنع ومصادرة وإعتقال وحتى تهم معلبة بالإساة للقيم المطلقة وكل ذلك لا يسمو خارج كونه فعلا لافكرة هذا من ناحية ، واستحواذ للبراءة و الشهادة ودور الضحية كأفكار من ناحية أخرى.

وهنا:
" ليس الحكم الأخلاقي معزولا عن الظروف الإجتماعية والتربية و السيرة الفردية . ونحن عندما نتكلم عن الحرية في الحسم بالحكم الأخلاقي فإننا نتكلم عن طبيعة الأخلاق لا عن طبيعة الفرد ، أي فرد ، يواجه الخيارات الأخلاقية بغض النظر عن الدواعي و الأسباب التي أدت إلى ذلك . ولكننا لم نأخذ بعن الإعتبار الظروف الإجتماعية و البيئية وظروف التنشئة الفردية التي سوف تساهم في ترجيح هذا الخيار على ذلك . إن الأخلاق المستندة إلى الحرية تفترض أنه في لحظة القرار الأخير، ماقبل الخطوة العملية ، يكون القرار حرا مابين أن تفغل أو لا تفعل ، لأنه كان بالإمكان ، ولو كإحتمال ضعيف ، اتخاذ قرار آخر . وكلما ضعف الإحتمال إزداد التحدي الأخلاقي صعوبة ، وهذه الصعوبة لا تغير من التعامل الإجتماعي مع الحكم كحكم حر . فالحرية مسئولية."*3

يمكننا القول إذن أن (الحرية) و (المجتمع) و (الحكم الأخلاقي) ليست عناصر سابحة في الفراغ ، بل هي عناصر ترتبط في دواخلها ككيانات مستقلة و بينها وبين بعضها ككيانات متصلة بالوعي ، لذا وفي النهاية فإن منظومة (الحرية المجتمع و الحكم الأخلاقي) هي مسئولية إنطلاقا من الوعي بها جميعا.

لذا فذلك الوعي هو الذي يأتي قبل الإتيان بأي فعل من ناحية الفرد ليصبح:

1. وعيا بالحرية في عنصر (الذات/ الأنا) أثناء الإتيان بالفعل أو الإنتاج لتصبح عملية حرفية عالية الجودة كذلك المنتج أيا كان فكريا ثقافيا معرفيا أو فنيا ، تيقنا أنها –عملية الإنتاج أو الفعل- إنما هي إنعكاس للوعي الفردي بالحرية الجمعية – المدنية وبالتالي المسئولية اتجاه المجتمع.

2. وعيا بالحرية في عنصر (الهو /الآخر) وذلك في عملية إستقبال ذلك المنتج أو الفعل ونقده وتفنيده والتنظير له على مستوى يتناسب مع درجة الحرفية و المهنية التي أنتجت المنتج أو الفعل أيا كان.

لتصبح حينها عملية الإرسال و التلقي بين الفرد ( الأنا) و المجتمع (النحن) ، هي عملية ، فعلها ورد فعلها هو الفكرة وليس الفرد.
وبصورة أكثر عمقا ، تصبح عملية إستيعاب (الآخر/ الهو) لحق (الذات / الأنا) الفردي الحر في البقاء و الإستمرار و التعبير عن الذات المميزة له وهي العقل و الفكرة هي عملية إثبات تميز :
Individualism.
تصب في النهاية في خدمة المجتمع . كذلك تصبح عملية إستيعاب (الذات/ الأنا) لخصوصيات تجمعها مع (الآخر/ الهو) هو تقدير لخصوصيات وفردانية وتميز ذلك المجتمع بذاته مما لاشك أن ينعكس على المنتج أو الفعل.

لذا فبتواجد هذه الدرجة من الوعي بكمال الحرية الطبيعية و المدنية ، تسهل عملية الحسم الأخلاقي ، والتي لن تتعدى حينها أن تكون مجرد عملية جمع وطرح فكرية للفكرة و الفكرة المقابلة ، وطبعا فإن الزخم الفكري الناتج سيؤدي إلى:

1. رفع مستوى الوعي و الثقافة في المجتمع.

