Sunday, 12 September 2010

في نقد النوسطالجيا (4) : في الفكر (3): العقل السجالي مشهد وجودي

تغرق الساحة الفكرية و الثقافية العربية في جدلية قاربت حدود "الجدلية الصنمية" و أزليتها ، إن لم تصبح كذلك بعد ، تلك هي جدلية العلاقة بين الحداثة و الأصالة ، و التي إنتهت إلى نتيجتين ظاهريتين تتبديان على سطح –وفقط سطح- المشهد العام :

1.شق المجتمع الثقافي و الفكري و تباعا الجمهوري إلى فريقين إثنين ، تجمعها علاقة وجودية / صراعية لا غير ، وتلك هي الصورة الغير محبذة من ثنائية العلاقة : الأنا و الآخر، وذلك لأنها تختصر الآخر والعلاقة به في صورة صراع بقاء ، وبما تستدعيه كلمة "بقاء" يتضح لنا أن فاعلية أي طرف تتبدى من تضاده مع الآخر ، فلا حداثة –بالأصل اللغوي – إلا بتحديث القديم ، ولا أصالة إلا بإنفصالها عن الحديث او المعاصر ، لذا فالعلاقة الصراعية بين الطرفين هي علاقة وجودية متى غاب طرف فقد الآخر حيزه الوجودي ، كل ذلك أسس للعقل السجالي كمنهج فكري ، وهو من الإستاتيكية أنه لا ينتج ولا بيدع لغياب الملافحة و التلاقي ، ويكتفي بالإجترار البيولوجي للتاريخ و الواقع – بالتوازي- سلاحا للبقاء.
2.إختصار مجمل المشهد الثقافي العربي في حالة الإنشقاق تلك ، و الحكم المختزل بغياب أي فرصة للتلاقي و من ثم الإنتاج ، وإن كان ذلك الإختزال ليس بخاف عن أي طرف كان (الحداثة بحكم أصل العلوم الفلسفية و الحضارة الشرقية ، و الأصالة بحكم منبت أدوات التواصل و الحضارة الإنسانية التقنية و المادية)، ولكن الإنجراف نحو معالجة ذلك الإختصار المجحف  ينسف الأسس الوجودية للفرق المتصارعة بإسم كلا الظاهرتين الإنسانيتين وتياراتهم المختلفة .

من المقولات التي تؤسس لحالة الصراع تلك و التي تؤجج لها والتي ينكرها أصحابها تارة و أحيانا ينادون بها ، كان القول بحتمية الصراع بين الحداثة و الإسلام و إطلاقه صراعا وجوديا ، مما يؤسس للقول بأن العلاقة بينهم لا و لن تقبل اي نوع من المهادنات أو التلاقي و التلافح بغض النظر عن مدى صحة ذلك القول ، كما أنها تلغي وتنكر أي مصداقية لأي محاولة لمد الجسور بإعتبارها تمردا أو إنهزاما.
وفي هذه المواجهة تنحو الدعوة للأصالة إلى توحيد نفسها مع الدين ، وفي المقابل تميل الحداثة لمطابقة ذاتها مع العلم ، وطبعا تنتج لنا تلك الثنائية الإتحادية المتقابلة التالي :

1.تطابق الهوية مع ذاتية الأنا الوجودية الأكثر قداسة وهي الدين (منبع القيمة الروحانية)، وبذلك ينخفض التراث إلى جانبه الديني .
2.تتطابق الحداثة مع الحضارة المادية وتمظهراتها ، فتنخفض الالمدنية إلى طابعها التقني الصلب .
وما يؤدي إليه ذلك من شيطنة الدولة المدنية الحديثة ورفضها جهويا وأيديولوجيا بدعوى إعتبارها بناءا ماديا تقنيا لايؤخذ إلا بالكلية ولا يرفض إلا بالكلية قافزين فوق ديناميكية التخليق بتاعا اإختلاف الخصوصيات الحضارية ، والفكر الشمولي الرفضوي هو نتيجة جدب عقلية التفكيك و إعادة التركيب والتخليق .
ويتبدى لنا ذلك واضحا خلال العديد من حوارات الفكر العربي :
(رسالة التوحيد والإسلام والنصرانية مع العلم و المدنية ) لمحمد عبده ، و (لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم) لشكيب أرسلان ، وغيرهم.

إن ذلك الإستقطاب المزدوج: رفض الحداثة –كمنتج غربي- بالجملة لتأكيد الذات ، وبالمقابل رفض الذات لتأكيد الحضارة و القابلية للإنصهار فيها ، جعل من "كل التركيبات النظرية العربية منذ النهضة إلى اليوم من إصلاحية دينية إلى قومية عربية ، لم تكن إلا محاولات للتقريب بينهما وتجاوزهما وإعادة عرضهما بشكل جديد على ضوء المعطيات الخاصة بكل حقبة ، وليس الإختلاف القائم داخل هذه الأيديولوجيات السياسية التوفيقية إلا نتيجة تغليب أحد العناصر على الأخرى" 1*.
وإن كانت الحداثة الغربية كمنتج جهوي يستلزم الرفض الأيديولوجي لإثبات الوجود ، هي نتاج بلورة منظومة فكرية سياسية تقوم على مفاهيم : الحرية ]فولتيير / كانط[ و التسامح ] لوك[ و المساواة ]روسو[ ، فكيف يمكن ان تخفى عملية الأدلجة الزائفة لتلك الأسس  - الحداثية للبعض والإنسانية في الأصل – وربطها الزائف بالنسق الغربي وكانها وليدة تلك الحضارة فقط؟؟ ولا تتأتى في أي صورة أخرى غير تلك ؟ ذلك من ناحية ، وأما من الأخرى فيخطيء من يعتقد بوجود إمكانية لخلق ثقافة إجتماعية – سياسية ذات أساس علمي –مادي محض ، منزوع عنها كل المطالب الروحية و التأملية و الأيديولوجية ، لتنتهي بها تطورا فيزيولوجيا ، أو كما قدمها كانط في نقده للعقل :
هل يوجد معرفة من النوع المستقل عن التجربة أو حتى الإنطباعات الحسية ؟*2

لذا فكما أنه من الخطأ نقد المعرفة الطبيعية و الفيزيائية بمنطق ديني / ثيولوجي / فقهي / لاهوتي ، فمن الخطأ كذلك نقد الفكر الديني من منطق البحث الطبيعي / المادي .


* العقل السجالي :
إن للرفض الجهوي كإثبات وجودي ، ولحالة الصدام المبني عليها و التي تؤسس لها علاقة " الإسلام لا يقبل الحداثة" ، تأثيرا على الثقافة العربية – التي يمثل الإسلام روحها- وكذلك الوعي العربي ، إذ تتبدى الكثير من آثاره الإنفصامية ، على خطابات النوسطالجيا وواقعهم ، وبالتالي تأثيرهم ، جاعلا من الكشف عن أحقية الإدعاء النوسطالجي بأن إنكار الحداثة هو شرط لتأكيد الذات – المختصرة في الدين- يتماهى في الأهمية مع الكشف – المقابل- عن تهافت القول بأن رفض الذات و إنكارها هو شرط قبول الحداثة و توطينها و الإندماج في الركب الحضاري الإنساني.
إلا أن قولا كالسابق ، لايخفى مايؤسس له من صورة القول و القول المقابل، وليس حتى الفعل ورد الفعل ، لمايمثلانه من ظواهر صوتية إستاتيكية كما الكهرباء الساكنة، وهو اساس العقل السجالي ، وهو العقل الذي انفصل عن الواقع ليصبح الحوار فيه بين الفكر و الفكر ، و ليس الالفكر و الواقع ، بكل ما تقتضيه تلك المواجهة من استحواذات طوباوية تصادر على غيرها  وتقفز عن الخصوصيات الحضارية و الظرفية الزمانية و المكانية للواقع المعاش ، و التي تمثل خط الفصل بين الفكرة و الواقع.
إن للعلاقة الرفضوية للنوسطالجيا مع أي قيمة حداثية على اساس جهوي ايديولوجي – وليس موضوعي- ، تجعل من التيارات الفكرية ومايقابلها ، أسيرة حالة الإستقطاب ، المنفصل عن الواقع ، مما يضعف تاثيراتها في المشهد الحياتي أو يؤدي لراديكاليته المفرطة ، لأن الجهد الأساسي حينها لذلك العقل السجالي ، ليس لخلق مساحات اللقاء و التلافح و الحوار والإختلاف ، إنما في مواجهة /الصراع مع التيار المختلف أيا كان ، تقاطعا ما أم لم يتقاطعا *3، وليس في مواجهة الواقع إنطلاقا من نقاط التلاقي والإتفاق بهدف التغيير، لذا تتبدى لهجة الاستنفار الأيديولوجي في الخطاب ، والتي تزداد في حال الأزمات ، ولكن أوليس الصدام و الرفض المطلق هو أزمة؟؟ أزمة إحتواء وحوار؟؟ وبالذات عندما تفرضها موازيين القوى؟ أوليست الحداثة – في كل تجلياتها- تهاجم أول ما تهاجم "الأصل التوحيدي" أو هكذا قيل؟
"لكن ما الغريب في الأمر ؟ أليس هذا هو حال الثقافة الشعبية في أي مكان عندما ترسم صورة عن الآخر في فترات الحروب ]صراع بقاء[ مثلا؟ مالغريب في التعميم السريع ، أو إسقاط المخاوف الدفينة و النقائض التي يخشاها المجموع على صورة الآخر ؟ ]كالدياثة و العمالة و انعدام الخلق و الجهل و الأدلجة المقابلة و المادية وغيرها من التوصيفات[ لا جديد . نعرف هذه الظاهرة العميقة الجذور في ثقافات كافة الشعوب ونراها تزداد قوة في مراحل الأزمات "*4  كما " تقيم هذه العقلية إدعاءاتها على اعتبار أن الجهل والغرائز والمعلومات الخاطئة والرغبة في التعميم السريع ، و الخوف من المجهول ، معطيات ثقافية جماهيرية قائمة وصلبة ، يتم التعامل معها ببساطة وتقبل من دون نقد ، خصوصا عند تشكيل صورة الآخر أو صورة المختلف عنا أو الغريب ]فما بالك ذاك المتصادم الوجودي مع الدين و أصله التوحيدي؟[ أما إذا كان الآخر هو في الوقت ذاته هو العدو فعندها عمم ولاحرج وحدث ولا حرج"*5 .
لذا سرعان ماينصب خطابيوا النوسطالجيا حينها أنفسهم متحدثين رسميين عن المجموع أو الأغلبية الصامتة مقدمين انفسهم بإسم (نحن) لا للتعظيم بقدر ما هو حضورا لقوة المجموع أو الأغلبية وبسطوة الأسئلة الإستنكارية.
 ومن مشاهد ذلك الاستنفار الأيديولوجي بإسم ال(نحن)  :

