Saturday, 31 July 2010

في نقد النوسطالجيا (4) : في الفكر(2): "الحاكمية " بين الوحدانية و الشرك

بحسب أبسط تعاريف (الديمقراطية) في علوم السياسة، وبنظرة اختزالية لتاريخ تطورها، أمكن القول إن الديمقراطية هي (حكم الشعب نفسه بنفسه)، أو في اضعف الأحوال: (الحكم بإرادة الشعب)، إلا أننا وباسم الديمقراطية أيضا حدث ولا يزال يحدث على امتداد تاريخنا وحاضرنا العربي والإسلامي مشاهد، سميت "ديمقراطية" إلا أنها لم تكن كذلك ولن تصبح: انتخابات مزورة، جمهوركيات (جمهورية وملكية في آن)، حقوق مدنية تهدر، تطريز لقوانين مناسبة للكرش والكرسي، وأرقام قياسية للمعتقلات والسجون، استخدام مفرط للسلطة العسكرية.

إلا أن تلك المشاهد أنتجت ضمن ما أنتجت، الكثير من ردود الأفعال التي أعلنت علانا جهارا (كفرها) بالديمقراطية العربية ويأسها منها، كما عملت ردود الأفعال تلك على تفريخ الكثير من المصطلحات المضادة بغية إحداث اتزان منهجي وتطبيقي مضاد لتلك (الديمقراطية) العربية، التي أوضحنا سابقا أنها لا تعدو أن تكون خواء معرفيا وتاريخيا لا يتواءم مع تعريف (الديمقراطية) موضوعيا ولا تطبيقها تاريخيا ولا واقعيا، مما جعل ردود الفعل تلك ومصطلحاتها الوليدة تطبيقا لقاعدة الفعل ورد الفعل، فإذا هم من نفس الجنس (الخواء المنهجي) واللاتطبيقية التاريخية، هي إنتاجات مختزلة، كل المطلوب منها هو الوصول لحالة من الصفرية بمعادلة الفعل برد لفعل مساو له في الكم ومعاكس له في الاتجاه (التأثير).

لذا لم يعد إنتاج (الحاكمية) إلا أن يكون مصطلحا براقا (أيديولوجيا)، يعمل على توظيف العاطفة الدينية لإحداث زخم اصطلاحي مستفيدا من حالة السيولة اللغوية التي تعاني منها الذهنية العربية والإسلامية اللا-إدراكية *1 وحال الواقع العربي، فكان كل همه تجنيد القلوب لا العقول لتوظيف الحاجة الإنسانية المبررة للانتماء، بعيدا عن أي براغماتية سياسية منتجه ديناميكيا، فكان الرفض كحيز وجودي، وليس الرفض بمطلقه كحق تعبيري عن وجهة النظر، بل الرفض كعنصر وجود - بقاء - إرهاب.(للتراتبية معناها).

إلا أننا وحتى مع ذلك، لا يمكننا التشكيك في نوايا من قام بابتداع "رد الفعل" ذلك لكونه نتاج لفترة هامة من فترات التاريخ العربي في التجارب الديمقراطية الفاشلة والمخيبة للآمال، في أربعينيات و خمسينيات القرن المنصرم، كما أنه ( مع ذلك فإن خيبة الأمل إذا كانت تبرر نوعا من التبرير ما تسبب فيه من ردود أفعال عنيفة وغير مراقبة فإنها يجب أن تدفع بالمقابل إلى مراجعة "الأمل" نفسه).*2.
الحاكمية بين التذرر والفردانية:
لدى مراجعة تعريفي "الديمقراطية" سالفي الذكر أعلاه، واللذين أعيد التنبيه بمدى سطحيتهما واختزالهما المعرفي والتاريخي، نرى أن الفكر "الحاكمي" يتعامل مع لفظة "الشعب" فيهما وكأنها وحدة واحدة ثابتة القياس ولاتتجزأ، وذلك بتفعيل "الواحدية الأيديولوجية" مع إغفال الكثير من عوامل القياس الداخلي والتصنيف والتفكيك والاتصال، لذا كان من الطبيعي أن يكون ضمير المخاطب في الفكر الحاكمي هو وحدة واحدة تغازل العصبية الدينية أيديولوجيا وهي وحدة الـ"نحن" وتربطها عضويا بالدين وتسقط كل العناصر الأخرى لحسابها.

وتلك "الواحدية" في الخطاب بالنسبة للحاكمية يتبدى لنا أنها ضرورة أيديولوجية، إذ أنها تحقق الهدف الأول وهو منع التذرر *3، بالادعاء شرطيا إيمانيا أن ذلك الربط إنما يقوم على "واحدية" الدفاع عن ما يسمى - لغرض أيديولوجي وليس معرفي- "أصل التوحيد" وتباعا الشهادة بوحدانية الله، حينها تصبح "الواحدية" المؤسسة لـ"الحاكمية" في الخطاب الحاكمي إنما هي ربط عضوي داخلي أيديولوجيا يمنع التذرر، ويعمل على التأسيس لصلابة وحدة (نا) الفاعلين، وذلك حاضر مثلا بالقول: ( هناك حزبا واحدا لله لا يتعدد وأحزاب أخرى للشيطان والطاغوت)*4.

كما أن المقولة الأخيرة، تعمل على تحقيق الهدف الثاني من أهداف أي ايديولوجيا، وخطابها غير المعرفي بالقضاء على الفردانية*3 وذلك بجعل المبدأ المؤسس لتلك المرجعية والمتحكم في توجيهها، هو أن كل ما يوضع في مقابل الإسلام والدفاع عن "أصل التوحيد" هو ليس من الإسلام، لذا ومن هنا تصبح جميع صنوف الرفض بل الصدام مع الآخر وليس فقط الرفض هو نوع من أنواع الدفاع عن الرسالة السماوية وأصل التوحيد، والتي يبرر لها التساؤل الذي لا يمكن أن تقف أمامه أي فردانية: هل منا من لا يدافع عن أصل التوحيد؟؟ مؤسسين للموافقة الضمنية على جميع صنوف العنف تجاه الآخر فردا كان أو مجتمعا، بالاستنفار لا الحوار، والاستحواذ القيمي الذي يؤسس له الاستحواذ للدين *5، فيصبح الاتهام للآخر برهاب المصطلحات والسطحية المعرفية – دينيا- هو شيء مبرر لإثبات الأفضلية... أو الواحدية أمام اللاشيئية.



الحاكمية بين الوحدانية والشرك *6:

إذا كانت الحاكمية قائمة على – ما يسمى – "أصل التوحيد"، وهو إعطاء أحقية حكم البشر لرب البشر، كنوع تمظهري للتوحيد أو الوحدانية التي في القلب و أصلها، فإن الديمقراطية في جوهرها ليست شيئا آخر غير (الشرك) في الحكم، وذلك لأن (ديننا) القائم على وحدانية الله - جل وعلا – بينما (دنيانا) قائمة على التعدد، بحكم أن الله واحد أحد وما دونه متعدد وفي مقدمة ذلك (الحاكمية البشرية) والتي تمثل في مختلف صورها حتى الدكتاتورية منها وجود طرفين إثنين، لذا ( يجب علينا أن نسلب عنها سلبا قاطعا وباتا صفة الوحدانية)*7، التي هي صفة ربانية.

إن الديمقراطية – كغيرها من الأفكار وليدة المجتمع الإنساني والذي يقوم على المشاركة المعيشية - تقوم على أصل واحد وهو الحرية التمثيلية والتأثيرية التي هي مبناها حرية الرأي والاختلاف لدى التعامل مع مشكلة الحكم – كما تسميها العلوم السياسية -، لذا وكمنتج طبيعي للحرية كان "الاختلاف"، مما يؤسس لوجود (آخر) كشرط عضوي ووجودي لما يسمى بالديمقراطية، لذا خرجت العملية السياسية: (الحكم) من كونها واحدية إلى كونها عملية: شرك – إشراك وليست وحدانية، مما يستلزم في النهاية انقلابا منطقيا قوامه الفصل القاطع والتام بين الدلالية اللفظية وتلك المعنوية الميثولوجية – وتباعا الأيديولوجية- لـ"الوحدانية" في الألوهية، والإلزامية الإجبارية مجتمعيا لـ"الشرك" في مجال الحكم والسياسة و المجتمع.