2. السمو فوق الكثير من مشاهد الشخصنة الفكرية المقيتة و المدمرة.

3. سمو الخطاب بين المرسل و المتلقي إلى مستوى الفكرة أكاديميا ومعرفيا و ثقافيا ، والتخلص من متلازمة الإتهامات المشخصنة و المعلبة وحالات الخوف المرضي من الأسئلة.

4. القدرة الفعلية على إستقراء المنتجات و الأفعال التاريخية وإسقاطاتها بموضوعية بعيدا عن إستقطابها ايديولوجيا أو إنتقائها أو عزلها أو حتى نسخها كما حصل ويحصل مع الكثير من الأحداث التاريخية ، والتي يتم فيها توزيع صكوك الشهادة والبراءة على القتلة ، وتجريم وقذف وتخوين غيرهم والكثير من مشاهد النوسطالجيا.

5. التخلص من القياسات المحدودة و الإختزالية لأي منتج ثقافي أو فني أو فكري أو معرفي بمعزل عن واقعه و المحيط ، بل و الحكم على تلك المنتجات بالنجاح أو الفشل أو الرقي أو التدني أو السمو أو الإنحطاط لأسباب غالبا ماتكون غير إستقرائية للواقع ودرجة التباين بين جاهزية / خصوصية المجتمع ووعيه وثقافته وخواص المنتج.

6. إقتصار المسمى الفكري إنتقائيا ، لما في ذلك من مظاهر الحق المطلق المجحفة ، حيث أن المعرفة والتجربة الإنسانية هي تراكمية ، فلا يمكن القول بأن تلك الفكرة هي (فكرة) وغيرها لا ، ببساطة لأن الأضداد تخرج من ذواتها ، وكما قال فوكو : " أركيولوجيا المعرفة أثبتت المع و الضد في ذات السياق) ، أي أن الفكرة لا تصبح استحواذا رأسيا انما هي إستحقاق أفقي .


"الخوف لا يقود أبدا إلى الحب ، وقد لا أكون مخطئا إذا قلت أنه أقصر الطرق إلى الكراهية ثم الحقد وأخيرا العنف أو أكثر . فالخوف قد يخلق الطاعة الظاهرية أو الشكلية وربما يوحي بالإستقرار ولكنه لا يؤدي للطمأنينة"

عبدالرحمن منيف في رائعته من أدب السجون "الآن ..هنا"

وفي النهاية تلك الأطروحة قابلة للتطبيق على أي منتج إنساني أيا كان تحت هذه السماء.




_________________________________________________________________________________
1.Spinoza, politics
2.Hobbes. Leviathan
3.عزمي بشارة، طروحات عن النهضة المعاقة

Monday, 25 January 2010

القوة و المعرفة : العولمة (4): الثقافة و الهوية


تستند العولمة لدى الحديث عن الجانب الثقافي منها – وهو الأهم حضاريا- على ما يسمى بالثقافة العالمية ، والتي ساعد ومهد لها مجتمع الإنترنت ووسائل الإتصالات الحديثة تاني جعلت من هذا العالم قرية بالغة الصغر، وما يحدث في غربها يعلمه من في شرقها لحظة حدوثة ، بل أن ذلك المجتمع مهد لمن يريد أن يبحث عن التفاصيل المتعلقة بأي شخص أي يبحث عنه في محركات بحث أو في مواقع إجتماعية أخرى.
وعموما لدى الحديث عن الثقافة و الهوية ، وإسقاطات العولمة عليهما توجب علينا أن نضع نقطة بداية وهي التعريف :
فالثقافة كما عرفها الدكتور محمد عابد الجابري هي ذلك المركب المتجانس من الذكريات و الصور والقيم و الرموز والتعبيرات و الإبداعات الناتجة عن التعامل مع الطبيعة ومع المجتمع الإنساني .
وأضيف أنا ههنا للتعريف أعلاه أن ذلك المركب أو النتاج هو الذي يحتفظ لجماعة بشرية بجزء كبير من هويتها الحضارية ، المؤكدة لحضورها التاريخي وذلك في إطار ما تشهده من ديناميكية أولا داخلية بين الأنا و الذات وثانيا وبالتوازي ديناميكية خارجية بين الأنا و الآخر .