1.تشريع "العنف" دفاعا عن الأيديولوجيا/الثيولوجيا وليس الفكر :
 بداية من التكفير بكل صوره للتنميط و الأحكام المسبقة حتى التهكم و الإستهزاء و الشخصنة  و الاتهام بالجهالة و التفتيش في القلوب أو حتى التصنيف الرأسي للبشر، كل ذلك ابتعادا عن الواقع و انفصالا عنه و اتحادا بشخوص ليس لهم من الديمومة ما للأفكار.

2. إزدواجية التعامي و التصيد : إحدى صور الإنفصام :
التعامي عن جرائم ال(نحن) في حق ال(أنتم) أيا كان ، و التصيد لأخطاء ال(أنتم) وتجريمها وتغليظها ، وليست مشاهد إدعاء النوسطالجيا في بلادنا القهر و الظلم الطائفي إلا مشاهد كوميدية سوداء ، تصل حد التقمص السينيمائي المزمن ، منتهية بالواقع لحالة من التشكك الدائم ما بين الصواب و الخطأ من ناحية ، ومابين الإبتزاز العاطفي (داخليا وخارجيا)، و الذي أنتج في النهاية ردا لفعل ، للأسف إن لم يصبح مساويا بعد في المقدار، فإنه على الأقل من نفس الجنس ، لتسقط في النهاية حينها أغلب الحدود الفاصلة – أو تتماهى مع السقوط- بين الفاعل و المفعول به ، لتنتهي بالجميع شياطين بلا ملائكة.

3. منهجة الرفض الجهوي و التأسيس العلمي له :
ويتم ذلك بالإعتماد على الإجترار للتاريخ لأغراض فيزيولوجية بحتة لضمان البقاء الجمعي  في صورته الحيوية ، لا أكثر لا أقل منعا للتذرر و الفردانية ، وحفاظا على الرابط الأيدديولوجي الغير منتج في الكثير من الأحين ، بإسباغ شرعية علمية عليه ، بتوظيف عبارات من الميوعة الفكرية بظرفية الزمان و المكان الآنيين للواقع وبراغماتيته ،تأسس جميعها لحالات إنفصال الواقع عن المطلوب –وهو المفصول اصلا - ،  لدرجة أبعد من أن يتم تداركها ، بتحويل الأيديولوجيا إلى ثيولوجيا وقتل أي لقاء ، وذلك لأن "نقض الأساس المنهجي و الفكري و الفلسفي –لانقده- مقدمة اساسية في مراجعة معظم الدراسات حول الإسلام" *6.

4.الأدلجة الجزئية انتقائيا *7:
للكثير من المنتجات الثقافية والتي يتم في الأغلب الأعم إقتطاعها عن سياقها الكلي لتعليبها ترسا أيديولوجيا ، ويتم تتريسها كميا لا نوعيا ضمن ديباجة خطابية ذرائعية .

إن أحد أهم المنهجيات التي تقوم عليها عقلية النوسطالجيا – ورد فعلها- ، هي "الخلط المنهجي" ، أي أنه يخلط بين الأيديولوجيا و الثقافة ، أويخفض الثقافة إلى جملة الأفكار و الأعراف ، ولايميز بينها كنسق إجتماعي ، وبين المذاهب و الأيديولوجيات و الأفكار المتناقضة التي تعيش فيها وتتغذى منها ، ومنهم من يرفع الأيديولوجيا ، أو إحدى الأيديولوجيات إلى رتبة الثقافة ، فيستنتج من تناقضها تناقض ثقافة العرب وتهافتها" *8.
ومن هنا كان رفضنا لصيغة "العقل الإسلامي"*9 عقلا تاريخيا ، وطرح بديل له : "العقل السائد إسلاميا" ، و الإعتراف – كذلك – ب"الفن الإسلامي" فنا "إسلاميا" ولكنه ليس فنا "دينيا" *10 ،  حيث ان الإرتقاء ب"العقل الأيديولوجي" فيتحول  "ثيولوجيا"، يحول "العقل" حينها "نقلا"  ، وأسوأ  مايصيب التفكير الفلسفي هو إرجاع "المفهوم" إلى صورة ثابتة وراسخة  وتكاد تكون راسخة أيديولوجيا –بكل ماتحمله الأيديولوجيا من الامصداقية فكرية ونسبية النسبية - ، يجترها القياس التاريخي الإنتقائي ، فينحط حينها "العقل" إلى مفهوم "الدماغ" بالمنطق الفيزيولوجي الحيوي البحت و الذي لا يمكنه القياس خارج الجسد البشري مصدر الحياة.

العلاقة مع الواقع :
يتصل العقل السجالي مع الواقع من خلال نقطتين إثنتين :
1.الرفض الجهوي الشمولي ، الذي يرى في الواقع كتلة واحدة صلبة ومغلقة ، لا يمكن التعامل معها إلا بالرفض – المسوغ منهجيا مسبقا – بكل الفاظه : النقض – التكفير – المادية – المزايدة – العمالة وغيرها  ومن ثم إستدعى التبديل ، إن وجد "البديل" وعادة لا يوجد لغياب القدرة على التفكيك و إعادة التركيب، البديل القادر ليس فقط على الحوار مع الآخر بل على التفاعل مع واقع (الآن – هنا).
2.القياس الإختزالي للواقع ، و الذي غالبا ما يكون إجترارا ماضويا ، لا يعدو إلا أن يكون قياسا مبتورا للماضي – التقليد- ومماهاته المشلولة بالواقع، جاعلا العقل السجالي دائرا في فلكه الخاص و تاريخه الخاص ، مشتطا في الأحكام و الإستنتاجات بلا رقيب موضوعي واقعي.