وهنا توجب علينا الإشارة إلى أن المتلقي قد لا يستسيغ توظيف كلمة (شرك) تعبيريا في السياق، نظرا لارتباطها الدلالي بـ(الشرك بالله)، بل وقد يفضل عنها بديلا (المشاركة)، وذلك لا يعدو كونه نوعا من الكذب على الذات، حيث أن توظيف كلمة/تعبير (الشرك) في المقاربة بين أيدينا هو نوع من التغلب على الحواجز النفسية التي توظفها "الحاكمية" بعيدا عن أي أمانة معرفية وتوظيفا للفعل ورد الفعل، وهي الحواجز النفسية التي تؤسس لها السيولة اللغوية التي يعاني منها العقل العربي والإسلامي، لذا وجب تكسير ذلك الارتباط بين تلك السيولة اللغوية و البنية الذهنية اللاشعورية (الخارطة الإدراكية)، والتي يتم تجميدها لتعليب العقيدة التوحيدية وتعميمها تعميما يرفضه الدين ويحرمه، ذلك التعميم القاصر الذي جعل –ولا يزال- مفعولها ينسحب على مجال السلوك إزاء الحاكم انسحابه على مجال السلوك أمام الله، قافزا على ثوابت التاريخ والمنطق –للترتيب دلالته- كنوع من الخداع الأيديولوجي، وكونه ردا لفعل، الذي يؤسس فقط لأحد خاتمتين قيميتين وليس حياتيتين: حزب الله أو/و حزب الشيطان، جاعلا العنف الموجه لحزب الشيطان أو حتى أي مختلف مع أصحاب ذلك التوجه هو عنف مقدس إنما يمارس تحت ستار ديني قوامه الواحدية التي لا تقبل بعد الـ(نحن) أي اختلاف حتى ولو كان اختلافا داخل الواحدية ذاتها، فهي التي –ظنا من أصحابها – تتحدث عن الله و الدين و الحق الإلهي المطلق.


الشهادة:

إن قانون الفعل و رد الفعل هو قانون طبيعي فيزيائي ميكانيكي لذا فهو لا ينطبق على الإنسان فكريا، وحيثما دخل الفكر الإنساني دائرة الفعل ورد الفعل أصبح مجرد أداة وأصبح التراشق بين أطراف تلك المعادلة إنما هو تراشق أداتي لا قيمة للفكر لديه فالفكر الإنساني إنما ينشأ ويتكون بالتراكم و ليس بالقيمية الثابتة كمظهر أداتي لإثبات الذات بنفي الآخر.

ومن هنا كان استخدام العنف من قبل الأنظمة التي واجهتها "الحاكمية" إنما كانت سمة عسكرية محضة لعقلية لا تزن إلا للقوة معيارا، إلا أن ذلك لا ينفي عن "الحاكمية" كونها فكرا رفضويا تكفيريا لا يقبل الآخر ولا يهادنه كمظهر عسكري، وقد كان من جسيم الخطأ مواجهة "الحاكمية" بالقوة العسكرية لما أكسبها ذلك من تعاطف فوق التعاطف الذي ولده خطابها العاطفي الأيديولوجي وأعطى ذلك للحاكمية طبقة من البراءة الكاذبة، ولكن كل ذلك جنبا إلى جنب لا يبرر استخدام العنف العسكري ضد المختلف فكريا، لأنه وبالقطع يسبغ عليه بكل استحقاق لفظ : الشهيد ويفتح الباب للمزايدات في الشهادة وتعليبها وصولا للصنمية.

ولذا فحتى الشهادة الأدبية والتي لا يختلف أمامها إثنان، أن من يموت دفاعا عن أفكاره و آرائه إنما هو مستحق لها، لم تسلم من التلويث والمزايدة، امتدادا لتجنيد الخطاب العاطفي الديني الأيديولوجي لخدمة ذلك التوجه، فأصبح الشهيد – أدبيا، شهيدا دينيا، ومع ما تستلزمه تلك الشهادة الدينية من حتمية الصراع دفاعا عن المال، العرض، الأرض و الدين.
لذا أصبح حينها السيد الشهيد(؟!!) إنما قد دفع حياته دفاعا عن ماله أو عرضه أو أرضه أو دينه.

إن التوظيف أو الإهداء الديني الأيديولوجي لهذا المسمى: الشهيد دينيا، إنما يستلزم بالتبعية لما تعنيه الشهادة الدينية وتستلزمه أن صاحب فكرة "الحاكمية" إنما قد مات دفاعا عن تلك الثوابت وليس دفاعا عن فكره، أي أن "الحاكمية" وما أنتجتها من تكفير(فردي ومجتمعي) ورفض وشرعنة للعنف وجعله عنفا مقدسا، إنما هي فصل في حرب مقدسة دفاعا عن المال والعرض والأرض والدين، كما أنها تجعل كل مختلف مع تلك النظرية والمسمى إنما هو متعد على تلك الثوابت، بلفظ آخر إن إسباغ الشهادة الدينية - وليست الأدبية فقط – على أصحاب ذلك التوجه الرفضوي الحاكمي إنما يعطي على توجههم بكل ما أنتجه وبكل ضحاياه وتناقضه مع المنطق والتاريخ إنما هو حق مطلق يدافع عن ثوابت لا يختلف عليها إثنان، وفي المقابل يجعل العلاقة مع الآخر المختلف مع تلك النظرة إنما هي علاقة حياة أو موت، وأن ذلك الآخر إنما هو خطر يتهدد الدين والعرض والأرض والمال، ويجعل من ذلك الشهيد إنما دفع حياته ليفدي دينا حماه الله، أمام هؤلاء الذين شكلوا تهديدا عليه.

يتضح لنا مما سبق أن الشهادة وتوزيعاتها هي منتج أنتجته دائرة الأيديولوجيا والخطاب الديني المفرغة التي لا يمكن لأحد تحديد بدايتها، أهي الفعل: غياب الديمقراطية وما أنتجته من عنف وعسكرة، أم رد الفعل وهو الموازنة ضد قوة العسكر بتجنيد السماء، إلا أن الثابت في تلك الدائرة إنما هو عنصر واحد: السلطة و القوة.

لذا أكرر رفض الشهادة بالمنطق الديني إنما هو رفض لإسباغ الشرعية على السلطة الرفضوية المشرعنة ورفض للاتهامات المبطنة والمعلبة لكل مختلف، مع الاحتفاظ بالحق المعنوي بالشهادة الأدبية لكل من مات دفاعا عن فكره.


الحاكمية و التراتبية السلطوية
Hierarchy:



إن القول بأن "الحاكمية" تحارب (جعل البشر مرجعية الحكم لأن ذلك ينتهي بالوثنية و أنها تعطي ما لله لله ومالغيره فهو لغيره) يؤسس للنظرة السطحية للقول بأن مبدأ الحاكمية لا يختلف عليه مسلمان، بحكم أن الإسلام يقوم على التوحيد وهو الركن الأساسي في الدين الإسلامي، لذا كان الإرتباط بين "الحاكمية" و"الوحدانية" ارتباطا عضويا، وطبعا أيديولوجيا بالدين الإسلامي، وامتدادا لذلك الارتباط –السطحي- وجد القول بأن "الحاكمية" قد قضت على التراتبية السلطوية في بنية المجتمع وجعلت مكانها التراتبية الأفقية كما في نموذجي الصلاة و الطواف.

إن القول السابق يغفل شيئا هاما وهو أن "الحاكمية" إن كانت - أيضا بنفس النظرة السطحية – قد أسست لنموذج تراتبية أفقية بديلا عن تلك هرمية السلطوية كما هو الحال في الصلاة و الطواف مثلا، فيجب علينا الإشارة للتالي:

1.في الصلاة و الطواف إنما العلاقة بين الفرد الإنسان أو الجمع المسلمون إنما هي علاقة عبادة، طرفاها هم البشر وخالقهم، وليس البشر بعضهم بعضا لأن لا عبادة تجمع البشر بعضهم بعضا، لذا كان الاحتكام لما يجد بين البشر و بين خالقهم هو احتكام شرعي لا يجوز لأحد أن يتحدث فيه عن الله، ولا مكان فيه لوكلاء السماء كما كان الحال في أوروبا أبان عصور (صكوك البراءة)، كما أن الحكم في تلك العلاقة يظل حبيس طرفين: إنسان في حاجة دائمة إلى الله، وخالق رحمته واسعة ولو أتاه عبده بزبد البحر خطايا.