لذا فمن المنطقي أن نجد في النهاية أنه كما أن للثقافة ألف تعريف و تعريف إلا أنها جميعا تتفق في :

1. في الثقافة ماهو خاص وماهو مشترك إنسانيا.
2. في الثقافة ماهو ثابت وماهو متغير.
3. للثقافة علاقة هوية وكينونة باللغة.
4. الثقافة قابلة للطرق و السحب إن صح التعبير.
5. الثقافة هي التعبير الأمثل عن النظرة المجتمعية للعالم و الكون لأمة ما بعينها في الزمان و المكان المحددين ، وتلك النظرة غير ثابتة.

أما الهوية فهي ليست كلا من ثقافة ، جنسية، أرض ، تاريخ ، جغرافيا ، لغة ، دين ، عرق ، طائفة ، إثنية ، أو أيا كان ، بل هي حالة من التماهي بكل هؤلاء في آن ، وليس إحتواءا ، لأن الإحتواء يستلزم بوجه أو بآخر إحدى صور الثبات في حين أن الهوية هي مماهاة ديناميكية بالتراكم لا تعود لنقطة الصفر ابدا .
وهذا مايغفل عنه الكثيرون أن الهوية متى إنغلقت أو ثبتت على عنصر واحد فقط اصبحت مدمرة لذاتها وللآخر ، فيما يفسر لنا الكثير من الأحداث التاريخية ، وسأعود لتلك النقطة في مقال لاحق.

ومن هنا يمكننا القول أن الثقافة و الهوية لا يكتملان ولا يتكونان بعيدا عن فكرة المجتمع الإنساني أي بعيدا عن الآخر ، لذا و بالرجوع للخواص المذكورة للثقافة ، يمكننا القول أن لذلك الآخر دوره في :

1.الإنطلاق من نقاط الإشتراك للإختلاف و التمايز بين الهويات ثقافيا ومنها حضاريا / إي إحداث تغيرات ثقافية إنطلاقا من الثبات للتغير.
2. إحداث حركة تطوير لغوية عن تطريق توسيع أبجديات التواصل وأصواتها ، فاللغة كما ذهب جان جاك روسو في مقالته: مبحث في أصل اللغات تتطور مع تطور الحضارات ، وهذا مايفسر إرتباط سطوة لغة ما بسطوة حضارتها والعكس كذلك.
3.إعادة تشكيل الثقافة والنمو بها طرقا وسحبا كنتاج طبيعي عن التفاعل مع الآخر في المجتمع و التفاعل مع الكون.
4. تغيير النظرة المجتمعية للعالم و الكون ، بمنحى لا يعرف الثبات.

ومن هنا نجد أن هويتنا الثقافية تتشكل وتنمو بقدر تفاعلنا مع ذواتنا ومع الآخر في ديناميكية علاقة لا تنتهي هي : الأنا و الذات و الأنا و الآخر.

لذا وجب علينا التوقف لدى المنتج الثقافي الذي نتعاطاه مع الآخر من حيث الكيف و الكم وأسلوب التواصل كاللغة و الخطاب ومساحة التواصل من إرسال و إستقبال ، كل ذلك مع موازنتنا معرفيا بين الإنفتاح الثقافي على الآخر وثقافته ومدى إحتوائنا لثقافتنا و إرثنا وذاتنا التاريخية وخصوصيتنا الحضارية بعيدا عن الإنغلاق عليها ـ تحت أي دعوة أو تلاعب لفظي يصل إلى تسميتها بالمرجعية المقدسة .
كما يجب علينا التنبه إلى الفرق الخادع مابين لفظ (العولمة) الثقافية حضاريا كعملية إقتصادية الطابع تقتحم الخصوصيات الثقافية و الحضارية لتحتويها وتحولها لمنتج ثقافي إستهلاكي بقاؤه على الساحة الحضارية مرهون بنسب المشاهدة المرتفعة والدخل الناتج ونسبة الإعلانات التجارية .
ولفظ حضاري آخر هو : (العالمية) الثقافية التي لا تقتحم خصوصيات الثقافات وتنتطلق من قاعدة التشابه ، وتعرضها كما غيرها على مستوى أفقي بعيدا عن ثقافة ال
Best seller
عرضا يقدم الثقافة الأخرى كجزء من خصوصية هوية الآخر ، الآخر المسهم في علاقة : الأنا و الآخر.