واسباب إنفصال الفكر عن الواقع حينها :
1.يمكن لقضية ما أن تكون منطقية وصائبة كمتن عضوي واحد تتناسب مقدماتها مع نتائجها ، إلا أن ذلك لا يعني تطابقها مع واقع (الآن – هنا) ، لذا ومن الإدعاء الصحيح بصحة القضية ، يدعي البعض شرعية توجهه وملائمته ، لا لأمانة الطرح الموضوعي الواقعي ، بقدر إسباغ الشرعية على الفكر الأيديولوجي، فيتحول حينها الفكر إلى الأصل ، والواقع إلى الفرع ، الفرع الذي يتوجب عليه التكيف مع مقولات الفكر و التطابق معها ، وعلى الساحة الفكرية تتبدى لدى الكثير من شواهد هذا الفكر المنفصل عن الواقع :

- شعار (الإسلام هو الحل)*11 : وهو على وزن اقدم أحد أقدم الحيل الأيديولوجية وهي (رفع المصاحف على أسنة الرماح) ، طارحة حلا ثيولوجيا لا يمكن لأحد مسائلته ، من دون أن يفتح بابا للمزايدات و الشخصنة والعنف المقدس. وذلك الشعار يأخذ شرعيته من إحدى نقطتين الثيولوجيا و/أو التاريخ ، التاريخ الذي لم يكن ليصبح تاريخا مالم ينفصل عن واقع (الآن – هنا) .
إلا أن ذلك البديل لا يختلف إلا في الإتجاه عن البديل المقابل له وهو طرح : التنازل عن جميع الخصوصيات الحضارية و التاريخية للإلتحاق بركب الحضارة والحداثة.
2.تأثير الثقافة الغربية الحاضر بمنتهى السطوة و القوة و الوضوح في العالم الثالث ، يخلق في ذهن الناس صورا عن الحياة و الذات و المعنى مختلفة تمام الإختلاف عن الواقع المعاش ، وبالنظر للصورة المتواترة عن الحياة متحضرة والشروط الواقعية للوصول إلى ذلك ، يتضح لنا حينها مدى عمق حالة التناقض بينهما ، لتصبح حينها النظرة للمجتمع على إنه متخلف ومتأخر بكل تاريخه و قيمه وثقافته التي يتغنون بها وإغتنى بها تاريخه ، وهي العناصر التي وبعد كل هذا الإجترار الأيديولوجي لم تستطع ان توفر احترام الإنسان وحقه في الإختلاف و التميز بالإختيار.
لذا فالمثالية المفرطة ، وكل تجلياتها الأيديولوجية / الثيولوجية ، و إستحواذاتها و إنعكاساتها ، لا تتعارض مع الواقعية من ناحية ولا تجريبية من الناحية الأخرى أو حتى الذرائعية ، بل تستدعيهما ، لأنه إذا بقيت النظريات و الأفكار حبيسة العنتريات الخطابية ، والفكر المنفصل عن الواقع ، بعيدة عن الواقعية ومن ثم البرغماتية ، جاعلة المسافة بين الآن –هنا و المجتمع الأفضل للأنا و الآخر ، أكبر من أيديولوجيا الخطاب.
في النهاية :
الرؤية التفكيكية الواقعية ، هي التي تنقض العقل السجالي ، وهو مختلف تمام الإختلاف عن التعميم الأيديولوجي القائم على إيجاد وحدة وهمية منطلقة من سحب مفهوم الجزء على الكل بدعوى (بناء المفاهيم) ، ومصدر ذلك التعميم هو النظرة السلبية/النرجسية لجانب أحادي من التاريخ.
لذا فالرفض الجهوي و "إلقاء المسئولية على الإمبريالية أو الغرب بصفة عامة ، وبشكل مجرد ]تعليبي[ دون إظهار ترابط هذا الغرب ]ومنتجاته[ مع قوى و افكار و أنماط وسولك وعمل وممارسة محلية لا يقصد إلا إلى تعميم نزعة سديمية قومية مهمتها الأساسية التغطية على المسئوليات الفكرية و السياسية التي تكمن في قصور المناهج و الوسائل التي اتبعت لمحاربة الغرب و التخلص من سيطرته"*12.

فالتهرب من المسئولية الحضارية والتاريخية له العديد من الصيغ كتعليب الإتهامات والأحكام المبدئية و الرفض الجهوي ، و التي تعفي – أو هكذا يراد لها- من واجب التأمل و التفكر و التمحيص و التفكيك و التركيب ، لينحصر حينها التاريخ - تاريخنا إما عورة كاملة - عورتنا، أو حسنة بهية – حسنتنا ، أو العكس.

by Michel Zavrof

_________________________________________________________________________________________________
الهامش:
1.      إغتيال العقل – برهان غليون – المركز الثقافي العربي – المغرب – ص22
2.      Critique of Pure Reason, Emmanuel  kant, Penguins Classics , p 214
3.      وهذا من أسباب غياب تقنيات ال
Thinking tanks
في الأقطار العربية اللهم إلا تجربة مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت
4.      طروحات عن النهضة المعاقة – د.عزمي بشارة – رياض الريس – بيروت – ص 109
5.      طروحات عن النهضة المعاقة – د.عزمي بشارة – رياض الريس – بيروت – ص108
6.      بناء المفاهيم – مجموعة من الباحثين – دار السلام- القاهرة ص61
7.      تمت الإشارة مسبقا لهذه النقطة بالتفصيل في جزء سابق من السلسلة.
8.      إغتيال العقل – برهان غليون – المركز الثقافي العربي – المغرب – ص48
9.      سيرد تفصيل هذه النقطة في جزء لاحق من السلسلة.
10.  مجلة "وجهات نظر" الشهرية – محمد المهدي - عدد 139 – ص34
11.  الإشارة هاهنا بالعموم و ليست لفريق بعينه ممن يتبنون ذلك الشعار الأيديولوجي وقصره على نموذجهم.
12.  إغتيال العقل – برهان غليون – المركز الثقافي العربي – ص57.

المفاوضات المباشرة بين المحاكاة التاريخية و التوحد مع الهزيمة

لا يمكن قراءة حدث مثل "المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية" أولا ، و "المباشرة" ثانيا ، من دون أن تعود الذاكرة السياسية لمشاهد تكررت – ومن الواضح انها ستظل مكررة – في الحياة السياسية العربية بين "المستعمر و المستعمر" أولا، و "الإسرائيلين و الفلسطينين" ثانيا ، ناهيك عن "مباشرية" العلاقة.

- بين المستعمر و المستعمر (التاريخ يعيد نفسه) :
ولنستحضر "تجربة فيصل في دمشق (النموذجية) :
فيصل المنتصر مع الحلفاء، و المؤيد برسائل حسين مكماهون ، المطعون بسايكس – بيكو ووعد بلفور، يفاوض الغرب (فرنسا و بريطانيا) محاولا التحلل من قوة الجيش العربي الفتي ، وعناء ضباطه الوطنيين ، وقيادات أحزابه ، وقرارت المؤتمر السوري المتشددة ، متكئا على دعم موهوم من بريطانيا ، ووعود كاذبة ثبت زيفها ، فإذا به يصبح الأمير الطريد ، الممنوع من السفر و المتوسل لقاء مذلا مع فرنسا ، ويعامل فيه كخاسر بلا تعويض.
يعود فيصل بفتات غير مقبول ، ترفضه القوى السياسية . يفاوض مرة أخرى فتشترط عليه فرنسا تصفية "المخربين (المقاومة) ن فيتصرف بسرعة ، وينفذ التصفية أخوه الأمير علي . ثم تشتد شروط الفرنسيين ، فينذرونه بضرورة تسريح الجيش ، فيفعل ...وتكون النهاية المأساوية و الزلزال الذي اسقط أول دولة عربية مستقلة حر ذات سيادة إلى الأبد" *1
يمكننا رؤية التاريخ يعيد نفسه في كل علاقة بين المستعمر و المستعمر ، وفي الحالة الفلسطينية – الإسرائيلية هي : قوات الإحتلال و الشعب المحتل ، كما يمكن مماهاة درجة "المحاكاة" من قبل الحكومات الإسرائيلية (بمباركة أمريكية) مع الدور الفرنسي ، ودرجة "التوحد" المرضي  ، للطرف العربي مع الهزيمة التاريخية و الحضارية وتراتبية خطواتها.

- بين الإسرائيلين و الفلسطينيين (حيث تعطيل الذاكرة التاريخية و السياسية):
يبدو أن إستمرار منهج (نص العمى) ، البالغ اللابراغماتية ، الذي أسس له الراحل ياسر عرفات في أوسلو ، و الذي عبر عنه قبل ذلك للمفكر العربي إدوارد سعيد في لقاء جمعهما عام 1985 حينما قبض بشده على ركبته قائلا : "إدوارد ، إذا كان هناك شيء وحيد لا أود أن أكونه ، فهو أن أكون مثل الحاج أمين –الحسيني- ، كان على صواب ولكنه توفي منفيا ولم يحقق أي شيء" *2.
 لايمكن أن يخفي حالة اللاتعريف و الامرجعية و اللاشيئية التي اسست لها مرحلة أوسلو ، و التي إستمرت في طابا وواي ريفر وكامب ديفيد وغيرها ، مما أنتج لنا إستراتيجية : (المفاوضات من أجل المفاوضات) و التي إنبثق منها جيل جديد بعنوان : (المفاوضات المباشرة لأجل المفاوضات المباشرة) . والتي لا يمكن الفصل بين مشاهدها ومشاهد العلاقة الكولونيالية السابقة والتي تجسدها عديد الأمثلة ليست حالة (فيصل) إلا إحداها ، إلا أن إيرادها في هذا المتن جاء من باب التوضيح للخاتمة التي ستتطابق في أجزاء وستتمرد في أجزاء أخر حيث :

.أولا :الإستناد على حالة من السراب الذي واكب تغير الإدارة البيضاوية وتمظهراتها الخطابية  البعيدة تماما عن الواقع و الميدان ، و التي لم تكن سوى حالة نشوة باللون الجديد للبيت الأبيض ، و التي سرعان ما تكسرت على صخرة الواقع سواءا فيما يتعلق بمسألة الإستيطان و التجميد الذي كان كنسيم البر و البحر ليس إلا أو حتى خطاب أوباما في (الأيباك) و الذي أشار فيه غلى مجموعة من اللاءات منها : لا لوقف الإستيطان ، لا لتقسيم القدس (العاصمة الموحدة للدولة العبرية) ، ولا لإمتلاك إيران سلاحا نوويا ، ولا للمقاومة.*3
ذلك السراب الذي لا يمكنه أن يعمي العقل العربي – أو على الأقل المفروض ألا يفعل – عن العلاقة العضوية التي تربط الولايات المتحدة الأمريكية و الدولة العبرية.