2.العلاقة بين الطرفين في الصلاة أو الطواف هي علاقة روحية إيمانية، والعلاقة بين البشر وحكامهم إنما هي علاقة تقوم على إعطاء كل صاحب حق حقه، بداية من حرية الرأي حتى خدماته التي يدفع مقابلها للدولة والتي وجب عليها أن تؤمنها له.

3.في التراتبية الأفقية الدائرية كما في الصلاة و الطواف رأس العلاقة هو الله سبحانه وتعالى، والذي لا يجوز إلزامه بأي قوانين لأنه أسمى وأعلى من ذلك، مهما أدى المواطن / العبد(هاهنا) ما عليه من طاعات، فكما كان رسولنا الكريم و هو خاتم الرسل و الأنبياء وأكرم البشر إلا أن يستغفر ربه في اليوم و الليلة مائة مرة.

4.القول إن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما تجعل من الحكم في طاعة الخالق إنما هي مسألة من فضائل الأخلاق التي وجب على الحاكم إتباعها وتطبيقها، لتصبح طاعته واجبة متى التزم بأوامر الله، وليس للمحكومين حق مراجعته لغياب نص ديني سياسي يوضح الإمكانية لتحقيق ذلك في الفقه السياسي.

5. نتاجا عن النقطة السابقة وجدت الحاجة لوجود ممثل للتشريع السماوي على الأرض وهو بديل –تطبيقي- لرأس العلاقة الأفقية الدائرية، مما ينفي عن "الحاكمية" مقاربتها القائلة بأنها تؤسس للتراتبية الأفقية الدائرية كما في الصلاة و الطواف وتجعلها أقرب للتراتبية السلطوية التي يدعي أصحابها –الحاكمية- انقلابهم عليها.

لذا فإذا كانت الحاكمية تستقي من التراتبية الأفقية الدائرية مثالها ومبتغاها، توجب عليها ألا تقحم نفسها في خصوصية العلاقة في الطواف والصلاة بين العبد وربه وألا تجعل نفسها وسيطا بكل ممثليها وشهدائها بين طرفي العلاقة في الصلاة والطواف.

6.أليست المماهاة بين علاقة الحاكم و المحكوم في التراتبية السلطوية البشرية التي يحكمها القانون والمؤسساتية المدنية والسلطة وتلك للعبد وخالقه في العبادات القائمة على الحاجة البشرية لخالق مسبب للقيمة في التجربة الإنسانية ومجيب على الكثير من لتساؤلات الإنسانية الميتافيزيقية هي تعطيل لحرية المحكوم بالرفض والقبول والمشاركة والنقد و المسائلة ويجعل العلاقة بين الحاكم و المحكوم حينها هي علاقة
تقوم على الوثنية واعتبار الحاكم لا تجوز مراجعته ونقده ومساءلته؟؟

وإذا كان:
(كل ما يحتمه الإسلام هو إزالة القيود التي تجعل الانتخاب غير ممثل لحقيقة الرأي في الأمة، فلا يكون الناخب تحت رحمة صاحب الأرض أو صاحب العمل أو صاحب السلطان كما هو واقع الآن).
ألا تجعل الحاكمية الناخب (لاحظ استخدام لفظ مصدره مرفوض) تحت رحمة المتحدث باسم السماء أو وكيل لله على الأرض؟؟

7.ذلك النوع من التراتبية السلطوية التي أسست لها "الحاكمية" باسم "الحاكمية"، بدعوى نقض التراتبية السلطوية –كمظهر وجودي أجوف من مظاهر الرفض الأيديولوجي الجهوي – لا يلبث أن ينقلب على التراتبية السلطوية ذاتها، إذ يؤسس لتراتبية سلطوية صلبة لا تقبل الخلاف و الرأي الآخر بحكم أن أحزاب الله لا تعدد وأحزاب الشيطان والطاغوت عديدة، كما أنها تجعل من العنف المقدس لتفعيل تلك "الحاكمية" وأساسها "الواحدية" إنما هو لزام كما الجهاد المقدس، ومن يسقط من ذلك ضحية إنما هو شهيد بكل منطق محتمل للكلمة... لتصبح "الحاكمية" هاهنا تأسيسا للوثنية التي تدعي محاربتها.


البيعة والانتخاب في الحاكمية:

أغفل أصحاب " الحاكمية" في قولهم :
(الحاكم في الإسلام يتلقى الحكم من مصدر واحد هو إرادة المحكومين و البيعة الاختيارية هي الطريق الوحيد لتلقي الحكم)*8
أن كلمة محكومين أعلاه هي إشارة لجعل البشر هم مرجع الحكم، ولكن جعل البشر هم مرجع الحكم ألم تعده "الحاكمية" نفسها من "الوثنية"، أي الشرك المفضي للكفر؟ وفي لفظ آخر "جاهلية"، وعلى أساس ذلك قامت حركة التكفير المجتمعي و تكفير السلطة؟؟ كيف يمكن أن يحكم الحاكم من مصدر واحد تمثله/تقدمه البيعة وهو إرادة المحكومين، وتلك الإرادة لا تتعدى على إرادة الله؟
ناهيك عن السؤال: من يمثل إرادة الله وهو الذي احتجب خلف سماء؟؟؟
ألم ير أصحاب فكرة "الحاكمية" أن إشارتهم المائعة للبيعة هي إشارة تغفل السياق التاريخي الإسلامي للبيعة؟
ذلك السياق الذي ينتج لنا تساؤلا واضحا: البيعة هي لشخص ما، ولكن كيف تم اختياره وعلى أي أساس وبأي استحقاق؟
ألم تأت بيعة كل خليفة أو أمير للمؤمنين من قبيل تحصيل الحاصل وبعد تعيين سلطوي يعكس اختيارا محددا معياره السلطة فقط؟؟
ألم يؤد الفراغ الدستوري في حالة سيدنا عثمان والذي سببه غياب الميكانيكا السياسية في الفقه السياسي الإسلامي، ذلك الفراغ الدستوري – الذي كان من عديد مشاهده البيعة – الذي أدى لعمار بن ياسر –للمثال لا للحصر- أن يكون عنصرا من الثائرين على خليفة رسول الله سيدنا عثمان بن عفان، وكلاهما ياسر وعثمان من صحابة رسولنا الكريم؟؟
ألتلك البيعة علاقة بقميص عثمان؟ أوليس ذلك القميص هو من صور الحيل الأيديولوجية على وزن (رفع المصاحف على أسنة الرماح) و(الإسلام هو الحل)؟؟

إن القول بأن الشهيد صاحب "الحاكمية" إنما غلبت عليه لغته الشعرية والأدبية في كتاباته مما يستلزم منهجية معينة للمقاربة والقياس – وذلك صحيح – إلا أن وجودية تلك المنهجية لا تنفي عنه كونه ردا لفعل لا يختلف عن الظروف و العقلية العسكرية التي أنتجته في حينها سوى أنه تتدثر بدثار الإسلام، الذي هو كما أي دين سماوي رسالته قائمة على التوحد لا الفرقة ولكن الحاكمية بذلك تجعله حيزا وصوليا وانتهازيا يقوم على رفض الآخر- المختلف سواء داخل حيز الـ(نحن) أو خارجها في حيز الـ(هم)، كما أن شرعنة العنف بل وتقديسه تحت ستار أيديولوجي لا يخفي من العقلانية إلا بقدر ما نفته الشبقية للسلطة والتجني على فكرة وحدانية الله والتاريخ الإسلامي المليء بالاحتواء للآخر والتفاعل الحضاري القائم على الحوار لا الاستنفار والتكفير المجتمعي.