ولأننا نحيا في عصر المعرفة السريعة بإمتياز ، عصر المعلومة الأثيرية ، وجب علينا التوقف لدى قنوات التواصل والتي يجب ألا نغفل التالي لدى تناولها:

1. هناك ما يقارب ال 2000 قمر صناعي يدور حول كوكب الأرض للقارة الأمريكية الشمالية منهم نصيب الأسد.
2. في العالم يوجد أربع وكالات عالمية للأخبار عبرها ينتقل الخبر:
- الأسوشيتيد برس الأمريكية
Associated Press.
- يونايتد برس الأمريكية.
United Press.
- وكالة رويتيرز البريطانية.
Reuters.
- فرانس برس الفرنسية
France Press

وبقراءة بسيطة لعالم الإنترنت ومحركات البحث فيه أمكننا معرفة تلك القنوات التي تصل من خلالها المعلومة إلينا ، ناهيك طبعا عن أن جميع المجتمعات المعرفية الإجتماعية المعروفة في عالم الإنترنت تقع على نفس الشاطيء.

اللغة (وباختصار):
كما ذكر روسو هي خط موازي للتطور الحضاري ، لأن اللغة تزداد غنى وديناميكية بزيادة الحاجة عن التعبير عن الذات في عملية التفاعل مع الأنا و الذات.
ومما لاشك فيه أن الحاضر بقوة سياسيا وثقافيا و إقتصاديا ومعرفيا هو الأقدر على فرض لغته ، إلا أن ذلك لا يعفي الطرف الأضعف أو الأقل قوة من واجب الذود عن لغته/حضارته ، لأن اللغة تمثل مفتاح التواصل و التعاطي حضاريا لأنها ببساطة الأكثر تعبيرا وإحتواءا وإنعكاسا للخصوصيات الحضارية و الثقافية و الهوياتية . ومن هذا المنطلق خرجت لدينا على الساحة العالمية نوافذ في عالم الإنترنت و الفضاء الإتصالي مثل مشروع أوروبا جارتنا الموجه للعالم العربي وبالذات دول ساحل البحر الأبيض المتوسط .
ونافذة أخرى هي القناة الفضائية الروسية المتحدثة باللغة العربية ، وكلها نوافذ بقدر ما تستحق الإحترام بقدر ما تعري سؤالا حاضرا وبقوة:
أين نحن؟؟؟

وبالعودة للعلاقة اللغوية بيننا وبين الآخر وجب علينا إيراد الملاحظات التالية:

1. 88 % من معطيات الإنترنت يتم باللغة الإنجليزية.
2. 75 % من أجهزة الحاسب الآلي تمت تصنيعها باللغة الإنكليزية.
3. 60 % من البث التلفزيوني لمشاهد العالم و أحداثه هي منتجات أمريكية.

