Tuesday, 18 May 2010

في الأيديولوجيا


ظهر مصطلح "أيديولوجيا" إبان الثورة الفرنسية كمرادف لعلم الأفكار ، إلا أنه سرعان ما تطور لينفصل و يتفسخ عن قيود ذلك التعريف المطلقة ،لتظهر فيما بعد المناهج الشارحة و المحللة للأيديولوجيا والمترصدة على إمتداد علوم إجتماعيات الثقافة لمظاهر الفصل و الوصل بين علم الأفكار – المطلق و الأيديولوجيا – النسبية . وإن كانت الأيديولوجيا لا تقوم لها قائمة بمعزل عن علم الأفكار الإنسانية بقيمه المطلقة من حرية وعقلانية ومساواة وعدل وما إلى ذلك ، إلا أن الأيديولوجيا هي المنهج التطبيقي الذي يضع الأفكار ضمن قالب معين يفقدها الكثير من فضاءها الحر ، لتصبح في النهاية أداة طيعة لايمكن إستقراؤها لذاتها بعيدا عن كونها وسيلة تطبيقية وليست غاية ذات قيمة .

وإلا فما هي الأسباب التي جعلت الفكر الإنساني في كل أدواره يرى الأمور / الأشياء طبقا لدعواه هو وليس طبقا لذواتها ، مع ثبات الفكرة وتطور مناهج الإحتواء وتباينها.

نقول أن فلانا ينظر للأشياء نظرة أيديولوجية ، نعني أنه يؤول الأشياء و الوقائع بالكيفية التي تظهرها دائما متماهية مع مايظن أنه (الحق) . إن الفكر الأيديولوجي- الموجه يتعارض مع الفكر الموضوعي- الحر ، وهو مادأب على الإشارة إليه المفكر و الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في تحليله للخطاب كأداة من أدوات التمثيل أو الإنعكاس المعرفي الرابط في نظرنا بين علم الأفكار و الأيديولوجيا ، لذا كان الإختراع الإنضباطي المعرفي لدى فوكو في شبكة العلوم الإنسانية – خطابيا لا تشكل تحريرا بل هو أحد وسائل ميكروفيزياء السلطة ، لذا كان ما أسماه البعض (الذاتية العقلانية) تشكل لديه مشكلة لا عقلانية.

ولأن الأيديولوجيا هو مصطلح يكثر إستخدامه في علوم السياسة مما يثبت أن تفسخه عن علم الأفكار ، إنما هو انعكاس لدى براغماتية النهج التطبيقي لعلم الأفكار المطلق ، بلفظ آخر الأيديولوجيا هي نسبية النسبية وليس نسبية الإطلاق ، لذا كان إستعمال (الأيديولوجيا) مثلا في مجالات السياسة كالمناظرات السياسية ، حيث أن الدارس لأيديولوجيات الحق السياسي لا يحكم عليها من زاوية الحق و الباطل أو الصواب و الخطأ ، إنما بوصف فاعليتها البراغماتية في استمالة الناس و الاقتراب من أهدافها ضمن حيثيات زمانها ومكانها.

إذا أسقطنا التجربة الإنسانية بين محوريها : النسبي و المطلق ، يتبدى لنا أن اختلاف التطبيق للفكرة هو النسبي وهو من خلق الأيديولوجيا لتصبح حينها سقفا لنسبية ذلك النسبي ، بمعنى أنه لم يعد هناك أصل ثابت يضمن الحقيقة المطلقة ، لا يوجد علم مطلق ، فالمجتمع الإنساني مجزأ لطبقات و فئات ومجموعات ، ولا سبيل لإرجاع معتقدات الطبقات و الفئات لأصل واحد ، فكل طبقة وفئة ومجموعة تبدع منظومة أيديولوجية خاصة بها ، متماهية مع الحق المطلق لديهم. ومجندة القيمة المطلقة في صورة الحق – حقهم – وسيلة للوصول للمصلحة الظرفية الجمعية الآنية ، وغالبا مايتم ذلك عن طريق خطاب أيديولوجي ، يعمل على تصوير الفصل بين الأيديولوجيا و علم الأفكار على أنه تأسيس لحالة من الفوضى و العبثية ، وإضفاء مبررا وجوديا على ذلك الربط بينهما، وذلك على حساب حرية العقل البشري المطلقة وديناميكيته التي سرعان ماتصبح موتورة ومسقوفة لحساب إثبات الذات الأيديولوجية وليست الذات الحرة ككينونة مستقلة متجددة ومتطورة.

لذا كان الخطاب الأيديولوجي ، وسيلة لبسط السلطة عن طريق نسبية المعرفة وتوجيهها بدلا من الإطلاق كطبع معرفي ملزم لعلم الأفكار لايستوي بدونه ، لذا كان الخطاب الأيديولوجي ، يتمحور حول هدفين إثنين :

1. المنع من التذرر : (ATOMIZATION)

التذرر هو لفظ مشتق من الذرة و هي أصغر الوحدات المكونة للمادة أو المركب و التي تحمل الخواص المميزة له ، أي أن الخطاب يعمل على منع تفكك عرى الجماعة (كمادة :المادية / كمركب: العضوية) ، التي تشترك في مفهوم واحد نسبي التطبيق متماهي مع صورة الحق الجمعية و الاستحواذ المعرفي للقيمة المطلقة لديهم، ويستمد شرعيته بحسب المصلحة و الفائدة العامة للجماعة ، و المتملثة في أبسط صور الحضور و إثبات الذات.