لذا فإذا كانت الحاكمية تتناول "مشكلة الحكم" وهي لب السياسية وبما أن (جوهر الدين وروحه أنه يوحد لا يفرق، والدين الإسلامي هو دين "التوحيد" بإطلاق: التوحيد على مستوى العقيدة : إله واحد، والتوحيد على مستوى المجتمع: (أمة واحدة)، و التوحيد على مستوى فهم الدين وممارسته: "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء"، أما السياسة فجوهرها وروحها أنها تفرق: السياسة تقوم حيث يوجد الاختلاف أو حيث يمكن أن يقوم اختلاف، و بالتالي فهي إلى أن تكون "فن إدارة الاختلاف" أقرب منها إلى أي شيء آخر. والإدارة أو التسيير تعني هنا إدارة الاختلاف القائم، وإما العمل على خلق اختلاف آخر جديد. ومن هنا كان ربط الدين بالسياسة – أيا كان نوع هذا الربط ودرجته – يؤدي ضرورة إلى إدخال جرثومة الاختلاف إلى الدين. والاختلاف في الدين إذا كان أصله سياسيا يؤدي ضرورة إلى الطائفية ومن ثم إلى الحرب الأهلية... والتاريخ الحاضر منه والماضي شاهد على ذلك: فمنذ زمن عثمان، أي منذ أن بدأ توظيف الدين في المجتمع الإسلامي توظيفا سياسيا والاختلاف فيه قائم والحرب الأهلية لا تبدأ إلا لتقوم من جديد، وبصورة أو بأخرى ولكن دائما بتوظيف الدين في السياسة نوعا من التوظيف)*9.



________________________________________________________________________________


الهوامش:

*1- ستتم خلال المتن في هذا المقال الإشارة للسيولة اللغوية.

*2- من كتاب وجهة نظر للدكتور الجابري – مركز دراسات الوحدة العربية – ص123

*3- راجع مقال سابق للكاتب بعنوان: في الأيديولوجيا والذي ورد في التالي:
لذا كان الخطاب الأيديولوجي، يتمحور حول هدفين إثنين:
1. المنع من التذرر : (ATOMIZATION)
التذرر هو لفظ مشتق من الذرة وهي أصغر الوحدات المكونة للمادة أو المركب والتي تحمل الخواص المميزة له، أي أن الخطاب يعمل على منع تفكك عرى الجماعة (كمادة :المادية / كمركب: العضوية)، التي تشترك في مفهوم واحد نسبي التطبيق متماه مع صورة الحق الجمعية و الاستحواذ المعرفي للقيمة المطلقة لديهم، ويستمد شرعيته بحسب المصلحة و الفائدة العامة للجماعة، و المتمثلة في أبسط صور الحضور و إثبات الذات.

2. المنع من الفردانية : (INDIVIDUALISM)
الأصل في الإنسانية: (الإنسان) قبل أن يصبح تمثيلا أيديولوجيا: إثنيا، طائفيا، قبليا، عرقيا، ميثولوجيا أو أي نوع من الأيديولوجيات كان. وذلك لأن الأيديولوجيا هي نتاج مجتمع أو هي نشاط اجتماعي نسبي وليست نشاطا فرديا في البداية، في حين أن المجتمع نتاج إنساني. الفردانية هي عودة الفرد لحالة الإنسانية المستقلة وليست المتفردة، أي أنها إتحاد الفرد بذاته الممكنة وليس ذاته المثبته، لذا كانت الأيديولوجيا تصوير لحالة من البقاء الهوياتي للمجتمع وما ينسحب – قسرا – على البقاء الفردي، لتصبح حينها أي مقاربة لعلم الأفكار المطلق ما هي إلا خروج عن النسبية النسبية للأيديولوجيا، تنتهي بتصويرها مأسسة لحالة من الفوضى والعبثية وانعدام القيمة في إحدى صور السيطرة بالخوف، في حين أنها مسألة لا تنفصل عن المخزون المعرفي الإنساني: الفردي والجمعي، إلا أنها ترفضه سقفا محتوما بالثبات والحق المطلق.

*4- سيد قطب: معالم في الطريق، ص 136

*5- ومنه القول بمنتهى المزايدة و التفتيش في القلوب ووكالة السماء: الإسلامي أفضل عند الله من المسلم.

*6- اقتباسا وشكرا للدكتور الجابري وليرحمه الله، وليرحمنا بعده.

*7- من كتاب وجهة نظر للجابري – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – 124

*8- سيد قطب: الإسلام والرأسمالية ص 73

*9- من كتاب وجهة نظر للدكتور الجابري – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – ص106

رابط المقال على صفحات مجلة عرب ال48:

Thursday, 24 June 2010

في نقد النوسطالجيا : في الفكر (1) : الثابت و المتحول


" إذا كان الاتفاق حاصلا على أن الديموقراطية أخص خصائص الليبرالية الغربية (المظفرة) بعد إنهيار المعسكر الإشتراكي ، ووقع الاختلاف حول امكانية تعميمها كونيا. فقد قال هنتنغتون بأنها ستكون ضمن القيم الحضارية التي ستشكل مدارا لصدام الحضارات بين الغرب و الحضارات الأخرى ، في حين قال فوكوياما بأنها ستغزو العالم في سياق سيادة النموذج الليبرالي ككل".*1

لطالما رفض كلا التنظيرين لفوكوياما وهنتنغتون ، ضمن ما رفض من مظاهر الهيمنة الغربية ، إلا أن حالة الرفض الجهوي – المطلق غالبا – للديموقراطية و المدنية كحق انساني وقيمة كونية كنتاج ليبرالي جهوي يؤسس ل:

1.الموافقة الضمنية على ادعاء هنتنغتون بالاستحواذ الجهوي - الغربي لمنتج كالديموقراطية، وتصويره على أنه كتلة صلبة لاتفكك ، إنما تؤخذ كلها أو ترفض جلها ،ناهيك طبعا عما يؤسس له ذلك من غياب للعقلية النقدية التفكيكية التركيبية و التي تنتهي باعادة البناء مما يفسر غياب البديل ، وتباعا عملية الرفض المطلق و الغير منتج كنوع من إثبات الحضور.

2.القبول بأن المجتمع المدني و الحقوق المدنية ومنها الديموقراطية ، و الإستسلام للمناداة بها ماهو إلا إستسلام لسطوة النموذج الليبرالي الغربي، الذي هو بحسب فوكوياما سيغزو العالم لضمان نهاية سعيدة للتاريخ الإنساني – في صورة لقيمية مطلقة يفرضها حضور ازدواجية : سعادة وبؤس- ، وما في ذلك القبول من تجاهل للتراكم المعرفي السياسي الإنساني والدور العربي في ذلك التراكم و الذي لم يكن تيار : الرشدية اللاتينية*2 مثاله الوحيد.

في حين أنه من غير الخافي على أي باحث او مراقب للساحة السياسية أن كلتا الأطروحتين السابقتين – لهنتنغتون وفوكوياما – هما نتاج الرغبة في تلميع الوجه الإمبريالي الأمريكي عالميا و إعادة تقديمه في منطقة الشرق الأوسط و الأدنى و آسيا. وهنا اشير لما قاله المفكر العربي د.عزمي بشارة في كتابه : (في المسألة العربية : مقدمة لبيان ديموقراطي عربي ) حيث قال : "لم يكن مذهب المحافظين ]الجدد[ أساسا وإنما لاءم هذا المذهب سياسة الولايات المتحدة ومصلحة تطبيقها في مرحلة التعبئة وضرورة استغلال أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 ، ولكن الثابت هو مصلحة الإمبراطورية" *3.

وهي نفس الحقبة التي طغت فيها موجه (النيوليبراليين) خطابيا ومنه فكريا في صورة هزات إرتداداية ، تنبع من نفس المركز. وتبعا للفعل ورد الفعل أنتج ذلك ايضا زيادة مضطردة في عدد أنصارشيطنة الدولة الحديثة و القيم الحضارية والرفض الجهوي كنوع من إثبات الوجود ، و الجدب المعرفي بتوظيف أحد أهم الأدوات الأيديولوجية – كما هي أي أيديولوجيا – وهو الخطاب الذي غرق في القراءة المكانية لا الزمانية للتاريخ و المعرفة الإنسانية .