ولكي لا تفهم أطروحتي عن العولمة بأنها طرح لنظرية المؤامرة سأورد مثالا صغيرا يوضح أن سباق التفوق الحضاري لا علاقة له سوى بالرغبة في سمو الذات الحضارية بعيدا عن هوية الآخر المتأخر أيا كان دينه وإثنيته وهويته وحتى تاريخه الذي لا يستطيع إستقراؤه في الغالب ويعلق في إنشائية الخطاب وتفصيله بحسب مقاسات الآخر شخصانيا وليس فكريا أو حضاريا .
فإفريقيا بتعدد أديناها السماوية والوثنية ولغاتها وحضاراتها و إنتماءاتها لا تمثل أكثر من 2% من حركة إنتاج الكتب عالميا.
نظرية المؤامرة التي يسعد لها الكثيرون لأنها تطبب الكثير من جراحهم التي أحدثوها لأنفسهم بأنفسهم ، وتسبغ عليهم دور الضحية والشهادة بأي مرجعية كانت وإن كان أكثرها حضورا هي المرجعية الدينية التي أتت علينا بقميص عثمان الذي جعل البعض يلغي جميع هوياتنا ويأدلج كل شيء حتى الله بعد العقل والإنسانية وحتى التاريخ.
بل إنني أرى أن أطروحتي هي نقدا لكل الخدرين بنوسطالجيا نظرية المؤامرة أيا كانوا و أينما كانوا ، فإذا كان الآخر يطرق كل الأبواب بعيدا عمن ورائها نائما ، فذلك لا يعطي لذلك النائم إذا ما إستيقظ فزعا حق التشاكي وإستحواذ البراءة أيا كان .

أعتذر عن خروجي عن العرض ، وبالعودة ثانية للغة :

- الدبلجة :
لحركة الدبلجة تأثيرها القوي في ثقافتنا المتراكمة ، لأنها تتناول الفضاء التلفزيوني و السينمائي وهو صاحب الشريحة الأعرض تعاطيا في عصر الإستهلاك.
إلا أن تلك الدبلجة لا تتم من لغة لأخرى بل من لغة للهجة ، مما يعمق الفروقات اللهجوية بين الشعوب على حساب الإجتماع اللغوي .
وسيتساءل سائل عن الفن التمثيلي وعلاقة اللغة بخصوصية المجتمع المقدم في ذلك الفن فسيكون ردي أن الفن متى كان معبرا عن مجتمع ما عربي فأهلا باللهجة المحلية لذلك المجتمع لما في ذلك من كونها معبرة عن خصوصياته وتقاطعاتها جزئيا في الجذور مع الكثير من مجتمعاتنا العربية ، ولما في ذلك أيضا من كسر حواجز اللغة بين أبناء الشعوب العربية الواحدة
إلا أن الدبلجة –كأداة تقديم- عندما تصبح من لغة غريبة تماما كالهندية والفارسية والإنجليزية و الفرنسية والألمانية والإسبانية وحتى التركية* ، فلا يجب أن تتم الدبلجة منها لللهجة الخليجية مثلا أو المصرية أو اللبنانية ، لأنه وببساطة المقابل لتلك اللغة أيا كانت هو اللغة وليس اللهجة.

- الكتابات الفكرية و الأدبية و الثقافية :
من الملاحظ على الساحة الثقافية الحالية ظهور الكثير من المنتجات الفكرية والأدبيات العامية ، والتي لايمكن بحال من اللأحوال إنكارها لا الآن ولا أبدا ، ولكن سطوة تلك الأدبيات أولا ومن ثم طرقها لمجالات معينة بذاتها مثل الفكر و الفلسفة و النقد وعلم الأديان و الإجتماع السياسي ، إنما هي ظواهر لا يمكن إغفالها أو تجاهل مسبباتها والتي أولا تدل على إفتقار اللغة العربية لسطوتها بين الذات و الأنا ، ليصبح التعامل باللهجات العامية في تلك المجالات مبررا بكل قصورها وميوعة ألفاظها وسقطاتها الفكرية التي لن تحمي جودة الخطاب و المادة المطروحة من تلاعب أو تقصير فكري أو تعبيري.