. ثانيا :تبعات أوسلو و التي أسست منهجيا لعمليات "التنسيق الأمني" بين الفلسطيني و الإسرائيلي ، لتجعل السلطة الفلسطينية في نهاية الأمر " مقاولا من الباطن" *4 ، لصالح المحتل الإسرائيلي ، ليقبض له على "المقاومين" أو بحسب الأبجديات الإستيطانية : "المخربين" *5 .
.
ثالثا: حالة الفرقة و الإنشقاق التي يعاني منها المفاوض الفلسطيني ، بين سلطة محاصرة بأيد عربية وفلسطينية و إسرائيلية ، وسلطة فاقدة الشرعية و الدستورية ، متهافتة على التفاوض المباشر ، قافزة فوق العديد من الحقائق و القوى و الإنتصارات الإقليمية  ، ومتعامية عن أن "خطيئة التفاوض بلا انياب عقابها إنتزاع الأظافر و القلب و الحركة"*6.

.رابعا :التفاوض يتم على أقل من 22% من كامل التراب الفلسطيني ، وعلى دولة منزوعة السلاح و الحدود و السيادة أي أقرب ما تكون لكنتونات إدارية.


إلا أنه من ضمن عديد النقاط التي يتقاطع فيها المحورين السابقين ، وعلى إمتداد تاريخنا العربي ، إلا أن المفاوض الإسرائيلي ، يطرح سابقة لم تمر في التاريخ الإستعماري و الإستيطاني من قبل ، وتلك هي مسألة "يهودية الدولة"، حيث أنه و بالنظر لتشريح المجتمع الإسرائيلي وطبقاته ، التي أوجدتها عمليات التطهير العرقي *7 ، ومن ثم عمليات الهجرة (الترسيب) المتوالية ، تلك الطبقات التي يمكن تشبيه تراتبيتها كطبقات الأرض الجيولوجية ، حيث القاعدة الأولى – بحسب التسلسل- مكونة من السكان العرب – الفلسطينيين الباقين في البلاد بعد حرب 1948 ، وأما اللذين رحلوا منهم فقد إمتلأ الفراغ الذي خلفوه ورائهم بموجات من المهاجرين اليهود ، وتلك الطبقة تقسم بدورها إلى طبقتان روسية سميكة وإثيوبية دقيقة ، ويتخللهما عديد الإثنيات و الأعراق بنسب اقل .
ولأن "الهوية لايمكن أن تتصلب وتنغلق نحو الخارج وأن تكون في الوقت ذاته منفتحة وديموقراطية نحو الداخل "*8 ، فقد شهد المجتمع الإسرائيلي ولا يزال موجات من التغيرات ، حيث "غيرت كل موجة هجرة جديدة مجمل السياق بصورة جوهرية ، وتسببت كل موجة بهزة أرضية إجتماعية ، وبسلسلة من الهزات الأرضية الثانوية ، التي لا تكف عن التأثير في المجتمع الإسرائيلي بقوة متفاوتة ، مانحة أعضاء المجموع  إحساسا إنتقائيا بالتواجد فوق فوهة بركان يهدد بالإنفجار كل لحظة ، قاذفا حممه البركانية التي ستأتي على كل ما هو في الجوار" *9.
وتلك المظاهر التي تسجلها كل هزة أرضية ، آخذة في النمو و التأثير في فيسفساء إجتماعية-داخلية - عنصرية من جهة ، وأخرى سياسية – خارجية -  إقليمية تقوم على الإحتلال، و الهدم ، و التهديد ، و الإجتياح وغيره ، مما أدى في النهاية إلى :

.أولا: توقف موجات الهجرة للداخل – الإسرائيلي ، وبحسب بعض مراكز الدراسات و الإحصائيات فقد بدأت عمليات الهجرة العكسية للخارج*10.
. 
ثانيا: بزوغ مشاهد "الإحراج" للكيان الإسرائيلي دوليا ، و الذي تعددت تمظهراته مثل تلك التي تلت مذبحة اسطول الحرية ، وتقرير جولدستون وجريمة "المبحوح" وغيرها ، إلا أن من أهمهم "تفشي مظاهر النقد للسياسات الإسرائيلية" في أوساط النخبة الجامعية من الشباب اليهودي في الجامعات الأمريكية ، و الذين "على حد قول كل من ستيفن كوهين من كلية الإتحاد العبري ، وآري كولمان من جامعة كاليفورنيا أن "الشباب اليهود غير الأرثوذكس ، بصفة عامة يشعرون بقلة الروابط التي تجمعهم بإسرائيل أكثر ممن هم أكبر سنا ، فيما يصرح الكثير منهم "بعدم وجود مشاعر إيجابية تقريبا اتجاه إسرائيل "، كما استخدم هؤلاء الشباب ضمير "هم" بدلا من  "نحن" لوصف الموقف مرارا وتكرارا" *11 .
لذا فالموافقة على بند "يهودية الدولة" ، و الذي يعتبر "حصان طروادة بالنسبة للحكومة الإسرائيلية اليمينية ، حيث أنه و بالرغم من أن الدولة العبرية بمفهوم البناء الثقافي قد طورت مختلف الآليات لخلق "الشرعية" ، بما فيها الإنكار الإنتقائي و الممنهج لأحداث حرب 1948م *12 ، إلا أن مسألة "حق الوجود كدولة يهودية"  للدولة العبرية و التي تعد بمثابة تحد اتجاه الداخل و الخارج ، ستجد لها حلا بمباركة من "الضحية" متى تمت الموافقة الفلسطينية على ذلك الشرط ، إن تمت.*13

________________________________________________________
الهوامش:   
  1. حوار الحفاة و العقارب : دفاعا عن المقاومة – نصري الصايغ – دار رياض الريس – بيروت- ص65-66.
  2. The Great War For Civilization – Robert Fisk – Harper Perennial – London – p437
  3. ولفظة "المقاومة" هاهنا لم تكن عن المقاومة الفلسطينية فقط ، بل أي مقاومة تهدد الكيان الإسرائيلي الربيب لأمريكا.
  4. التعبير ينسب لسليمان أبو ستة عراب القضية الفلسطينية.
  5. ومن هنا كانت العديد من الأنشطة التي شهدتها الضفة الغربية و القطاع من القبض على المقاويمن للكيان الإسرائيلي ، ومنها ما حدث مؤخرا من القبض على أربعمائة فرد من حركة حماس ، و الإعتداء الذي كان على مؤتمر عقدته الفصائل الفلسطينية الرافضة للإنخراط في المفاوضات المباشرة.
  6. حوار الحفاة و العقارب : دفاعا عن المقاومة – نصري الصايغ – دار رياض الريس – بيروت – ص66.
  7. The ethnic Cleansing Of Palestine – Ilan Pappe – One World – London – P90.
  8. طروحات عن النهضة المعاقة – د.عزمي بشارة – دار رياض الريس – بيروت – ص178.
  9. من مقال : الثابت و المتحول في المجتمع و الثقافة الإسرائيلية – باروخ كمرلنغ – مجلة قضايا إسرائيلية – عدد 2001 – ص4.
10.  إسرائيل الأخرى – جوني منصور – مركز الجزيرة للدراسات – قطر – ص 25.
11.  من مقال : فشل المؤسسة – بقلم بيتر بينارت – مجلة وجهات نظر – العدد 139 – ص6.
12.  Politicide – Baroch Kimmerling – Verso – London – P86
المقال تناول مسألة "يهودية الدولة" من وجهة نظر إسرائيلية ، منفصلة عن الواقع ووجهة النظر العربية و الفلسطينية وتبعاتهما ، و التي سيتم تفصيلها في مقال لاحق. (الكاتب).

رابط المقال على صفحات الهيئة الوطنية للدفاع عن حقوق شعب فلسطين الثابتة:
http://www.palthawabet.org/ar/newsDetails.php?newsId=405&classId=16&page=1&Next=1

البريغادير و المفاوضات المباشرة


لم يكن خبر تعيين "بطل حرب غزة" – كما يسميه الإعلام الإسرائيلي - البرغادير بوآف غالنت رئيسا لأركان الجيش الإسرائيلي خلفا لأشكنازي ،بعد أسبوع من إعلان وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون عودة المفاوض الإسرائيلي و الفلسطيني لطاولة المفاوضات المباشرة مطلع الشهر المقبل ، مجرد خبرعار عن السياق الزمني و الميداني.