" إن أي محاولة لعزل فكرة الديموقراطية عن المهام الوطنية و القومية ، وعن الاستقلال عن الحكم الأجنبي ، يحرفها عن مسار تطورها التاريخي الخاص"*4.

فكذلك هو الحال ايضا إن تم رفضها جهويا بالاطلاق أو احتكارها (بالمغالبة لا المشاركة) ، بما يمنع استنباتها بأي شكل من الأشكال ضمن الأنشاق التي تراعي الخصوصيات الحضارية للشعوب ، فاتحا الباب لطرح بدائل ايديولوجية ، يقدمها الخطاب الأيديولوجي الغير أمين و المتلاعب بالعواطف مغازلا العصبيات و الإنتماءات ، ومختصرا الوطن في أيديولوجيا الإستقطاب الأغلبوي (من الأغلبية) ، شاحذا عقليات الإستنفار لا الإحتواء كرد فعل من نفس جنس الفعل طارحا من البدائل صورا قديمة ومشوهة (التشوه هاهنا ليس بالإطلاق إنما بالمقارنة و القياس مع التراكم المعرفي الحضاري الإنساني الآني) لاتكفي لمواكبة ميكانيكيات العمل السياسي الحالية.

إن مشاهد نوسطالجيا كالإنعزال و التقوقع و أنماط الرفض الوجودي المطلق جهويا /خارجيا ، أو حتى أيديولوجيا/داخليا ، غنما تعمل (باسم الحق المطلق) على شرعنة تحويل – أو بالأصح قصر- معيقات الدمقرطة العربية ، إلى معيقات تآمرية غربية ، وذلك الإقتصار أو التحويل ، إنما يعمل على تجاهل ما أسماها بشار "المسألة العربية" كأحد أهم معيقات الديموقراطية في المنطقة ومن اهمها : "انقسام المعارضات بين اصوليات وسياسات الهوية ، وتأثير الإقتصاد الريعي*5 ، وحالات تريف المدن وتطور قوى تقليدية مدنية في مواجهة الدولة ، مع تهميش حقيقي للأحزاب ودورها أو تحييد للقوى الليبرالية ، أو الحداثوين مابين الدولة و القوى التقليدية"*6.

إن حالة الجدب الفكري التي اسست لها النوسطالجيا ، بشرعنة الرفض الجهوي كشرط ايديولوجي وجودي في ظل انعدام النقد الذاتي ، وما نتج عن ذلك من الإلتصاق الماضوي وعدم طرح بدائل تتناسب مع الزمان و المكان الآنيين ، أسست تنظيريا لإعتبار الديموقراطية شأنها شأن الأنظمة السياسية "الجاهلية" : إنتهت "إلى مايشبه الإفلاس" *7 ، متجاهلة حقيقة أن السياق التأسيسي للديموقراطية عربيا هو سياق يجب أن يقوم على الخصوصيات الحضارية و التي يعتبر الإنسان – أي إنسان - بعيدا عن أيديولوجيته أو جهته هو اللبنة الأولى لها ، و ان يتماهى ذلك السياق مع عناصر الزمان و المكان ، فمشروعية البحث عن ديموقراطية عربية يكمن في الشروط المعرفية و النظريات السائدة غنسانيا و التي غدت تشرع لإمكانية تجريد الديموقراطية من منبعها الجهوي ، بالتفكيك و التأسيس ومن ثم إعادة التركيب ضمن سياقها و إطارها الإنساني ، بما لايفقدها نسبيتها المطلقة كمعرفة فتتحول لأداة ايديولوجية ، وفي نفس الوقت تصبح صنما معرفيا يتعبد الناس في محرابه ولا يعلمون عن نعمه شيئا.

على الساحة العربية تطفو الضرورة لملافحة بين الثقافة العربية و الديموقراطية ، ملافحة وجب عليها السير في اتجاهين بنفس الأداء :

الماضي : بمسائلة مايعد من الثوابت أو المرجعيات أو النظام المعرفي و أدواته اللغوية بما يضمن ديناميكية الإنطلاق للغد.

المستقبل : بالتعاطي مع الآخر على أرضية أفقية واحدة من دون استحواذات أو استقطابات للحقوق المطلقة – إن كان هناك حقوق مطلقة – تاركة الآخر مذنبا أو جانيا متآمرا بالحتمية ، لايجازى على براغماتيته بقدر ما يعاقب على تقاعسنا.

ومن هنا ننطلق للنقطة التالية و التي تعد الثقافة بثابتها ومتحولها من أهم تجلياتها ، وتلك النقطة هي الفكر.

*******************************************

الفكر

يمكن تقديم الفكر ضمن محورين إثنين *8 : الفكر كمحتوى و الفكر كأداة:

- الفكر كمحتوى : هو بنية (جملة) الأفكار و الآراء التي يعبر بواسطاتها (جمع/مجموعة) من الناس عن علاقاتهم ، وآرائهم ، ومشاكلهم و إهتماماتهم ، ويتم بها –البنية- تصوير العلاقة التي تربط ذلك الجمع / المجموعة بالله (الكينونة الأرقى) و الإنسان (الأنا و الآخر كأساس لفكرة المجتمع) ، و الطبيعة (المحيط) : معتقدات / طموحات / رؤية / علاقة.

وهو ماتوحي به عبارة مثل : الفكر اليوناني / الإغريقي / الغربي / العربي ، وغيرها.

- أما الفكر كأداة : فهو مجموع المباديء و الآليات و المفاهيم التحليلية و الإستنتاجية و النقدية المسهمة في البناء الفكري (معرفيا أو/و أيديولوجيا) ، و الفكر كأداة هو اكتساب من خلال العلاقة مع الأنا المحيط (احتكاكا و/أو تراكما) ، لذا تظهر أهمية وقيمة الآخر في الاحتكاك و التراكم .

ينتج لنا الفكر/المحتوى ضمن عديد ماينتج الكثير من العقول ، فهناك العقل الاجتماعي و الأخلاقي و السياسي ، وذلك الأخير – وهو موضوع حديثنا – يمكن تقديمه على إنه كممارسة /فعل و أيديولوجيا ، هو فعل جمعي لأنه ظاهرة جماعية تستقي مرجعيتها أو حيزها الوجودي من الأيديولوجيا وليس المعرفة ، ونلك الأيديولوجيا المؤسسة للخيال الإجتماعي الجمعي وهو :

جملة التصورات و القيم و الرموز و الدلالات و المعايير التي تصور الأيديولوجيا السياسية في فترة تاريخية أو حاضرة كنظام معرفي مطلق مما يعطيها بنيتها اللاشعورية ومبرراتها الوجودية وشرعيتها كمعبر وحيد عن ذلك الجمع .

ونظرا لأن الخيال الإجتماعي/ الجمعي ، هو منتج أيديولوجي وليس نظاما معرفيا ، فذلك الأخير : هو جملة المفاهيم و الإجراءات و المباديء الديناميكية التي تعطي للمعرفة التاريخية في فترة ما في ظل تفاصيل الزمان و المكان بنيتها المعرفية النسبية المادية.

لذا كان دخول النظام المعرفي في نطاق الخيال الإجتماعي / الجمعي هو عبارة عن سلسلة من عمليات التجميل و الإضافة و الحذف و التعديل و التنقية الإختيارية ، التي تقدم في النهاية منتجا أو بالأصح استنتاجا أيديولوجيا/معرفيا انتقائيا ، يعمل على كسب البراءات أو القناعات ، ويمكن رؤية ذلك جليا بملاحظة درجة (التباين المعرفي) بين البنية المعرفية المعاد انتاجها وتعليبها ايديولوجيا النظام المعرفي ، وماينتج عن ذلك من (التخصيص الجمعي) لذلك المنتج ليصبح (خاصا) بجماعة معينة ، كما هو ظلها ، متى إشتد عليها قيظ الشمس وأصبحت عامودية إحتواهم الظل ولكن دون أي وجود طولي خارج موطيء قدم تلك الجماعة على الأرض . ذلك الإحتواء الإنتقائي يوظف جميع ميكانيكيات الفكر الأداتية من :

البيان : التشبيه والإستعارة و التمثيل و التورية و القياس .

العرفان : المماثلة و المماهاة.

الإستقراء و الإستنتاج.