2. المنع من الفردانية : (INDIVIDUALISM)

الأصل في الإنسانية : (الإنسان) قبل أن يصبح تمثيلا أيديولوجيا : إثنيا ، طائفيا ، قبليا ، عرقيا ، ميثولوجيا أو أي نوع من الأيديولوجيات كان . وذلك لأن الأيديولوجيا هي نتاج مجتمع أو هي نشاط اجتماعي نسبي وليست نشاطا فرديا في البداية، في حين أن المجتمع نتاج إنساني . الفردانية هي عودة الفرد لحالة الإنسانية المستقلة و ليست المتفردة ، أي أنها إتحاد الفرد بذاته الممكنة وليس ذاته المثبته ، لذا كانت الأيديولوجيا تصوير لحالة من البقاء الهوياتي للمجتمع وما ينسحب – قسرا – على البقاء الفردي ، لتصبح حينها أي مقاربة لعلم الأفكار المطلق ماهي إلا خروج عن النسبية النسبية للأيديولوجيا ، تنتهي بتصويرها مأسسة لحالة من الفوض و العبثية وانعدام القيمة في إحدى صور السيطرة بالخوف ، في حين أنها مسائلة لاتنفصل عن المخزون المعرفي الإنساني : الفردي و الجمعي ، إلا أنها ترفضه سقفا محتوما بالثبات و الحق المطلق .

ومن هنا يتضح لنا أن للأيديولوجيا كيان زئبقي خداع ، يجعل من أي قراءة داخلية ، حرفية ، تجزيئية ، تفكيكية تعتمد كأي قراءة أخرى على العقل الفردي الحر لذلك الفكر / المعرفة/ السلطة الجمعية ، لن تقود لحلها وفهمها بقدر ما ستؤدي للغرق في أحابيلها ومشاطرتها أوهامها ، وحقوقها المطلقة ، لذا كان لزاما على أي قراءة بنيوية لأي أيديولوجيا أن تتم في سياق حدثي اجتماعي تاريخي حضاري ، لأن الأيديولوجيا هي نتاج مجتمعي وليس فردي .

ويحضرني هاهنا فرويد حيث يقول متناولا النفسية الفردية وتلك الجمعية في الخطاب الأيديولوجي :

(إننا نستطيع أن نحدد متى إنفصلت النفسية الفردية عن النفسية الجمعية / متى استقل الفرد نسبيا عن الجمع – الحشد) .

كما يقول أيضا :

( يشارك كل فرد الآخرين في جمعيات محددة : الجنس ، الطبقة ، المعرفة ، الدين ، العمل وبعد هذا فقط يكتسب – هذا إن اكتسب – ميزة يستقل بها ).

لذا كان التذرر و الفردانية هما أعداء الأيديولوجيا الأوائل ، ويظر ذلك جليا لدى أصحاب التوجهات الأيديولوجية حين التعاطي مع علم الأفكار المطلق لتصبح الحرية و المساواة و العدل في منظروهم منتجات أيديولوجية وليست فكرية لإفتقادهم للقيمة المطلقة تحت الفكر الأيديولوجي النسبي النسبية ، وهنا نجد الكثير من جهوية التفكير – إن صحت التسمية – لتصبح الحرية غربية و الديموقراطية و المساواة و غيرها من الأفكار، إما تقبل بالكل أو ترفض بالكل ، وذلك ساهم كثيرا في تعطيل العقول النقدية المفكرة وتغلغل عديد مشاهد الخدر ليست النوسطالجيا إلا أحدها . وذلك لأن الأيديولوجيا لاتحمل من الضمائر و أسماء الإشارة إلا الجمع وليس ضمير الإشارة المفرد ، كشرط وجودي لها .

إن مراقبة دورة الحياة لأي أيديولوجيا لا يمكننا ألا نلاحظ الإرتباط العضوي لها – الأيديولوجيا – بفكرة الجماعة ، ومن خلال المقاربة بين الأيديولوجيا الخاصة بتلك الجماعة على إمتداد تاريخها وعلم الأفكار المطلق، يمكننا رصد الكثير من حالات التضارب والازدواجية بينهم وبغض النظر عن القيم المطلقة التي يحاول الخطاب الأيديولوجي الغير أمين الإدعاء بالتأسيس لها ، و التاريخ الإنساني مليء بهكذا مشاهد بما لا يكفي متن هذا المقال بتسجيله بالشكل الوافي له .

كان ماركس و نقده لليبرالية و دراسات الإجتماعيات الألمانية مليء بالكثير من حالات الرصد للتوازي لا التطابق بين نسبية النسبية و النسبية التطبيقية لعلم الأفكار و الأيديولوجيا ‘ وذلك لدى مراقبة الأيديولوجيا و استقراؤها ضمن سياقها الإجتماعي و السياسي و الحضاري.

قد يذهب البعض إلى أن الأيديولوجيا هي التطبيق و الفهم العملي النسبي للأفكار المطلقة ، و إن كانت هذه العبارة تحمل جزءا لابأس به من الصحة براغماتيا ، إلا أننا لا نستطيع بذلك جعل الأيديولوجيا بنسبيتها مرادفا لعلم الأفكار بإطلاقه ، إنما يمكننا القول بأن الأيديولوجيا هي المقياس الاجتماعي و التاريخي و السياسي و الحضاري المعبر عن الجماعة أو الفئة ، و تقع غالبا بين إزدواجية (مطلوب وغير مطلوب) وليس (خيرا وشرا) وهنا أستعيد ماقاله كارل مانهيام :

(الأفكار تخدم المصالح وأن إنتصارها لايتوقف على صحتها ، بل على إمتلاكها للسلطة).