فهل يمكننا استقراء ذلك الرابط بين الحدثين (التعيين والإعلان عن العودة للمفاوضات) وكأنهما منعزلين إذا علمنا أن قرار بالتعيين لرئيس الأركان العشرون جاء قبل موعده المقرر رسميا بعدة أشهر؟ و أن أشكنازي قد سبق له رفض تعيين غالنت سكرتيرا له ؟ و أن ذلك الأخير ليس بريئا مما سمي ب"وثيقة" غالنت التي صدرت منذ فترة و التي تنال من سمعة بقية المرشحين للمنصب في صورة من صور الضرب تحت الحزام؟
إن اعتماد وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك ومباركة رئيس وزرائه نتنياهو على القوة العسكرية التي يمثلها البرغادير يوآف غالنت ، و الذي كان سكرتيرا عسكريا لأحد أكبر رجالات الحرب الإسرائيلية وهو أرييل شارون ، و هو المنصب الذي بقي فيه غالنت لمدة ثلاثة سنوات عين بعدها قائدا للمنطقة الجنوبية –بما فيهاالقطاع- وهو المنصب الذي لايزال يباشره حتى الآن ، جدير بالذكر أن غالنت هو أحدمهندسي حرب غزة وهو أحد أهم الداعين لمنهجية "القبضة الحديدية" في التعامل مع حماس و المقاومة ، ناهيك طبعا عن ارتباط اسم جالنت بغزة وجنين.

إن الاعتماد الإسرائيلي على ذلك "البطل" ، لا يمكن أن يتم تحليله و استقراؤه بمعزل عن الشروط الإسرائيلية التي حددها نتنياهو للعودةللمفاوضات المباشرة و التي أسماها باللبنات الأمنية التي تستلزم "طرفا فلسطينيا شجاعا" لتحقيق السلام :

*.السيطرة الكاملة على حدود ما أسماها بالدولة الفلسطينية منزوعةالسلاح و السيادة و بالذات الحدود الشرقية لمدة لا تقل عن ال15 عاما ، وذلك منعا –للمستحيل- وهو تواطؤ أردني – فلسطيني، هذا من دون الإشارة إلى الأطماع الإسرائيليةفي منطقة غور الأردن ، ومايمثله ذلك الشرط من حالة توتر لا تقل عن تلك التي سببتهاتصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي السابقة عن فكرة الوطن البديل و ما تكرر أيضا فيالحالة اللبنانية بعد إقرار قانون الضمان الإجتماعي لللاجئين الفلسطينين في لبنانوما سببه ذلك من ردود أفعال و إن إختلفت درجاتها في البلدين.
*. فإذا كان نتنياهو كما يرى المعلق السياسي ألوف بن من صحيفة هآرتس الإسرائيلية هو بخلاف قادة الليكود السابقين و الذين كان همهم الأول هو النشاط الإستيطاني وفعاليته ، فنتنياهو يأخذ الحيز الأمني لديه الأولوية الأكبر ، إلا أن ألوف قد خفي عليه أن الشرط الذي قدمه نتنياهو على أنه أهم الشروط و المؤسس لها وللمفاوضات ككل وهو"الإعتراف بيهودية الدولة" ، يخلق للمفاوض الإسرائيي نوعا من الأمان الديموغرافي على محورين :

- الأول عرب ال48 وهم اللذين ستسقط عنهم الجنسية الإسرائيلية و تسقط عنهم جميع حقوقهم المدنية بدعوى مخالفتهم القانونية للمبدأ المؤسس للمواطنة في تلك الدولة ، و هم الذين وصفهم البعض بالطابورالخامس ووجودهم هو كما القنبلة الموقوته في جسد الدولة الإسرائيلية.

- الثاني : اللاجئين و هم أيضا سيسقط عنهم حقهم في العودة لدولة اعترفت قيادتهم بيهوديتها ، حيث عقب نتنياهو على تلك النقطة قائلا :"حل قضيةعودة اللاجئين يجب أن يتم على تخوم الدولة الفلسطينية .

وهو ماسيخلق سببا وجوديا لاتنقصه الشرعية لإكمال عمليات التهويد والإستيطان ، وهو ماعجزت الكاريزما الأمريكية الملونةعن إيقافه ، وكذلك التهديدات التي أصدرها السيد ابو مازن و التي لم تكن إلا مجموعة من الظواهر الصوتية ذات الترددات القصيرة ، وكلاهما يعلمان أن الأنشطة الإستيطانية وإن لم تشهد مناقصات أوعطاءات ميدانية جديدة إلا أنها لم تتوقف ، بما في ذلك هدم البيوت و تشريد اهلها ونفيهم خارج الخط الأخضر ، وهو نوع من فرض الحقائق على الأرض ، و التي لم تنقصهاالصراحة الإعلامية الإسرائيلية الرسمية التي صرحت أن فكرة التمديد لتجميد الإستيطان (؟؟؟)و المحدد لنهايتها السادس و العشرين من ايلول 2010  "غير مطروحة".

إن موافقة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية و المباركةالعربية على الدخول لتلك المفاوضات المباشرة مع العدو الصهيوني على "لبناتهاالأمنية" المطروحة اسرائيليا و المقبولة أمريكيا و رباعيا ، وإن كان قد قوبل برسائل"خطية" وصلت لأطراف الرباعية من السيد أبو مازن يؤكد إلتزام الطرف الفلسطيني بمرجعية مدريد وخارطة الطريق و التي منها عودة اللاجئين ، و العودةلحدود ال67 ، و المعابر ، و المياه ، و القدس ، والإفراج عن المعتقلين الفلسطينين تحت سقف زمني قدره 12 شهرا على الأكثر، ألا يعد في أكثر الأدبيات السياسية رزانة ورصانة نوعا من تضييع الوقت و الأمل (كأقل الخسائر) ، وهل وصلت قيادة منظمة التحريرالفلسطينية من العمى والجدب أن لا ترى حضور العسكر ، و جملة قوانين إسرائيلية ليس أقلها"قانون شاليط" الذي يغتال جميع حقوق المعتقلين الفلسطينين الآدمية والإنسانية التي أقرتها لهم جميع الأعراف و القوانين الدولية و منها إتفاقية جنيف وكذلك  قانون "أملاك الغائبين" الذي يهب فعليا البيوت المقدسية لإسرائيلين ، ألا يحمل الدخول في المفاوضات المباشرة على تلك الأسس و المرجعيات الإسرائيلية شرعنة الإحتلال وسيطرته على الحدود بما في ذلك خنق القطاع الغزي في أكبر جريمة إنسانية يشهدها التاريخ الإنساني المعاصر ، وكذلك سلب اللاجئين حقهم في العودة وهو مالايسقط لا بالتقادم و لا بالمفاوضات ولابالإستفتاءات النيابية لأي مجالس تنفيذية كانت ، وأي جزء من الرقم 70,000 هو عدد من نفتهم اسرائيل لقطاع غزة يصعب تفسيره؟
إلى أين تقودنا تلك المفاوضات و ألا تتبدى مظاهرها الأولية واضحة؟؟


Saturday, 31 July 2010

في نقد النوسطالجيا (4) : في الفكر(2): "الحاكمية " بين الوحدانية و الشرك

بحسب أبسط تعاريف (الديمقراطية) في علوم السياسة، وبنظرة اختزالية لتاريخ تطورها، أمكن القول إن الديمقراطية هي (حكم الشعب نفسه بنفسه)، أو في اضعف الأحوال: (الحكم بإرادة الشعب)، إلا أننا وباسم الديمقراطية أيضا حدث ولا يزال يحدث على امتداد تاريخنا وحاضرنا العربي والإسلامي مشاهد، سميت "ديمقراطية" إلا أنها لم تكن كذلك ولن تصبح: انتخابات مزورة، جمهوركيات (جمهورية وملكية في آن)، حقوق مدنية تهدر، تطريز لقوانين مناسبة للكرش والكرسي، وأرقام قياسية للمعتقلات والسجون، استخدام مفرط للسلطة العسكرية.

إلا أن تلك المشاهد أنتجت ضمن ما أنتجت، الكثير من ردود الأفعال التي أعلنت علانا جهارا (كفرها) بالديمقراطية العربية ويأسها منها، كما عملت ردود الأفعال تلك على تفريخ الكثير من المصطلحات المضادة بغية إحداث اتزان منهجي وتطبيقي مضاد لتلك (الديمقراطية) العربية، التي أوضحنا سابقا أنها لا تعدو أن تكون خواء معرفيا وتاريخيا لا يتواءم مع تعريف (الديمقراطية) موضوعيا ولا تطبيقها تاريخيا ولا واقعيا، مما جعل ردود الفعل تلك ومصطلحاتها الوليدة تطبيقا لقاعدة الفعل ورد الفعل، فإذا هم من نفس الجنس (الخواء المنهجي) واللاتطبيقية التاريخية، هي إنتاجات مختزلة، كل المطلوب منها هو الوصول لحالة من الصفرية بمعادلة الفعل برد لفعل مساو له في الكم ومعاكس له في الاتجاه (التأثير).