توظيفا يخل بموضوعية تلك الأدوات ، بتفعيل نسبية النسبية (كمظهر ايديولوجي) وليس نسبية الإطلاق – زمانيا ومكانيا- (كمظهر معرفي). وهنا يتبدى لنا مايصفه المفكر الفرنسي ريجييه دوبري باللاشعور السياسي حيث يقول :

"فكما أن الشعور لا يشكل جوهر الحياة النفسية للفرد فإن المؤسسات و التصورات السياسية لا تؤسس جوهر الحياة السياسية للمجموعات البشرية . ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم السياسي ، بل وجودهم الإجتماعي الذي يحدد ذلك الوعي ، وهو خاضع لمنظومة منطقية من العلاقات المادية القاهرة ، وتلك المنظومة حاضرة وثابتة عبر مختلف أشكال المؤسسات القانونية و الفلسفية".*9

وهنا وجبت الإشارة إلى أن الديناميكية الموجودة في تلك المؤسساتية الفلسفية و المعرفية هي ديناميكية موتورة ، تعمل وتتفق وتختلف تحت سقف الاتفاق الأيديولوجي الأوسع و الأكبر ، مما يعطي الإدعاء بالديناميكية رونقا ولمعانا خداعا ، يضفي على تلك الأيديولوجيا قدرة أكبر على منع التذرر و الفردانية بادعاء التعددية انتقائيا ، ووجود مخالب وقت الحاجة.

ويكمل دوبري قائلا :

"الناس لا ينتجون هذه العلاقات من خلال الروابط التي يقيمونها بينهم (بحرية) (؟؟؟) بل انهم هم أنفسهم نتاج تلك العلاقات التي تخلق لهم ترابطاتهم تلك".*9

ويلزمنا غيراد جزء من فكر ايرنست رينان الذي ناقش فيه العقيدة – أي عقيدة وليس بالمنطق الديني فقط – وحالة التمذهب الاعتقادي التي أسست للعقل السياسي باعتباره عقلا جمعيا وليس عقلا فرديا ، ومقدار البذل لتلك الذات الجمعية حينئذ :

"نحن لانضحي إلا من أجل الأشياء التي ليس لنا بها معرفة يقينية ، فالناس غالبا يموتون ويضحون من أجل آرائهم وهي ظنون وليس من أجل حقائق معينة ، أي من أجل مايعتقدون به ، وليس من أجل مايعرفونه"....فما الحال إذا كان ذلك الإعتقاد حقا مطلقا بإسم السماء ، سماء تجمع الجميع تحتها.

لذا كان الإعتماد اعتقاديا على الرمز / التشبيه/المماثلة / النص الأوحد ، وليس على الإستدلال و المحاكمة العقلية ، فالأيديولوجيات كالعقائد تعتمد البيان وقلما تستند للبرهان.

يمكننا ان نتساءل :

بما أن السياسة فعل كأي فعل له محدداته وتجلياته بوصف السياسة سلطة تمارس في مجتمع إنساني (أنا /آخر) لها محدداتها و أطرها ودوافعها ، وتجلياتها النظرية و التطبيقية و الإجتماعية ، وكل ذلك قوامه : العقل السياسي .

و السياسة كعلم أداتي وبراغماتي (قائم على المصلحة) للعلاقة بين الأنا و الآخر في المحيط الواحد ، يمكننا تبين مدى تأثر الاشعور السياسي على الأداء السياسي كفعل ، ويمكننا رصد محورين لعلم السياسة :

المصلحة : وليس مرادفها القيمة ، فالمصلحة هي الفائدة الأكثر نفعا ، وليست الإنعكاس التطبيقي للثنائية المعروفة : المادية/ المثالية.

الآخر: وهو ليس مرادفا للآخر الديني الذي يصوره استحواذ الحق المطلق.

لذا لطالما كانت الدعوة للديموقراطية عربيا لدى تيارات النوسطالجيا هي حالة من التماهي مع (المقاومة و الجهاد) للطاغوت الأكبر : الغرب .

لذا كان الموقف من الديموقراطية باعتبارها نظام حكم ايجابي لدى شق من الحركات الإسلامية الراهنة في الوطن العربي صادر عن مراجعة نقدية ذاتية أنتجتها مصارعة طواحين الهواء في تجربة تلك التيارات في الثلث الأخير من القرن العشرين، وهو موقف قلما حدث وقلما مر مرور الكرام ، موقف كاشف عن عقم المسالك العنفية الرفضوية التي لم تجد فارقا بين المستعمر –كبداية التوظيف السياسي للدين – والفريق السياسي في الوطن الواحد*10 ، طمعا في بلوغ دفة العمل السياسي و السلطة . وهو موقف يعترف بنجاعة العملية الديموقراطية فقط كوسيلة للتعبير عن الأغلبية وليس لتمثيل الكل ، والتأسيس المعرفي الموتور للعملية الديموقراطية على أنها فقط عملية تصويت . وهنا وجب بالطبع الإشارة للمظاهر عقلية التفتيش و الرفض الجهويين التي قوبل بها – للمثال لا للحصر- تيار اسلاميون ليبراليون في السعودية و الذي يعتمد من منهج مالك بن نبي.

لذا كان الإعتقاد هو المهم وليس مضمونه ، أو كما يقول كانط بالنسبة لمقولات الفهم بوصفها مفاهيم وقوالب :

هي سابقة للفعل السياسي ، تؤسسه وتمده بالطاقة الضرورية له كفعل تضحية وكفعل تحريض"*11

وبعبارة أخرى للدكتور الجابري :

"....هي أشبه بالدوافع الاشعورية المؤسسة للسلوك مع الفارق أن الأمر لا يتعلق بمعطيات سيكلوجية بل ببنية رمزية مكانها ليس العقل ولا الفهم بل الخيال الإجتماعي :إنها عبارة اللاشعور السياسي المحركة للخيال الإجتماعي و الذي بدوره يحرك الفعل السياسي"*12

الهوامش :

1.من مقال للباحث سهيل الحبيب ، من مركز الدراسات الإسلامية – القيروان - تونس

2. الرشدية الاتينية هي مذهب فكري اصلاحي ينسب لابن رشد يعتبره البعض امتدادا للفكر الإنساني وهو –الرشدية اللاتينية – أحد أهم مصادر الإصلاح الديني في أوروبا التي أسس لها مارتن لوثر.

3. (المسألة العربية : مقدمة لبيان ديموقراطي عربي ): د.عزمي بشارة ص 32 :مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت .

وجبت هنا الإشارة لملاحظة بسيطة : نظرا للتبعية الحكومية للإعلام العربي و الرقابة الإعلامية يخفى على الكثيرين من غير اهل التخصص ان العديد من الأطروحات بخلاف تلك لفوكوياما وهنتنغتون قد تناولت ذات الموضوع منها مثلا تقارير شيريل بينارد الصادرة عن مؤسسة راند و التي كان منها مثلا : أسلام مدني ديموقراطي : الشركاء و الموارد و الإستراتيجيات . و الذي صنفت فيه الكاتبة تيارات الإسلام السياسي لفرق ، لتستنبط الجاحة لإستيلاد إسلام جديد أميركي المولد، وجدير بالذكر أيضا أن تلك التقارير لشيريل راند كانت أحد أهم بواعث رد المبدع د.إدوارد سعيد أكاديميا وتاريخيا وعلميا على أطروحات الصراع الحضاري وحتميته ، في كتابه : في تغطية الإسلام ، والقضية الفلسطينية.

4. (المسألة العربية : مقدمة لبيان ديموقراطي عربي ): د.عزمي بشارة ص 43 :مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت .

5.الإقتصاد الريعي : هو مصطلح لابن خلدون ورد في اشارته للعامل الإقتصادي في علم العمران حيث قال :

"الدولة الريعية هي التي تجمع أموال الرعية وتنفقها في بطانتها ورجالها ، يكون دخل تلك الأموال من الرعايا وخارجها في أهل الدولة ثم فيمن تعلق بهم من أهل المصر و هم الأكثر فتعظم بذلك ثرواتهم ويكثر غناهم وتتزايد عوائد الترف ومذاهبه لديهم".