وهنا أنطلق للنقطة التالية :

الأيديولوجيا و الوعي :

لاشك أن الخطاب المعرفي / السلطوي ، المؤسس للأيديولوجيا على أنها علم مطلق للأفكار ورديفا للحق ، هو أحد أنواع القوى الغير ظاهرة ، بحسب علوم السياسة والتي تنقسم بدورها إلى درجات لا يسعنا متن هذا المقال للخوض فيها بإسهاب ، فالقانون مثلا قوة غير ظاهرة تؤدي لأحد أنواع السلطة ، إلا أن القانون يحتاج للقوة التنفيذية التي تضمن التنفيذ و الردع و المراقبة و الجزاء ، أما بالنسبة للأيديولوجيا فالأمر مختلف ، فهي قوة غير ظاهرة تماما ، ولا حاجة لها إلى أجهزة تنفيذية لأنها تعمل على التحكم في السلوك و المعارف الفردية ومنها للجمعية بجعل سقف الأيديولوجيا النسبي رديفا لسقف على الأفكار المطلق ، وما ينتج عن ذلك من مظاهر السلطة و التي اسماها فوكو : ميكروفيزياء السلطة ، وتلك أكثر مؤسساتية ومنهجية و تأثيرا يصل لحد الوعي البشري بكل خرائطه الإدراكية ،وتجنيدها لإثبات الذات الأيديولوجية - الجمعية وليست الذات ككينونة حرة فردية هي امكان لا يعرف المستحيل أو الثبات ، وذلك كما ذكرت سابقا بإعطاء مبرر وجودي للأيديولوجيا ، وجعل نقدها خروج عن الذات ونفيا لها ، مما يجعل الوعي ككينونة ومقدرة وخاصية فردية محكوما بالأفق المعرفي للجماعة في حدود مصالح السياق التاريخي و الحضاري و الإجتماعي لها، مما يجعل الخروج عن الحدود المعرفية للأيديولوجيا إنما هو إنقلاب عليها ، يهدد بقائها ، ولو كان بإسم نفس القيم المعرفية المطلقة التي يأسس لها ويوظفها الخطاب الأيديولوجي ، ومن هنا كانت الإزدواجيات السياسية لمختلف الأيديولوجيات لدى التعامل مع الكثير من الحقوق المدنية المطلقة من حرية وعدل ومساواة ومواطنة ، شاهدا على الإنتهازية السياسية لا القيمية المطلقة و الحق .

في النهاية لايمكن لأي قاريء للتاريخ أو مسجل له ، تجاهل أن الإستقراء الفكري للتاريخ الحضاري الإنساني ، يقع بين مطرقة الموضوعية الصلبة وسندان الخصوصية الحضارية المغلقة .

بلفظ آخر إنفصال الأيديولوجيا وتفسخها عن علم الأفكار ، لا يجب أن يدفعنا لإستقراء التاريخ بالمنطق الفكري المطلق بعيدا عن أيديولوجياته المتصارعة ، لما في ذلك من إجحاف في حق العقلية الإنسانية النسبية المنتجة لتلك الحضارة أو غيرها ، وإختصار منتجاتها في ماهيتها المادية الحاضرة فقط وليس في أبعادها المعرفية والإجتماعية و الحضارية ، وهنا تحضرني مقولة لكارل ماركس :

إن المؤرخين الذين يسجلون الوقائع الكبرى من أحداث سياسية وحروب دينية ونزاعات يشاطرون رغما عنهم أوهام الحقية التي يؤرخون لها .

ومن ناحية أخرى ، ليس من الموضوعية النقدية استقراء التاريخ لجماعة من البشر باقتصار القيم الفكرية و المعرفية المطلقة مرادفا لأيديولوجيتها حقا ،لما في ذلك من اسقاط القيمة المطلقة في إطار النسبية ، لذا كانت أدلجة المعرفة إغتيالا واختزالا لأي مجهود فكري إنساني فردي ينتج عن الفعل الإنساني الأكثر بدائية و تأصلا وإنسانية وبساطة ، وهو الشك والمسائلة و النقد وفي النهاية الإختلاف كفعل وطبع إنساني أصيل ونبيل ، لأن الإنسان إمكان لا يعرف المستحيل أو الثبات .

إذا كانت الأيديولوجيا فعلا مرادفا لعلم الأفكار ، لم هناك حاجة دائمة لجعل المفكر كائنا مأدلجا (على وزن مهجنا) ؟ ولماذا ينتقل حينها الخطاب من النص للمعرفة ومنه للطقوس ، وليس من المعرفة للنص ومنه للعمل؟




رابط المقال على صفحات مجلة عرب ال48:

http://www.arabs48.com/display.x?cid=5&sid=84&id=70970

Thursday, 15 April 2010

في نقد النوسطالجيا : الأيديولوجيا

إن الذاكرة السياسية لا تعدو كونها وسيلة إستحضار التاريخ أو حتى استقراؤه واستعادته ، بل هي مرجعية تاريخية يرجع إليها عن الحاجة و القياس وليس المطابقة ، إنها عالم الجماعة الحاضر الغائب ، و الذي تتوزع من خلاله الأدوار ، ولكن مابين الحضور و الغياب يكون الخطاب الأيديولوجي ، وهنا وبعد شرح مختصر في المقال السابق عن تحليل الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر ، اتناول هاهنا تفاعل الخطاب المعرفي / السلطوي أيديولوجيا.

فالخطاب الأيديولوجي السياسي الاسلامي – المعاصر ووجوده كعنصر معرفي / سلطوي معبر أيديولوجيا عن تلك المرجعية الغائبة الحاضرة تاريخيا ، نجد له وظيفتين إثنتين كأي خطاب معرفي / سلطوي أيديولوجي آخر على الساحة :

1.المنع من التذرر (Atomization): أي تفكك عرى الجماعة الواحدة لدى تفاعلها مع الآخر ، وهو مايجعل البعض يربط الفكر بالأيديولوجيا ، فيصبح الكاتب أو المفكر مائعا لالون له ولا طعم ولا رائحة مالم يكن خادما لأيديولوجيا ما بعينها و ليس فقط خادما للفكر كمطلق ، في تمثيل واضح لصور الانتهازية السياسية المتعلقة بسلطوية المعرفة وخطابها كأداة سلطة .

2. المنع من التفرد (Individualism) حتى داخل الجماعة الواحدة ، لذا عد الخطاب وسيلة سلطة وإن كان معرفيا ، لأنه يمنع الفردية المستقلة وما يمكن أن يعنيه ذلك من المجازفة بالرباط الجمعي أو المعرفة الجمعية و المرجعية الجمعية، في انعكاس ل(الموت مع الجماعة أرحم) مع أنه سيظل موتا.