لذا لم يعد إنتاج (الحاكمية) إلا أن يكون مصطلحا براقا (أيديولوجيا)، يعمل على توظيف العاطفة الدينية لإحداث زخم اصطلاحي مستفيدا من حالة السيولة اللغوية التي تعاني منها الذهنية العربية والإسلامية اللا-إدراكية *1 وحال الواقع العربي، فكان كل همه تجنيد القلوب لا العقول لتوظيف الحاجة الإنسانية المبررة للانتماء، بعيدا عن أي براغماتية سياسية منتجه ديناميكيا، فكان الرفض كحيز وجودي، وليس الرفض بمطلقه كحق تعبيري عن وجهة النظر، بل الرفض كعنصر وجود - بقاء - إرهاب.(للتراتبية معناها).

إلا أننا وحتى مع ذلك، لا يمكننا التشكيك في نوايا من قام بابتداع "رد الفعل" ذلك لكونه نتاج لفترة هامة من فترات التاريخ العربي في التجارب الديمقراطية الفاشلة والمخيبة للآمال، في أربعينيات و خمسينيات القرن المنصرم، كما أنه ( مع ذلك فإن خيبة الأمل إذا كانت تبرر نوعا من التبرير ما تسبب فيه من ردود أفعال عنيفة وغير مراقبة فإنها يجب أن تدفع بالمقابل إلى مراجعة "الأمل" نفسه).*2.
الحاكمية بين التذرر والفردانية:
لدى مراجعة تعريفي "الديمقراطية" سالفي الذكر أعلاه، واللذين أعيد التنبيه بمدى سطحيتهما واختزالهما المعرفي والتاريخي، نرى أن الفكر "الحاكمي" يتعامل مع لفظة "الشعب" فيهما وكأنها وحدة واحدة ثابتة القياس ولاتتجزأ، وذلك بتفعيل "الواحدية الأيديولوجية" مع إغفال الكثير من عوامل القياس الداخلي والتصنيف والتفكيك والاتصال، لذا كان من الطبيعي أن يكون ضمير المخاطب في الفكر الحاكمي هو وحدة واحدة تغازل العصبية الدينية أيديولوجيا وهي وحدة الـ"نحن" وتربطها عضويا بالدين وتسقط كل العناصر الأخرى لحسابها.

وتلك "الواحدية" في الخطاب بالنسبة للحاكمية يتبدى لنا أنها ضرورة أيديولوجية، إذ أنها تحقق الهدف الأول وهو منع التذرر *3، بالادعاء شرطيا إيمانيا أن ذلك الربط إنما يقوم على "واحدية" الدفاع عن ما يسمى - لغرض أيديولوجي وليس معرفي- "أصل التوحيد" وتباعا الشهادة بوحدانية الله، حينها تصبح "الواحدية" المؤسسة لـ"الحاكمية" في الخطاب الحاكمي إنما هي ربط عضوي داخلي أيديولوجيا يمنع التذرر، ويعمل على التأسيس لصلابة وحدة (نا) الفاعلين، وذلك حاضر مثلا بالقول: ( هناك حزبا واحدا لله لا يتعدد وأحزاب أخرى للشيطان والطاغوت)*4.

كما أن المقولة الأخيرة، تعمل على تحقيق الهدف الثاني من أهداف أي ايديولوجيا، وخطابها غير المعرفي بالقضاء على الفردانية*3 وذلك بجعل المبدأ المؤسس لتلك المرجعية والمتحكم في توجيهها، هو أن كل ما يوضع في مقابل الإسلام والدفاع عن "أصل التوحيد" هو ليس من الإسلام، لذا ومن هنا تصبح جميع صنوف الرفض بل الصدام مع الآخر وليس فقط الرفض هو نوع من أنواع الدفاع عن الرسالة السماوية وأصل التوحيد، والتي يبرر لها التساؤل الذي لا يمكن أن تقف أمامه أي فردانية: هل منا من لا يدافع عن أصل التوحيد؟؟ مؤسسين للموافقة الضمنية على جميع صنوف العنف تجاه الآخر فردا كان أو مجتمعا، بالاستنفار لا الحوار، والاستحواذ القيمي الذي يؤسس له الاستحواذ للدين *5، فيصبح الاتهام للآخر برهاب المصطلحات والسطحية المعرفية – دينيا- هو شيء مبرر لإثبات الأفضلية... أو الواحدية أمام اللاشيئية.



الحاكمية بين الوحدانية والشرك *6:

إذا كانت الحاكمية قائمة على – ما يسمى – "أصل التوحيد"، وهو إعطاء أحقية حكم البشر لرب البشر، كنوع تمظهري للتوحيد أو الوحدانية التي في القلب و أصلها، فإن الديمقراطية في جوهرها ليست شيئا آخر غير (الشرك) في الحكم، وذلك لأن (ديننا) القائم على وحدانية الله - جل وعلا – بينما (دنيانا) قائمة على التعدد، بحكم أن الله واحد أحد وما دونه متعدد وفي مقدمة ذلك (الحاكمية البشرية) والتي تمثل في مختلف صورها حتى الدكتاتورية منها وجود طرفين إثنين، لذا ( يجب علينا أن نسلب عنها سلبا قاطعا وباتا صفة الوحدانية)*7، التي هي صفة ربانية.

إن الديمقراطية – كغيرها من الأفكار وليدة المجتمع الإنساني والذي يقوم على المشاركة المعيشية - تقوم على أصل واحد وهو الحرية التمثيلية والتأثيرية التي هي مبناها حرية الرأي والاختلاف لدى التعامل مع مشكلة الحكم – كما تسميها العلوم السياسية -، لذا وكمنتج طبيعي للحرية كان "الاختلاف"، مما يؤسس لوجود (آخر) كشرط عضوي ووجودي لما يسمى بالديمقراطية، لذا خرجت العملية السياسية: (الحكم) من كونها واحدية إلى كونها عملية: شرك – إشراك وليست وحدانية، مما يستلزم في النهاية انقلابا منطقيا قوامه الفصل القاطع والتام بين الدلالية اللفظية وتلك المعنوية الميثولوجية – وتباعا الأيديولوجية- لـ"الوحدانية" في الألوهية، والإلزامية الإجبارية مجتمعيا لـ"الشرك" في مجال الحكم والسياسة و المجتمع.

وهنا توجب علينا الإشارة إلى أن المتلقي قد لا يستسيغ توظيف كلمة (شرك) تعبيريا في السياق، نظرا لارتباطها الدلالي بـ(الشرك بالله)، بل وقد يفضل عنها بديلا (المشاركة)، وذلك لا يعدو كونه نوعا من الكذب على الذات، حيث أن توظيف كلمة/تعبير (الشرك) في المقاربة بين أيدينا هو نوع من التغلب على الحواجز النفسية التي توظفها "الحاكمية" بعيدا عن أي أمانة معرفية وتوظيفا للفعل ورد الفعل، وهي الحواجز النفسية التي تؤسس لها السيولة اللغوية التي يعاني منها العقل العربي والإسلامي، لذا وجب تكسير ذلك الارتباط بين تلك السيولة اللغوية و البنية الذهنية اللاشعورية (الخارطة الإدراكية)، والتي يتم تجميدها لتعليب العقيدة التوحيدية وتعميمها تعميما يرفضه الدين ويحرمه، ذلك التعميم القاصر الذي جعل –ولا يزال- مفعولها ينسحب على مجال السلوك إزاء الحاكم انسحابه على مجال السلوك أمام الله، قافزا على ثوابت التاريخ والمنطق –للترتيب دلالته- كنوع من الخداع الأيديولوجي، وكونه ردا لفعل، الذي يؤسس فقط لأحد خاتمتين قيميتين وليس حياتيتين: حزب الله أو/و حزب الشيطان، جاعلا العنف الموجه لحزب الشيطان أو حتى أي مختلف مع أصحاب ذلك التوجه هو عنف مقدس إنما يمارس تحت ستار ديني قوامه الواحدية التي لا تقبل بعد الـ(نحن) أي اختلاف حتى ولو كان اختلافا داخل الواحدية ذاتها، فهي التي –ظنا من أصحابها – تتحدث عن الله و الدين و الحق الإلهي المطلق.


الشهادة:

إن قانون الفعل و رد الفعل هو قانون طبيعي فيزيائي ميكانيكي لذا فهو لا ينطبق على الإنسان فكريا، وحيثما دخل الفكر الإنساني دائرة الفعل ورد الفعل أصبح مجرد أداة وأصبح التراشق بين أطراف تلك المعادلة إنما هو تراشق أداتي لا قيمة للفكر لديه فالفكر الإنساني إنما ينشأ ويتكون بالتراكم و ليس بالقيمية الثابتة كمظهر أداتي لإثبات الذات بنفي الآخر.