- الترجمة :
و الحديث عن الترجمة يطول بما لا يتسع له المقال ، إلا أن الترجمة في سياق التفاعل الحضاري على مدى التاريخ والذي أوضح لنا أن حركتها كانت دوما من اللغة المتحضرة أو المتطورة إلى تلك الأقل ، لما في ذلك من من اللحاق بالركب الحضاري.
فسر ذلك الكثير من شواهد التاريخ حين ترجمت الكثير من كتب العلوم و الفلسفة و الطب و الكيمياء وغيرها من اللغة العربية إلى اللاتينية ، يكفي من ذلك للذكر عدد الترجمات التي فاقت الثلاثمائة في قرنين من الزمان. مما جعل الكثير من الحضارت الأوروبية التي قامت على أحداث إقصائية كمحاكم التفتيش ليست بالقادرة على التخلص من الإرث العربي للمعرفة مهما كانت الوسائل ، يكفي لذلك ذكر أن ملابس ملكة إسبانيا بعد سقوط الحكم الإسلامي في الأندلس كانت مطرزة بحروف عربية ، لأنها صيغت بأيد عربية.

أين نحن الآن من حركة الترجمة في ظل سطوة اللغة الإنجليزية (ليس وحدها)؟؟؟
أين نحن منها وأسبانيا وحدها تترجم ما يفوق حجم مايترجمه عالمنا العربي و الإسلامي المخدر كاملا؟ ناهيك عن جودة عملية الترجمة تلك وإفتقارها للموضوعية و الأكاديمية و الرقابة الحرفية ، الذي يجعلها عرضة لهوى مترجمها.


- الرقابة:
مابين كتب ممنوعة رقابيا وإعفاءات مشروطة وموافقات جزئية تظل الرقابة بقدر ما هي منهج نظامي رسمي ، إلا أن اصلها الفردي و الإنساني الذي يوجد له الكثيرين مبررات تحت مسمى الدين أو الأخلاق أو الوطن ، يجعل من الساحة الفكرية في اوطاننا سجنا كبيرا كلنا فيه سجانون وسجناء ، نحتاج صنما أكبر ليوافقك على مانتعاطاه فكريا فيقبله أو لايوافق فيرفضه ، ونحن نتبع فقط ،لدرجة أوصلتنا بالتتابع لتجاهل الفكرة في حد ذاتها وتقييد حريتها ، و التي هي حق مكفول و أصيل إنسانيا تقف ضد الصنم أيا كان. :

http://timeofwhitehorses.blogspot.com/2009/08/blog-post_13.html
و
http://timeofwhitehorses.blogspot.com/2009/08/blog-post_20.html


- ثقافة الصورة :
في عصر تحولت فيه كل صنوف المعلومات و المعارف إلى منتجات إقتصادية تدر عائدا ماديا ظهر ما أسميه بثقافة الصورة و التي نتجت من حالة الإكتمال الفني و البهرجة والمبالغات الفنية الإستعراضية في الصور جعلت منها منتجا شهيا لايقاوم ، وفي نفس الوقت ثقافة التيك أواي.
فالصورة هي المعبر الأول و الأسرع عن المعلومة ، لذا فاللجوء لحرفية إستعراضية في الإعلام جعل منها أسرع رسالة و أقلها مقاومة ، لذا نلاحظ سطوة الإقتصاد و الرسائل المبطنة فيما يعرف ب الراعي الرسمي ، و الذي يظهر دائما لدى المنتج الصوري غن جاز القول أكثر من غيره من صنوف المنتجات المعرفية.
ومن مشاهد ثقافة الصورة أيضا ثقافة المقاطع ، أي في لفظ آخر ومقاربة أخرى ثقافة الإقتباس اللفظي أو الصوري في بعض الأحيان . فيصبح أي توجه فكري او معرفي أ, ثقافي معلبا في إقتباسات مقطوعة أو موتورة عن السياق أو الجسد الكلي مما يفتح لها باب التعرض بسهولة للتوجيه ، وذلك بعيدا عن الحجم الثقافي و الكلي لها ، ومشاهد ذلك كثيرة ليس أقلها إختصار التوجهات الفكرية في مقطع فيديو من دقيقتين أو أقل أو أكثر ، هو كل مايحتاجه البعض في زمن السرعة لإصدار الحكم الخالي منطقيا والغير موضوعي على ذلك التوجه كله.



وللحديث بقية