إذن فالخطاب كأداة معرفية/سلطوية يعمل على تفعيل و تجذير الجمعية المعرفية و المنع من التذرر باسم حتى ولو كان باسم المرجعية ، وتلك إساءة كبيرة عندما ترتبط بدين سماوي ، وبلفظ آخر أدلجة الدين ليتحول حينها الدين من منهج :

- فردي : لبنته الأولى الفرد و الأخلاق الفردية والقيم الفردية فبدا ، مركزا على قيمة الفردية الإنسانية منطلقا للإنسانية ، لذا كان الرسول الكريم فردا إنسانا واحدا أرسل للبشرية جمعاء ، في كسر لنمطية القطيع.


- روحاني : يوفر الكثير من الإجابات الماوراء طبيعية و الأبوب الروحانية المتعلقة بالهاجش الإنساني الأكبر و الذي هو في منطلقه فردي أيضا وهو قيمة الحياة (مفرد) .


- حضاري : وتلك النقطة خلقت الفارق الواسع مابين الفتح و الاستعمار ، و أنتجت حضارات إنسانية أولا خاصة ثانيا ، إسلامية ثالثا يشهد لها التاريخ ، مستخدمة من كل ثقافة أدواتها الخاصة ، من دون تقييد .

في انكار تام على من يدعي بضحالة تاريخية معرفية أن أصل الحضارة العربية كان هو الإسلام ، مستقرأ الإسلام من عامل مساعد –رئيسي- لعامل وجودي أوحد.

إلى منهج:

- جمعي : لا يهتم بالفرد بقدر مايهتم بالجمع و قوة الجماعة واستحواذ الوطن –أي وطن- ملكا لقوة الأغلبية المادية ، فلا يقبل الاختلاف –أي اختلاف أيديولوجي وليس ديني فقط – ولا يقبل الفردية ، ليتحول حينها الدين تعبيرا جمعيا أيديولوجيا وليس فرديا روحانيا ، في تفسير واضح لتسرطن داء التكفير و الاخراج من الدين باسم الشرع و السماء ، و(معالم في الطريق) لايعدو إلا أن يكون إنعكاسا لخطاب معرفي سلطوي انتهج التكفير الجمعي لحماية الأيديولوجيا.


- مادي : لايهتم بالجانب الروحاني وهو النتاج الطبيعي للجانب الفردي ، بل يهتم بالمادية كمظهر يعبر عن الانتماء الجمعي في تنميط لصورة القطيع وهي صورة الأغلبية لا أكثر، فيصبح الدين مختصرا في مشاهده الفردية التي تحولت من عبادات لعادات جمعية ، اللحية و النقاب و الحجاب و التقصير وأشهر الجوامع ، لمشاهده الجمعية : الوصول للسلطة باسم الأغلبية وترادف الوطن للأيديولوجيا الاستقطابية.(1).


- سلطوي : لايهمه كيف سيصل للسلطة ، مادام سيصل ، مختصرا الحضارة في السلطة و الوصول إليها . مجندا لذلك الكثير من العبارات الرنانة روحانيا لبسط السلطة و التحكم في العقول ظاهرها وباطنها .

فعبارة كعبارة (الاسلام هو الحل) ، وبعيدا عن حساسيتها الغيبية لدى العامة البسيطة الثقافة و الفكر ، إلا أنها عبارة غير نزيهة سياسيا ، لأنها تغازل العصبيات والغرائز وتجعل أي حل سياسي غير ناجع مالم يكن حلا أيديولوجيا ، باستشارة السماء الصامتة ، وهي حيلة أيديولوجية لجعل السلطة حق ديني و ليس مدني ، كذلك الوطن بأيديولوجيات الاستقطاب ، وهي الحيل التي تعتمد عزل العقل المدني لصالح السماء امتدادا لمشهد رفع المصاحف على أسنة الرماح في أولى الحيل الأيديولوجية التي شهدها التاريخ الاسلامي باسم السماء لتحييد العقل.



الأثر التراكمي لذلك الخطاب المعرفي السلطوي الموجه للإسلام السياسي المعاصر على الخريطة الادراكية الجمعية :


كما أردفنا فان خطابا معرفيا سلطويا كهذا الخطاب ، لأجل الوصول لأهدافه : منع التذرر ، ومنع الفردية ، فإنه يستغل الكثير من القيم الانسانية المطلقة وحتى تلك الأيديولوجية النسبية للوصول لمآربه كأي خطاب معرفي سلطوي أيديولوجي آخر .

من ضمن مايراكمه هكذا خطاب ، هو ميكانيكية دوائر الاختلاف في الأمة العربية ، وهي تلك الدوائر التي تحوي الأنا والذات و ليس الأنا و الآخر ، حتى وإن كان ذلك الآخر هو في نفس الوطن والقضية ، متجاهلا ومستغلا في آن الأوضاع السياسية و الإجتماعية و الإقتصادية الراهنة قطريا و إقليميا - وإن كانت تلك الأوضاع لا تفرق بين الأنا و الآخر - ، مصدرا الكثير من الإزدواجيات المعرفية المطلقة باسم الأيديولوجيا ، ومستغلا عاطفة دينية قوية للخلاص محاطة بالكثير من مشاهد الظلم والإمبريالية و الاحتلال و الدكتاتورية و الفساد و التخلف و الاستهلاك .

من أبجديات ذلك الخطاب ، أبجديات تزرع – وإن كانت بريئة جزئيا- ، لها تأثيراتها و انعكاساتها من ولدى أرباب هكذا خطاب لايمكن أن يغفل عنها أي مراق ، وهي أبجديات اختزالية و اقصائية وليست استقصائية ، مثاله :


- اختصار قضية بحجم قضية الصراع العربي – الاسرائيلي في البعد الديني دون غيره ، هو اختصار في أقل أوصافه أرعن لما فيه من المصادرة على الكثير من العناصر الأخرى ، وهي عناصر فاعلة ومؤثرة لا يمكن اغفالها .