6. (المسألة العربية : مقدمة لبيان ديموقراطي عربي ): د.عزمي بشارة ص 263 :مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت .

7. سيد قطب : معالم في الطريق : دار الشروق ص5.

8.إشارة واجبة لفكر الدكتور الجابري.

9.Regis Debray : Critique de la Raison Politique: Paris, Gallimard 1981 , p.179

10.Albert Hourani : AHistory Of The Arab People : London, Faber & Faber ,1991

11.Michel Curtis: The Great Political Theories From The French Revolution To Modern Times : London, Harper Perennial Modern Classics 2008.

12.نقد العقل العربي : العقل السياسي العربي : مركز دراسات الوحدة العربية , بيروت 2007

Tuesday, 18 May 2010

في الأيديولوجيا


ظهر مصطلح "أيديولوجيا" إبان الثورة الفرنسية كمرادف لعلم الأفكار ، إلا أنه سرعان ما تطور لينفصل و يتفسخ عن قيود ذلك التعريف المطلقة ،لتظهر فيما بعد المناهج الشارحة و المحللة للأيديولوجيا والمترصدة على إمتداد علوم إجتماعيات الثقافة لمظاهر الفصل و الوصل بين علم الأفكار – المطلق و الأيديولوجيا – النسبية . وإن كانت الأيديولوجيا لا تقوم لها قائمة بمعزل عن علم الأفكار الإنسانية بقيمه المطلقة من حرية وعقلانية ومساواة وعدل وما إلى ذلك ، إلا أن الأيديولوجيا هي المنهج التطبيقي الذي يضع الأفكار ضمن قالب معين يفقدها الكثير من فضاءها الحر ، لتصبح في النهاية أداة طيعة لايمكن إستقراؤها لذاتها بعيدا عن كونها وسيلة تطبيقية وليست غاية ذات قيمة .

وإلا فما هي الأسباب التي جعلت الفكر الإنساني في كل أدواره يرى الأمور / الأشياء طبقا لدعواه هو وليس طبقا لذواتها ، مع ثبات الفكرة وتطور مناهج الإحتواء وتباينها.

نقول أن فلانا ينظر للأشياء نظرة أيديولوجية ، نعني أنه يؤول الأشياء و الوقائع بالكيفية التي تظهرها دائما متماهية مع مايظن أنه (الحق) . إن الفكر الأيديولوجي- الموجه يتعارض مع الفكر الموضوعي- الحر ، وهو مادأب على الإشارة إليه المفكر و الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في تحليله للخطاب كأداة من أدوات التمثيل أو الإنعكاس المعرفي الرابط في نظرنا بين علم الأفكار و الأيديولوجيا ، لذا كان الإختراع الإنضباطي المعرفي لدى فوكو في شبكة العلوم الإنسانية – خطابيا لا تشكل تحريرا بل هو أحد وسائل ميكروفيزياء السلطة ، لذا كان ما أسماه البعض (الذاتية العقلانية) تشكل لديه مشكلة لا عقلانية.

ولأن الأيديولوجيا هو مصطلح يكثر إستخدامه في علوم السياسة مما يثبت أن تفسخه عن علم الأفكار ، إنما هو انعكاس لدى براغماتية النهج التطبيقي لعلم الأفكار المطلق ، بلفظ آخر الأيديولوجيا هي نسبية النسبية وليس نسبية الإطلاق ، لذا كان إستعمال (الأيديولوجيا) مثلا في مجالات السياسة كالمناظرات السياسية ، حيث أن الدارس لأيديولوجيات الحق السياسي لا يحكم عليها من زاوية الحق و الباطل أو الصواب و الخطأ ، إنما بوصف فاعليتها البراغماتية في استمالة الناس و الاقتراب من أهدافها ضمن حيثيات زمانها ومكانها.

إذا أسقطنا التجربة الإنسانية بين محوريها : النسبي و المطلق ، يتبدى لنا أن اختلاف التطبيق للفكرة هو النسبي وهو من خلق الأيديولوجيا لتصبح حينها سقفا لنسبية ذلك النسبي ، بمعنى أنه لم يعد هناك أصل ثابت يضمن الحقيقة المطلقة ، لا يوجد علم مطلق ، فالمجتمع الإنساني مجزأ لطبقات و فئات ومجموعات ، ولا سبيل لإرجاع معتقدات الطبقات و الفئات لأصل واحد ، فكل طبقة وفئة ومجموعة تبدع منظومة أيديولوجية خاصة بها ، متماهية مع الحق المطلق لديهم. ومجندة القيمة المطلقة في صورة الحق – حقهم – وسيلة للوصول للمصلحة الظرفية الجمعية الآنية ، وغالبا مايتم ذلك عن طريق خطاب أيديولوجي ، يعمل على تصوير الفصل بين الأيديولوجيا و علم الأفكار على أنه تأسيس لحالة من الفوضى و العبثية ، وإضفاء مبررا وجوديا على ذلك الربط بينهما، وذلك على حساب حرية العقل البشري المطلقة وديناميكيته التي سرعان ماتصبح موتورة ومسقوفة لحساب إثبات الذات الأيديولوجية وليست الذات الحرة ككينونة مستقلة متجددة ومتطورة.

لذا كان الخطاب الأيديولوجي ، وسيلة لبسط السلطة عن طريق نسبية المعرفة وتوجيهها بدلا من الإطلاق كطبع معرفي ملزم لعلم الأفكار لايستوي بدونه ، لذا كان الخطاب الأيديولوجي ، يتمحور حول هدفين إثنين :

1. المنع من التذرر : (ATOMIZATION)

التذرر هو لفظ مشتق من الذرة و هي أصغر الوحدات المكونة للمادة أو المركب و التي تحمل الخواص المميزة له ، أي أن الخطاب يعمل على منع تفكك عرى الجماعة (كمادة :المادية / كمركب: العضوية) ، التي تشترك في مفهوم واحد نسبي التطبيق متماهي مع صورة الحق الجمعية و الاستحواذ المعرفي للقيمة المطلقة لديهم، ويستمد شرعيته بحسب المصلحة و الفائدة العامة للجماعة ، و المتملثة في أبسط صور الحضور و إثبات الذات.

2. المنع من الفردانية : (INDIVIDUALISM)

الأصل في الإنسانية : (الإنسان) قبل أن يصبح تمثيلا أيديولوجيا : إثنيا ، طائفيا ، قبليا ، عرقيا ، ميثولوجيا أو أي نوع من الأيديولوجيات كان . وذلك لأن الأيديولوجيا هي نتاج مجتمع أو هي نشاط اجتماعي نسبي وليست نشاطا فرديا في البداية، في حين أن المجتمع نتاج إنساني . الفردانية هي عودة الفرد لحالة الإنسانية المستقلة و ليست المتفردة ، أي أنها إتحاد الفرد بذاته الممكنة وليس ذاته المثبته ، لذا كانت الأيديولوجيا تصوير لحالة من البقاء الهوياتي للمجتمع وما ينسحب – قسرا – على البقاء الفردي ، لتصبح حينها أي مقاربة لعلم الأفكار المطلق ماهي إلا خروج عن النسبية النسبية للأيديولوجيا ، تنتهي بتصويرها مأسسة لحالة من الفوض و العبثية وانعدام القيمة في إحدى صور السيطرة بالخوف ، في حين أنها مسائلة لاتنفصل عن المخزون المعرفي الإنساني : الفردي و الجمعي ، إلا أنها ترفضه سقفا محتوما بالثبات و الحق المطلق .

ومن هنا يتضح لنا أن للأيديولوجيا كيان زئبقي خداع ، يجعل من أي قراءة داخلية ، حرفية ، تجزيئية ، تفكيكية تعتمد كأي قراءة أخرى على العقل الفردي الحر لذلك الفكر / المعرفة/ السلطة الجمعية ، لن تقود لحلها وفهمها بقدر ما ستؤدي للغرق في أحابيلها ومشاطرتها أوهامها ، وحقوقها المطلقة ، لذا كان لزاما على أي قراءة بنيوية لأي أيديولوجيا أن تتم في سياق حدثي اجتماعي تاريخي حضاري ، لأن الأيديولوجيا هي نتاج مجتمعي وليس فردي .