ومن هنا كان استخدام العنف من قبل الأنظمة التي واجهتها "الحاكمية" إنما كانت سمة عسكرية محضة لعقلية لا تزن إلا للقوة معيارا، إلا أن ذلك لا ينفي عن "الحاكمية" كونها فكرا رفضويا تكفيريا لا يقبل الآخر ولا يهادنه كمظهر عسكري، وقد كان من جسيم الخطأ مواجهة "الحاكمية" بالقوة العسكرية لما أكسبها ذلك من تعاطف فوق التعاطف الذي ولده خطابها العاطفي الأيديولوجي وأعطى ذلك للحاكمية طبقة من البراءة الكاذبة، ولكن كل ذلك جنبا إلى جنب لا يبرر استخدام العنف العسكري ضد المختلف فكريا، لأنه وبالقطع يسبغ عليه بكل استحقاق لفظ : الشهيد ويفتح الباب للمزايدات في الشهادة وتعليبها وصولا للصنمية.

ولذا فحتى الشهادة الأدبية والتي لا يختلف أمامها إثنان، أن من يموت دفاعا عن أفكاره و آرائه إنما هو مستحق لها، لم تسلم من التلويث والمزايدة، امتدادا لتجنيد الخطاب العاطفي الديني الأيديولوجي لخدمة ذلك التوجه، فأصبح الشهيد – أدبيا، شهيدا دينيا، ومع ما تستلزمه تلك الشهادة الدينية من حتمية الصراع دفاعا عن المال، العرض، الأرض و الدين.
لذا أصبح حينها السيد الشهيد(؟!!) إنما قد دفع حياته دفاعا عن ماله أو عرضه أو أرضه أو دينه.

إن التوظيف أو الإهداء الديني الأيديولوجي لهذا المسمى: الشهيد دينيا، إنما يستلزم بالتبعية لما تعنيه الشهادة الدينية وتستلزمه أن صاحب فكرة "الحاكمية" إنما قد مات دفاعا عن تلك الثوابت وليس دفاعا عن فكره، أي أن "الحاكمية" وما أنتجتها من تكفير(فردي ومجتمعي) ورفض وشرعنة للعنف وجعله عنفا مقدسا، إنما هي فصل في حرب مقدسة دفاعا عن المال والعرض والأرض والدين، كما أنها تجعل كل مختلف مع تلك النظرية والمسمى إنما هو متعد على تلك الثوابت، بلفظ آخر إن إسباغ الشهادة الدينية - وليست الأدبية فقط – على أصحاب ذلك التوجه الرفضوي الحاكمي إنما يعطي على توجههم بكل ما أنتجه وبكل ضحاياه وتناقضه مع المنطق والتاريخ إنما هو حق مطلق يدافع عن ثوابت لا يختلف عليها إثنان، وفي المقابل يجعل العلاقة مع الآخر المختلف مع تلك النظرة إنما هي علاقة حياة أو موت، وأن ذلك الآخر إنما هو خطر يتهدد الدين والعرض والأرض والمال، ويجعل من ذلك الشهيد إنما دفع حياته ليفدي دينا حماه الله، أمام هؤلاء الذين شكلوا تهديدا عليه.

يتضح لنا مما سبق أن الشهادة وتوزيعاتها هي منتج أنتجته دائرة الأيديولوجيا والخطاب الديني المفرغة التي لا يمكن لأحد تحديد بدايتها، أهي الفعل: غياب الديمقراطية وما أنتجته من عنف وعسكرة، أم رد الفعل وهو الموازنة ضد قوة العسكر بتجنيد السماء، إلا أن الثابت في تلك الدائرة إنما هو عنصر واحد: السلطة و القوة.

لذا أكرر رفض الشهادة بالمنطق الديني إنما هو رفض لإسباغ الشرعية على السلطة الرفضوية المشرعنة ورفض للاتهامات المبطنة والمعلبة لكل مختلف، مع الاحتفاظ بالحق المعنوي بالشهادة الأدبية لكل من مات دفاعا عن فكره.


الحاكمية و التراتبية السلطوية
Hierarchy:



إن القول بأن "الحاكمية" تحارب (جعل البشر مرجعية الحكم لأن ذلك ينتهي بالوثنية و أنها تعطي ما لله لله ومالغيره فهو لغيره) يؤسس للنظرة السطحية للقول بأن مبدأ الحاكمية لا يختلف عليه مسلمان، بحكم أن الإسلام يقوم على التوحيد وهو الركن الأساسي في الدين الإسلامي، لذا كان الإرتباط بين "الحاكمية" و"الوحدانية" ارتباطا عضويا، وطبعا أيديولوجيا بالدين الإسلامي، وامتدادا لذلك الارتباط –السطحي- وجد القول بأن "الحاكمية" قد قضت على التراتبية السلطوية في بنية المجتمع وجعلت مكانها التراتبية الأفقية كما في نموذجي الصلاة و الطواف.

إن القول السابق يغفل شيئا هاما وهو أن "الحاكمية" إن كانت - أيضا بنفس النظرة السطحية – قد أسست لنموذج تراتبية أفقية بديلا عن تلك هرمية السلطوية كما هو الحال في الصلاة و الطواف مثلا، فيجب علينا الإشارة للتالي:

1.في الصلاة و الطواف إنما العلاقة بين الفرد الإنسان أو الجمع المسلمون إنما هي علاقة عبادة، طرفاها هم البشر وخالقهم، وليس البشر بعضهم بعضا لأن لا عبادة تجمع البشر بعضهم بعضا، لذا كان الاحتكام لما يجد بين البشر و بين خالقهم هو احتكام شرعي لا يجوز لأحد أن يتحدث فيه عن الله، ولا مكان فيه لوكلاء السماء كما كان الحال في أوروبا أبان عصور (صكوك البراءة)، كما أن الحكم في تلك العلاقة يظل حبيس طرفين: إنسان في حاجة دائمة إلى الله، وخالق رحمته واسعة ولو أتاه عبده بزبد البحر خطايا.

2.العلاقة بين الطرفين في الصلاة أو الطواف هي علاقة روحية إيمانية، والعلاقة بين البشر وحكامهم إنما هي علاقة تقوم على إعطاء كل صاحب حق حقه، بداية من حرية الرأي حتى خدماته التي يدفع مقابلها للدولة والتي وجب عليها أن تؤمنها له.

3.في التراتبية الأفقية الدائرية كما في الصلاة و الطواف رأس العلاقة هو الله سبحانه وتعالى، والذي لا يجوز إلزامه بأي قوانين لأنه أسمى وأعلى من ذلك، مهما أدى المواطن / العبد(هاهنا) ما عليه من طاعات، فكما كان رسولنا الكريم و هو خاتم الرسل و الأنبياء وأكرم البشر إلا أن يستغفر ربه في اليوم و الليلة مائة مرة.

4.القول إن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما تجعل من الحكم في طاعة الخالق إنما هي مسألة من فضائل الأخلاق التي وجب على الحاكم إتباعها وتطبيقها، لتصبح طاعته واجبة متى التزم بأوامر الله، وليس للمحكومين حق مراجعته لغياب نص ديني سياسي يوضح الإمكانية لتحقيق ذلك في الفقه السياسي.

5. نتاجا عن النقطة السابقة وجدت الحاجة لوجود ممثل للتشريع السماوي على الأرض وهو بديل –تطبيقي- لرأس العلاقة الأفقية الدائرية، مما ينفي عن "الحاكمية" مقاربتها القائلة بأنها تؤسس للتراتبية الأفقية الدائرية كما في الصلاة و الطواف وتجعلها أقرب للتراتبية السلطوية التي يدعي أصحابها –الحاكمية- انقلابهم عليها.

لذا فإذا كانت الحاكمية تستقي من التراتبية الأفقية الدائرية مثالها ومبتغاها، توجب عليها ألا تقحم نفسها في خصوصية العلاقة في الطواف والصلاة بين العبد وربه وألا تجعل نفسها وسيطا بكل ممثليها وشهدائها بين طرفي العلاقة في الصلاة والطواف.