فلفظة مثل (الجهاد) وجعلها مرادفا للقضية الفلسطينية و الصراع بالمجمل، وإن كانت منطبقة - جزئيا- على مايحدث على أرض الواقع ، إلا أن الجزء دوما أصغر من الكل ، لذا كانت وستظل أرض الواقع أكبر من الأيديولوجيا . وهنا أتذكر كلمات المبدع الراحل شاعر السماء و الأسطورة محمود درويش حينما قال : الغريزة لا أيديولوجيا لها.

لأن تلك اللفظة التوصيفية في الخطاب ، تقتطع فعل المقاومة والإبقاء على الأرض و التاريخ و الجغرافيا والحضارة و التراث و الهوية وحتى حكايا جدي ، عن كامل السياق الإنساني ، وتختصرها انعكاسا لعنصر واحد من الهوية وهو الدين أو الميثولوجيا .

يتضح ذلك جليا في الكثير من الاختزالات الدنيئة و الغير أخلاقية المتواترة حديثا والتي تربط شرطيا بين التضحية و الدين ، في موافقة ضمنية مجحفة وخاوية على جعل الانتماء الديني فقط هو المحرك و الدافع للتضحية ، متى غاب هذا المحرك و الدافع لن تكون هناك تضحية ، مما يجعل الارتباط الوطني و الثقافي و التاريخي و الجغرافي و الحضاري و الهوياتي وحتى الانساني ليس ذو قيمة شرطية لتحقيق المطلوب منه وهو التضحية. إن ذلك التصور المرآوي المترادف لإزدواجية الدين / العطاء للوطن - أي عطاء- ، هو امتداد لإزدواجية الدين/ الوطن ، وما ينتج عن ذلك من اختزالات غير أخلاقية ومرفوضة لواجب التضحية وحقوق المواطنة ، في اهانة للوطن و الضحية و التضحية و الدين أيضا.

إن تلك المزايدة الضحلة الغير أخلاقية على دماء الشهداء وتضحياتهم وانتمائهم وهم من غير المتقاطعين في دائرة الاختلاف – أو الاستحواذ- الدين / الأيديولوجيا ، وذلك التجاهل للكثير من عناصر الهوية المكونة و الفاعلة في القضية ، و الناتجة عن كثير من دوائر التقاطع – لا الإختلاف- هو تطويق غير منتج وغير فعال براغماتيا على الساحة .



رواسب خطاب النوسطالجيا أيديولوجيا في التعامل مع المنتجات المعرفية و الثقافية و الفكرية :


متى كانت المعرفة إنعكاسا أيديولوجيا ، تحولت إلى سلطة ، وفقدت الكثير من محدداتها الموضوعية ، بخطاب معرفي م سلطوي م إنتقائي ، همه الأول و الأخير لدى تناوله أي منتج معرفي ثقافي أو فكري ، هو مايخدم أجندته الأيديولوجية فقط لخدمة أهداف الخطاب السالفة الذكر في بداية المقال بين أيديكم .

كان ذلك وعلى امتداد التاريخ في التناول و التجنيد الفعلي انتقائيا للمنتج الفكري أيا كان ، ولعل أشهر الأمثلة على ذلك ، كانالتجنيد النازي للفلسفة الوجودية النيتشوية ، و الفلسفة الطبيعية الداروينية ضمن أيديولوجيا الحزب النازي ورايخه الثالث ، مما ترك عميق الأثر في الخارطة الادراكية الانسانية جمعاء ، رابطا بين الإثنين وبشدة ، وان كان ربطا غير أمينا وغير مستوي معرفيا.(2)

وحتى الدين ، بمنطقه المأدلج/ السلطوي / المادي على مدى التاريخ الإنساني لم يسلم من الاتهام بهكذا إنتهازية ، ليس أقلها أولى المحاولات لترجمة القران الكريم ، ودراسة طوماس الإقويني له ، وكذلك تناول دانتي في كوميدياه الإلهية لشخص الرسول الكريم.

جميع هؤلاء حولوا المنتجات الأستقصائية المعرفية الفأدبية و الفنية و الثقافية أدوات إقصاء سلطوي ، تمثيلا لمبدأ : كل شيء في الحرب جائز.

وطبعا لم تغب تلك الاستراتيجية الغير أمينة عن عقول أرباب النوسطالجيا ، وكان من أبرز ضحايا تلك الإساءة الفكرية المفكر و المبدع الدكتور إدوارد سعيد ، ولكن ولأن عقلية ألمعية فذة وخلاقة كعقلية سعيد لن يخفى عليها وهي العالمة بخوافي التاريخ و ألاعيبه وحروب الأيديولوجيا وهكذا انتهازية سلطوية ، فقد أوضح في كتابه (الاستشراق) وهو ضحية الخطاب المعرفي/ السلطوي/ الأيديولوجي هاهنا ذلك قائلا :

آسف بأكبر قدر للزعم من جانب معادين ومتعاطفين على السواء أن ظاهرة الاستشراق هي مجاز مرسل أو رمز مصغر للغرب بأكمله المعادي للشعوب الغير أوروبية التي عانت من الاستعمار ، ويترتب على ذلك أن الشرق كاملا وأن معتقداته هي الحل الوحيد، أي أن نقد الإستشراق في هذه القراءة الخاطئة هو تأييد لأصولية ما ، في حين أنه لا طاقة لنا على تبين ما يكونه الشرق الحقيقي أو صحيح الإسلام ، و أن كلمات مثل (الشرق) و (الغرب) في الكتاب لا تناظر واقعا راسخا أو مستقرا يوجد كواقعة أو حقيقة طبيعية.