ويحضرني هاهنا فرويد حيث يقول متناولا النفسية الفردية وتلك الجمعية في الخطاب الأيديولوجي :

(إننا نستطيع أن نحدد متى إنفصلت النفسية الفردية عن النفسية الجمعية / متى استقل الفرد نسبيا عن الجمع – الحشد) .

كما يقول أيضا :

( يشارك كل فرد الآخرين في جمعيات محددة : الجنس ، الطبقة ، المعرفة ، الدين ، العمل وبعد هذا فقط يكتسب – هذا إن اكتسب – ميزة يستقل بها ).

لذا كان التذرر و الفردانية هما أعداء الأيديولوجيا الأوائل ، ويظر ذلك جليا لدى أصحاب التوجهات الأيديولوجية حين التعاطي مع علم الأفكار المطلق لتصبح الحرية و المساواة و العدل في منظروهم منتجات أيديولوجية وليست فكرية لإفتقادهم للقيمة المطلقة تحت الفكر الأيديولوجي النسبي النسبية ، وهنا نجد الكثير من جهوية التفكير – إن صحت التسمية – لتصبح الحرية غربية و الديموقراطية و المساواة و غيرها من الأفكار، إما تقبل بالكل أو ترفض بالكل ، وذلك ساهم كثيرا في تعطيل العقول النقدية المفكرة وتغلغل عديد مشاهد الخدر ليست النوسطالجيا إلا أحدها . وذلك لأن الأيديولوجيا لاتحمل من الضمائر و أسماء الإشارة إلا الجمع وليس ضمير الإشارة المفرد ، كشرط وجودي لها .

إن مراقبة دورة الحياة لأي أيديولوجيا لا يمكننا ألا نلاحظ الإرتباط العضوي لها – الأيديولوجيا – بفكرة الجماعة ، ومن خلال المقاربة بين الأيديولوجيا الخاصة بتلك الجماعة على إمتداد تاريخها وعلم الأفكار المطلق، يمكننا رصد الكثير من حالات التضارب والازدواجية بينهم وبغض النظر عن القيم المطلقة التي يحاول الخطاب الأيديولوجي الغير أمين الإدعاء بالتأسيس لها ، و التاريخ الإنساني مليء بهكذا مشاهد بما لا يكفي متن هذا المقال بتسجيله بالشكل الوافي له .

كان ماركس و نقده لليبرالية و دراسات الإجتماعيات الألمانية مليء بالكثير من حالات الرصد للتوازي لا التطابق بين نسبية النسبية و النسبية التطبيقية لعلم الأفكار و الأيديولوجيا ‘ وذلك لدى مراقبة الأيديولوجيا و استقراؤها ضمن سياقها الإجتماعي و السياسي و الحضاري.

قد يذهب البعض إلى أن الأيديولوجيا هي التطبيق و الفهم العملي النسبي للأفكار المطلقة ، و إن كانت هذه العبارة تحمل جزءا لابأس به من الصحة براغماتيا ، إلا أننا لا نستطيع بذلك جعل الأيديولوجيا بنسبيتها مرادفا لعلم الأفكار بإطلاقه ، إنما يمكننا القول بأن الأيديولوجيا هي المقياس الاجتماعي و التاريخي و السياسي و الحضاري المعبر عن الجماعة أو الفئة ، و تقع غالبا بين إزدواجية (مطلوب وغير مطلوب) وليس (خيرا وشرا) وهنا أستعيد ماقاله كارل مانهيام :

(الأفكار تخدم المصالح وأن إنتصارها لايتوقف على صحتها ، بل على إمتلاكها للسلطة).

وهنا أنطلق للنقطة التالية :

الأيديولوجيا و الوعي :

لاشك أن الخطاب المعرفي / السلطوي ، المؤسس للأيديولوجيا على أنها علم مطلق للأفكار ورديفا للحق ، هو أحد أنواع القوى الغير ظاهرة ، بحسب علوم السياسة والتي تنقسم بدورها إلى درجات لا يسعنا متن هذا المقال للخوض فيها بإسهاب ، فالقانون مثلا قوة غير ظاهرة تؤدي لأحد أنواع السلطة ، إلا أن القانون يحتاج للقوة التنفيذية التي تضمن التنفيذ و الردع و المراقبة و الجزاء ، أما بالنسبة للأيديولوجيا فالأمر مختلف ، فهي قوة غير ظاهرة تماما ، ولا حاجة لها إلى أجهزة تنفيذية لأنها تعمل على التحكم في السلوك و المعارف الفردية ومنها للجمعية بجعل سقف الأيديولوجيا النسبي رديفا لسقف على الأفكار المطلق ، وما ينتج عن ذلك من مظاهر السلطة و التي اسماها فوكو : ميكروفيزياء السلطة ، وتلك أكثر مؤسساتية ومنهجية و تأثيرا يصل لحد الوعي البشري بكل خرائطه الإدراكية ،وتجنيدها لإثبات الذات الأيديولوجية - الجمعية وليست الذات ككينونة حرة فردية هي امكان لا يعرف المستحيل أو الثبات ، وذلك كما ذكرت سابقا بإعطاء مبرر وجودي للأيديولوجيا ، وجعل نقدها خروج عن الذات ونفيا لها ، مما يجعل الوعي ككينونة ومقدرة وخاصية فردية محكوما بالأفق المعرفي للجماعة في حدود مصالح السياق التاريخي و الحضاري و الإجتماعي لها، مما يجعل الخروج عن الحدود المعرفية للأيديولوجيا إنما هو إنقلاب عليها ، يهدد بقائها ، ولو كان بإسم نفس القيم المعرفية المطلقة التي يأسس لها ويوظفها الخطاب الأيديولوجي ، ومن هنا كانت الإزدواجيات السياسية لمختلف الأيديولوجيات لدى التعامل مع الكثير من الحقوق المدنية المطلقة من حرية وعدل ومساواة ومواطنة ، شاهدا على الإنتهازية السياسية لا القيمية المطلقة و الحق .

في النهاية لايمكن لأي قاريء للتاريخ أو مسجل له ، تجاهل أن الإستقراء الفكري للتاريخ الحضاري الإنساني ، يقع بين مطرقة الموضوعية الصلبة وسندان الخصوصية الحضارية المغلقة .

بلفظ آخر إنفصال الأيديولوجيا وتفسخها عن علم الأفكار ، لا يجب أن يدفعنا لإستقراء التاريخ بالمنطق الفكري المطلق بعيدا عن أيديولوجياته المتصارعة ، لما في ذلك من إجحاف في حق العقلية الإنسانية النسبية المنتجة لتلك الحضارة أو غيرها ، وإختصار منتجاتها في ماهيتها المادية الحاضرة فقط وليس في أبعادها المعرفية والإجتماعية و الحضارية ، وهنا تحضرني مقولة لكارل ماركس :

إن المؤرخين الذين يسجلون الوقائع الكبرى من أحداث سياسية وحروب دينية ونزاعات يشاطرون رغما عنهم أوهام الحقية التي يؤرخون لها .

ومن ناحية أخرى ، ليس من الموضوعية النقدية استقراء التاريخ لجماعة من البشر باقتصار القيم الفكرية و المعرفية المطلقة مرادفا لأيديولوجيتها حقا ،لما في ذلك من اسقاط القيمة المطلقة في إطار النسبية ، لذا كانت أدلجة المعرفة إغتيالا واختزالا لأي مجهود فكري إنساني فردي ينتج عن الفعل الإنساني الأكثر بدائية و تأصلا وإنسانية وبساطة ، وهو الشك والمسائلة و النقد وفي النهاية الإختلاف كفعل وطبع إنساني أصيل ونبيل ، لأن الإنسان إمكان لا يعرف المستحيل أو الثبات .

إذا كانت الأيديولوجيا فعلا مرادفا لعلم الأفكار ، لم هناك حاجة دائمة لجعل المفكر كائنا مأدلجا (على وزن مهجنا) ؟ ولماذا ينتقل حينها الخطاب من النص للمعرفة ومنه للطقوس ، وليس من المعرفة للنص ومنه للعمل؟




رابط المقال على صفحات مجلة عرب ال48:

http://www.arabs48.com/display.x?cid=5&sid=84&id=70970