كانت دراسة الدكتور سعيد في كتابه الاستشراق هي من أكثر الدراسات غزارة و أكاديمية وإحاطة ، و التي تناولت ظاهرة تاريخية حضارية كظاهرة الاستشراق إبان الفترات الاستعمارية و الحقب الكلونيالية ، و أثرها المعرفي و الحضاري ، إلا أن ذلك الاختزال الأيديولوجي الغير أمين لمنتجات سعيد الفكرية لم تغب الاشارة إليه في ثلاثة من أعظم أعماله تاليا : (في تغطية الإسلام) و (الثقافة و الامبريالية) و (تعقيبات على الإستشراق)، معيدا التأكيد أن (الإسلام) كتجسيد لل(شرق) محمل بالمخاطر ، و أ، الغرب ضد الشرق و القول العكسي مضللان ، وذلك لتعاطفه مع نزعة تعددية الثقافات الإنتقادية للسلطة ، مجندة المعرفة ومعززة لها ، عوضا عن نزعة الكراهية للأجانب ، و النزعة الأيديولوجية ذات التوجه العنصري ، لذا كان سعيد على الدوام رافضا للصيغة المبتذلة التي تناولت (الإستشراق) ، و أعاد تصديرها أصحاب العقليات المؤامراتية و أثواب البراءة ووكالة السماء.

ومن المثير للسخرية و الهزل أن تلك العقليات التي اختزلت وتجنت على (الاستشراق) مجندة إياه لإثبات مبدأ صراع الحضارات مما يعطيهم المبرر الوجودي أيديولوجيا ، أن إدوارد سعيد بذاته نقد ورفض توجه هنتنجتون بصدام الحضارات مستعيضا عنه بصراع الجهالات ، إن نفس تلك العقليات التي ترفض منتج برنارد لويس الاستشراقي وهو الذي يصب في النهاية في صراع الحضارات ، قد رد سعيد عليه مرارا وتكرارا مؤكدا أن المنهج الاستشراقي الذي تناوله لدى دراسة ثقاة المستشرقين المحدثين كبرنارد لويس ، كان منهجا مصيبا بالكامل و أن (الاستشراق) هو نفي للافتراض القائل بأنه تقديم نقدي لهويتين متحاربتين ومتصارعيتن أيديولوجيا لما في ذلك من الغبن التاريخي و الحضاري و السطحية المعرفية.

بالنسبة لنا كان (الاستشراق) تسجيلا لحالة التوازي الملحوظ و القابل للفهم بين نشأة التخصص الاستشراقي وامتلاك امبراطوريات شرقية بواسطة بريطانيا وفرنسا في تمثيل امبريالي مادي لإزدواجية حضارية قوامها (الضعف / القوة ) وليس (الاسلام / الغرب) كما يصدر أصحاب النوسطالجيا التاريخية و السياسية لأيديولوجياتهم.

الهوامش :

1. راجع المقال الأول في نقد النوسطالجيا .

2. وردت الإشارة هاهنا لتجربة شخصية مع العديد من الأصدقاء و الأقارب الألمان لدى رؤيتهم لمجموعة نيتشه الكاملة بحوزتي ، والذي قوبل بالكثير من الاستهجان.

3. المراجع و المصادر:

- Culture and imperialism by Edward W. Said

- Orientalism By Edward W. Said

- Encyclopedia of Religions

- Covering Islam By Edward W. Said

- Orientalism Reconsidered By Edward W. Said

Wednesday, 31 March 2010

في نقد النوسطالجيا : الخطاب


"لسنا أفضل من رسولنا الكريم الذي حاصره الكفار لثلاثة سنوات ، ليحاصروننا عشر سنوات "

"لسنا عبده أصنام ، فالحجر لدينا لا قيمة له ، وكما احترق منبر صلاح الدين واستبدلناه ، فإذا سقط الأقصى فنحن قادرون على بناء غيره "



كانت تلك العبارات الصادرة عن أحد أهم رموز الإسلام السياسي المعاصر و الذين يتصفون –كما يقال- بالاعتدال أو الوسطية ، الأمين العام للإتحاد العالمي لعلماء المسلمين ، الدكتور محمد سليم العوا .


وجب علي قبل البدء في مقالي هاهنا و الذي سيتناول مظاهر النوسطالجيا في الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر ، أن أنوه القارئ قبل أن تأخذه حمية الدفاع عن السيد العوا وما يمثله ، أنني في هذا المقال وبالرغم من كمية الثقوب التي قدمها السيد العوا في كتبه وبالذات كتابه : في النظام السياسي للدولة الإسلامية و الذي تناول إجابة مقننة ل(كيف؟؟) وليس إجابة حضارية ل(لماذا؟؟) ، إلا أنني لا ولن أتحرك في إطار ذلك المنتج المخدر إنما هو نقاشي هو عن مظاهر الخطاب ، بما يمثله ذلك الخطاب من أداة تشكيل معرفة و من ثم سيطرة .

مقالي هاهنا يتناول تعاقبيا وباختصار مظاهر النوسطالجيا والخدر في الخطاب ، بعد تفكيكه وتحليله ، واستعراض المنهج الاستقرائي التاريخي الذي يعبر عنه ويخدمه ذاك الخطاب ، وأثره بالتراكم على الخريطة الإدراكية الجمعية للشعوب العربية من ناحية و تلك لل(الآخر) أيا كان ، وتأثير ذلك لدى أي تفاعل حضاري ، وسياسي وتاريخي وحتى اجتماعي .

إن أول ما يمكن للمراقب للساحة السياسية و الاجتماعية في بلادنا لدى تحليل الخطاب السياسي ولا أستثني من ذلك الخطاب العبارتين السابقتين ، غياب العامل الزمني ، بغض النظر عن مضمون الفكرة المنقولة من خلال ذلك الخطاب .

فمثلا عبارة كتلك الأولى من العبارات المشار إليها أعلاه تقارب ما بين وضعين مقاربة أقل ما يمكن وصفها مقاربة جوفاء ، توظف خطابا عاطفيا يزيد الخدر العام ويجعله من فعل لطبع بحسب قاعدة بالدوين في الطبيعة ، وذلك باستخدام العاطفة الأكثر حساسية على مدى التاريخ و الحضارة الإنسانية وهي الدين ، فالزمن لدى الحالتين المعبر عنهما في العبارة الأولى معطل ومهمش بالدرجة التي تسلب تلك المقاربة كل أساسيات الصحة و القوامة و المنطق .
فعهد الرسول الكريم قد ولى و انتهى ، وكذلك عصر المعجزات ، وليس منا مبشرون بالجن ، وليس كل ضحايا الحصار هم من المهاجرين أو الأنصار أو غيرهم ممن آمن مع الرسول الكريم ، كما أن الجيش الإسرائيلي ليس بكفار قريش ، على الأقل بمنطق علاقته مع الإمبريالية الأمريكية .
إن تلك المقاربة ، وعلاقتها المعطلة مع العامل الزمني ، هي مقياس للكثير من الظواهر الخطابية و التي و إن كانت صوتية إلا أن لها تأثيرا لا يمكن تجاهله تراكميا ، وذلك بزيادة حس التباكي على الماضي وتعميق الحس الكاذب بالبراءة و الشهادة و الحق المطلق من السماء .
ولتحليل الصور الواردة في مقاربات مثل المقاربات السابقة ، وجب علي الانطلاق لذلك من نقطتين أو محورين :



المحور الأول : الأنا و الذات :

إن اختصار قضية الصراع –وغيرها- أو الحصار في عنصر قيمي متضاد من خير و شر ، إيمان وكفر ، وما يستتبع ذلك من قيم مطلقة ، تمليها تصاوير –إن جاز التعبير- تنال من شخص رسولنا الكريم ، يجعل الاعتراف بال(ذات) أمام ال(أنا) في هذا الحدث السياسي أو غيره هو اعتراف بالخيرية و الصلاح المطلقين ، وما يستلزم ذلك تعطيل العقل النقدي وتحديد الخطأ أو/و المخطئ . إن ذلك الاختصار إنما يعمل على تغييب العقل البراغماتي الذي يحدد المسئوليات و الواجبات اتجاه الصراع ، وأثر ذلك في غياب النقد الذاتي ، من ذلك مثلا النفي عن حركة حماس خطأ الدخول للمعترك السياسي على رأس ظاهرة ديموقراطية نادرة الحدوث في المنطقة ، اعترافا من الحركة بأبجديات اللعبة السياسية التي بنيت أولا وأخيرا على بنود اتفاقية أوسلو والتي رفضتها الحركة مسبقا وكذا رفضها الكثير من عقلاء و أمناء القضية لما كانت تمثله من سقطة . ومن ذلك أيضا ما تمثله تلك المقاربة من الدعوة للإستكانة و السلبية والتصابر –إن صح القول- حتى بعد افتراض وجود القدرة على الاعتراف بالخطأ ، كل ذلك في انتظار الأمر الإلهي بالهجرة للحبشة أو غيرها.
إن حالة النوسطالجيا المخدرة التي يعمقها ذلك الخطاب المغلف بالعاطفة ، في ظل تدني مستوى الثقافة و الوعي و المعرفة بالعموم و المتنامية في الوطن العربي، ساهمت بشكل كبير في تعطيل الفكر السياسي الإسلامي ومواكبته للعصر وديناميكيته ، كمحتوى تراكمي ، وأداة تحليلية ، لما في ذلك لعزل لمبدأ الخطأ لزاما منطقيا لقاعدة الحق الإلهي المطلق ، فالفكر حينها كأداة لا يخطئ، وبالتاي فالفكر كمحتوى ثابت ثبوت الجماد على الصحة ، ويمكن رؤية ذلك على الكثير من مظاهر الفكر السياسي الإسلامي والتي توقف الخطاب لدى توصيفها بقدسية الزمن القديم كوثيقة المدينة المنورة و مبدأ الشورى، وكلاهما إعجاز لا يتعدى ظروف الزمان و المكان الخاص بهما.
إن عقلية "القص و اللصق" الخطابية لنموذج السلف ، تتحمل نصيب الأسد من حالة النوسطالجيا التي يعاني منها الفكر الإسلامي في وقتنا المعاصر على الصعيد السياسي و الحضاري و حتى المعرفي كما سيأتي تباعا ، كما أنها تفسر تضييق مساحة الحكم الأخلاقي والمنطقي وكذلك المعرفي على الأمور بحكم تقسيم العقول بمنحى رأسي ، في استغلال أيديولوجي سلطوي لقاعدة : اسألوا أهل العلم ، والتي سرعان ما حولت المعرفة و العلم استحواذا رأسيا-هرميا ، مصدرا للكثير من ديباجات الرقابة و السطوة التي تطورت لسرطانات التكفير تحت مسمى الدين وحمايته ، جاعلا من العلم و الفكر و الثقافة حقلا رأسيا يتقاسمه السادة و العبيد.

المحور الثاني : الأنا و الآخر :

ولأن السياسة – و إن كانت على عكس أماني البعض الأيديولوجية – لا تدور في فلك ال(أنا) فقط، كان هناك الآخر أيا كان ، أقلية في وطن أو مدافع عن نفس الوطن أو حتى من سكان هذا التجمع الإنساني . ولأن السياسة تشمل من ضمن ما تشمل بناء صورة لل(آخر) ولعلاقة ال(أنا) به ، كان وضع صورة له على أدق ما يمكن وبتثبيت الزمان و المكان و العلاقة الرباعية الأطراف : (الأنا-الآخر- الزمان- المكان) هو سر للعملية السياسية الناجحة ، بعيدا عن أطر العاطفة المجندة .
لذا كان استخدام ثنائيات مثل : (الخير - الشر) و (إما – أو) في الخطاب ، يؤدي لإنتاج صورة ليست واضحة المعالم ، لما تعتمده من الإطلاق عنصرا بنائيا في الحكم ، مما نشهده من صعوبة تقبل ذلك الآخر صاحب الموقف المحبذ سياسيا ، متى كان خارجا من ذلك الشر المطلق أو المادية المطلقة (مثال ذلك التعامل مع كتاب ومفكرين يهود مثل نورمن فنكلستين أو نعوم تشومسكي وغيرهم) ، كما كان هو نفس السبب الذي يجعل الحكم الموضوعي و الأخلاقي على أفعال أي آخر محبذ أيديولوجيا موضع شك ومزايدة وبحث عن مبررات كما هي علاقة الكثيرين منهم مع الإرث الجرائمي الهتلري النازي و هو ما يفسر حالة الترادف الخطابي بين لفظ مثل : عنترية و هتلرية ، وأخيرا وليس آخرا المحاولة الدائمة لاختصار الفكر السياسي الليبرالي المعاصر في رمزين اثنين لا ثالث لهما هما الأفغاني و محمد عبده في حين أن الاثنين عملا على إخضاع الإصلاح الديني للظرفية السياسية أو العكس من إخضاع السياسة للظرفية الدينية مما أفقد الدين محتواه الروحاني وتحول لتجربة سلطوية.



من المحورين الأول و الثاني نرى أن حالة الإطلاق و الاستحواذ و الثبات ، المغلفة بالعاطفة الدينية المتوقفة الزمن ، إنما هي عامل معطل للمعيارية في الحكم ، تلك المعيارية الضرورية لقيام العقل البراغماتي الضروري و اللازم لدى التعاطي مع معطيات السياسة و المجتمع بالنقد و التساؤل ضمن تفاصيلها الآنية والمكانية .


الخطاب ما بين النهضة و الديموقراطية :

إن القطع بثبوت الخير و الشر بالتوازي مع ال(نحن) و ال(هم) ، ومع تخطي تلك الثبويتة حدود الوطن و القطر و القومية ، يجعل حرية التعبير و هي القضية الديموقراطية الأم ، و التي تتأتى شرطا أساسيا و أوليا وسابقا للنهضة ، محصورة في إسقاطها لل(أنا) و ال(آخر) ، وبالتوازي مع : (كلمة حق) يواجهها (إفساد في الأرض) ، لتصبح حينها حرية التعبير هي مظهر استحواذي يبرر نظم الرقابة باسم السماء وما تمتلئ به هكذا بروتوكولات من صور للعنف ليس التكفير فيها سوى وسيلة من الوسائل لضمان السيطرة بالخطاب العاطفي الأيديولوجي ، وكذلك الصمت أمام مظاهر العنف ، وهنا أتذكر الخطاب الخجول الذي قدمه الأمين العام للإتحاد العالمي لعلماء المسلمين والذي تناول رواية نجيب محفوظ (أولاد حارتنا) ذلك الخطاب الذي كان الأجدر بالأمين أن يحفظ ماء الوجه عن أن يدعي موضوعية وحيادية لا يملكها من يصدر ديباجات الحق السمائي المطلق وصادرات خيال السلطة.


الخطاب وأثره على الاستقراء التاريخي في الفكر السياسي الإسلامي :

إن تاريخنا الاجتماعي و السياسي كحضارة إسلامية وعربية (الأيديولوجيا هاهنا لها مدلولاتها)، يتميز بتداخل الظرفية الزمانية و المكانية وتفاعلهما بشكل مميز ، إلا أن عملية عزل الزمان في الخطاب السياسي لدى استقراء التاريخ السياسي ، جعل الارتباط بين الخطاب و المكان أكبر بكثير من ذلك مع الاثنين معا : الزمان و المكان .
جعل ذلك الاستقراء التاريخي –باعتبار أهمية الخطاب وحيويته كوسيلة سلطة ومعرفة مؤثرة سياسيا - جمعيا وليس خطابا مجردا- هو استقراء للمكان ، فأصبح التاريخ هو تاريخ الكوفة و البصرة و القاهرة و القيروان و دمشق وبغداد و الأندلس في رمزية للدول الإسلامية ، مما حول التاريخ الإسلامي حضاريا إلى أرخبيل سلطوي ، أي إلى تاريخ مجموعة من الجزر المنفصل زمانيا كانفصالها مكانيا ، أي أن منتج استقراء هذا التاريخ السياسي بخطاب عاطفي يرتبط بالمكان ، جعل الوعي التاريخي السياسي وعيا (تراكميا) وليس وعيا (تعاقبيا) ، بملي ستلزمه الأخير من الاعتراف بحضور الآخر وتأثيره في الزمان و المكان .
إن هذا النوع من الخطاب ألغى الترابط المنطقي والتراتبي بين كل جزيرة وجزيرة في التاريخ السياسي معتمدا على عاطفية نوسطالجية تقيس الحضارة بامتدادها السلطوي ، لذا نجد دوما عبارة : (لقد وصلنا للأندلس) ، مغفلين كيف وصلنا للأندلس و الأدهى والأكثر دعرا كيف خرجنا من الأندلس.
في حين أن الدورة التعاقبية لأي حضارة هي انعكاس للرابط بين الزمان و المكان بما يحمله ذلك من تفاعلات اجتماعية و سياسية واقتصادية و حضارية ، بما ضمن للدين الإسلامي كعقلية حضارية و ليست سلطوية حضورها الذي شهده التاريخ ، ويتجنى عليه البعض بصادرات النوسطالجيا والمزايدات على العنصر الحضاري واختصاره في العنصر السلطوي متغنين بمظاهر السلطة المتجبرة من مركزية وحكم الفرد الواحد وتصنيف للولاية بحسب الجنس أو طريقة العبادة ، متجاهلين عناصر الزمان و المكان ، ولا أستثني من ذلك الأندلس كمشهد غنائي للسلطة وليس للحضارة مسقطين الكثير من أساسيات المعرفة و التاريخ بدفن الرأس في الرمال.

__________________________
_________________________________________________________

الهامش:
رابط المقال على صفحات مجلة عرب ال48
http://www.arabs48.com/display.x?cid=5&sid=84&id=69809



1. المراجع:

- في نظم السياسي للدولة الإسلامية : د.مجمد سليم العوا
مجلة الوسطية الصادرة عن التيار الوسطي الاسلامي
- في نقد الخطاب الديني د.نصر حامد أبو زيد
- اشكاليات الفكر العربي المعاصر : د.محمد عابد الجابري
- الدين و الدولة : برهان غليون