6.أليست المماهاة بين علاقة الحاكم و المحكوم في التراتبية السلطوية البشرية التي يحكمها القانون والمؤسساتية المدنية والسلطة وتلك للعبد وخالقه في العبادات القائمة على الحاجة البشرية لخالق مسبب للقيمة في التجربة الإنسانية ومجيب على الكثير من لتساؤلات الإنسانية الميتافيزيقية هي تعطيل لحرية المحكوم بالرفض والقبول والمشاركة والنقد و المسائلة ويجعل العلاقة بين الحاكم و المحكوم حينها هي علاقة
تقوم على الوثنية واعتبار الحاكم لا تجوز مراجعته ونقده ومساءلته؟؟

وإذا كان:
(كل ما يحتمه الإسلام هو إزالة القيود التي تجعل الانتخاب غير ممثل لحقيقة الرأي في الأمة، فلا يكون الناخب تحت رحمة صاحب الأرض أو صاحب العمل أو صاحب السلطان كما هو واقع الآن).
ألا تجعل الحاكمية الناخب (لاحظ استخدام لفظ مصدره مرفوض) تحت رحمة المتحدث باسم السماء أو وكيل لله على الأرض؟؟

7.ذلك النوع من التراتبية السلطوية التي أسست لها "الحاكمية" باسم "الحاكمية"، بدعوى نقض التراتبية السلطوية –كمظهر وجودي أجوف من مظاهر الرفض الأيديولوجي الجهوي – لا يلبث أن ينقلب على التراتبية السلطوية ذاتها، إذ يؤسس لتراتبية سلطوية صلبة لا تقبل الخلاف و الرأي الآخر بحكم أن أحزاب الله لا تعدد وأحزاب الشيطان والطاغوت عديدة، كما أنها تجعل من العنف المقدس لتفعيل تلك "الحاكمية" وأساسها "الواحدية" إنما هو لزام كما الجهاد المقدس، ومن يسقط من ذلك ضحية إنما هو شهيد بكل منطق محتمل للكلمة... لتصبح "الحاكمية" هاهنا تأسيسا للوثنية التي تدعي محاربتها.


البيعة والانتخاب في الحاكمية:

أغفل أصحاب " الحاكمية" في قولهم :
(الحاكم في الإسلام يتلقى الحكم من مصدر واحد هو إرادة المحكومين و البيعة الاختيارية هي الطريق الوحيد لتلقي الحكم)*8
أن كلمة محكومين أعلاه هي إشارة لجعل البشر هم مرجع الحكم، ولكن جعل البشر هم مرجع الحكم ألم تعده "الحاكمية" نفسها من "الوثنية"، أي الشرك المفضي للكفر؟ وفي لفظ آخر "جاهلية"، وعلى أساس ذلك قامت حركة التكفير المجتمعي و تكفير السلطة؟؟ كيف يمكن أن يحكم الحاكم من مصدر واحد تمثله/تقدمه البيعة وهو إرادة المحكومين، وتلك الإرادة لا تتعدى على إرادة الله؟
ناهيك عن السؤال: من يمثل إرادة الله وهو الذي احتجب خلف سماء؟؟؟
ألم ير أصحاب فكرة "الحاكمية" أن إشارتهم المائعة للبيعة هي إشارة تغفل السياق التاريخي الإسلامي للبيعة؟
ذلك السياق الذي ينتج لنا تساؤلا واضحا: البيعة هي لشخص ما، ولكن كيف تم اختياره وعلى أي أساس وبأي استحقاق؟
ألم تأت بيعة كل خليفة أو أمير للمؤمنين من قبيل تحصيل الحاصل وبعد تعيين سلطوي يعكس اختيارا محددا معياره السلطة فقط؟؟
ألم يؤد الفراغ الدستوري في حالة سيدنا عثمان والذي سببه غياب الميكانيكا السياسية في الفقه السياسي الإسلامي، ذلك الفراغ الدستوري – الذي كان من عديد مشاهده البيعة – الذي أدى لعمار بن ياسر –للمثال لا للحصر- أن يكون عنصرا من الثائرين على خليفة رسول الله سيدنا عثمان بن عفان، وكلاهما ياسر وعثمان من صحابة رسولنا الكريم؟؟
ألتلك البيعة علاقة بقميص عثمان؟ أوليس ذلك القميص هو من صور الحيل الأيديولوجية على وزن (رفع المصاحف على أسنة الرماح) و(الإسلام هو الحل)؟؟

إن القول بأن الشهيد صاحب "الحاكمية" إنما غلبت عليه لغته الشعرية والأدبية في كتاباته مما يستلزم منهجية معينة للمقاربة والقياس – وذلك صحيح – إلا أن وجودية تلك المنهجية لا تنفي عنه كونه ردا لفعل لا يختلف عن الظروف و العقلية العسكرية التي أنتجته في حينها سوى أنه تتدثر بدثار الإسلام، الذي هو كما أي دين سماوي رسالته قائمة على التوحد لا الفرقة ولكن الحاكمية بذلك تجعله حيزا وصوليا وانتهازيا يقوم على رفض الآخر- المختلف سواء داخل حيز الـ(نحن) أو خارجها في حيز الـ(هم)، كما أن شرعنة العنف بل وتقديسه تحت ستار أيديولوجي لا يخفي من العقلانية إلا بقدر ما نفته الشبقية للسلطة والتجني على فكرة وحدانية الله والتاريخ الإسلامي المليء بالاحتواء للآخر والتفاعل الحضاري القائم على الحوار لا الاستنفار والتكفير المجتمعي.

لذا فإذا كانت الحاكمية تتناول "مشكلة الحكم" وهي لب السياسية وبما أن (جوهر الدين وروحه أنه يوحد لا يفرق، والدين الإسلامي هو دين "التوحيد" بإطلاق: التوحيد على مستوى العقيدة : إله واحد، والتوحيد على مستوى المجتمع: (أمة واحدة)، و التوحيد على مستوى فهم الدين وممارسته: "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء"، أما السياسة فجوهرها وروحها أنها تفرق: السياسة تقوم حيث يوجد الاختلاف أو حيث يمكن أن يقوم اختلاف، و بالتالي فهي إلى أن تكون "فن إدارة الاختلاف" أقرب منها إلى أي شيء آخر. والإدارة أو التسيير تعني هنا إدارة الاختلاف القائم، وإما العمل على خلق اختلاف آخر جديد. ومن هنا كان ربط الدين بالسياسة – أيا كان نوع هذا الربط ودرجته – يؤدي ضرورة إلى إدخال جرثومة الاختلاف إلى الدين. والاختلاف في الدين إذا كان أصله سياسيا يؤدي ضرورة إلى الطائفية ومن ثم إلى الحرب الأهلية... والتاريخ الحاضر منه والماضي شاهد على ذلك: فمنذ زمن عثمان، أي منذ أن بدأ توظيف الدين في المجتمع الإسلامي توظيفا سياسيا والاختلاف فيه قائم والحرب الأهلية لا تبدأ إلا لتقوم من جديد، وبصورة أو بأخرى ولكن دائما بتوظيف الدين في السياسة نوعا من التوظيف)*9.



________________________________________________________________________________


الهوامش:

*1- ستتم خلال المتن في هذا المقال الإشارة للسيولة اللغوية.

*2- من كتاب وجهة نظر للدكتور الجابري – مركز دراسات الوحدة العربية – ص123

*3- راجع مقال سابق للكاتب بعنوان: في الأيديولوجيا والذي ورد في التالي:
لذا كان الخطاب الأيديولوجي، يتمحور حول هدفين إثنين:
1. المنع من التذرر : (ATOMIZATION)
التذرر هو لفظ مشتق من الذرة وهي أصغر الوحدات المكونة للمادة أو المركب والتي تحمل الخواص المميزة له، أي أن الخطاب يعمل على منع تفكك عرى الجماعة (كمادة :المادية / كمركب: العضوية)، التي تشترك في مفهوم واحد نسبي التطبيق متماه مع صورة الحق الجمعية و الاستحواذ المعرفي للقيمة المطلقة لديهم، ويستمد شرعيته بحسب المصلحة و الفائدة العامة للجماعة، و المتمثلة في أبسط صور الحضور و إثبات الذات.

2. المنع من الفردانية : (INDIVIDUALISM)
الأصل في الإنسانية: (الإنسان) قبل أن يصبح تمثيلا أيديولوجيا: إثنيا، طائفيا، قبليا، عرقيا، ميثولوجيا أو أي نوع من الأيديولوجيات كان. وذلك لأن الأيديولوجيا هي نتاج مجتمع أو هي نشاط اجتماعي نسبي وليست نشاطا فرديا في البداية، في حين أن المجتمع نتاج إنساني. الفردانية هي عودة الفرد لحالة الإنسانية المستقلة وليست المتفردة، أي أنها إتحاد الفرد بذاته الممكنة وليس ذاته المثبته، لذا كانت الأيديولوجيا تصوير لحالة من البقاء الهوياتي للمجتمع وما ينسحب – قسرا – على البقاء الفردي، لتصبح حينها أي مقاربة لعلم الأفكار المطلق ما هي إلا خروج عن النسبية النسبية للأيديولوجيا، تنتهي بتصويرها مأسسة لحالة من الفوضى والعبثية وانعدام القيمة في إحدى صور السيطرة بالخوف، في حين أنها مسألة لا تنفصل عن المخزون المعرفي الإنساني: الفردي والجمعي، إلا أنها ترفضه سقفا محتوما بالثبات والحق المطلق.

*4- سيد قطب: معالم في الطريق، ص 136

*5- ومنه القول بمنتهى المزايدة و التفتيش في القلوب ووكالة السماء: الإسلامي أفضل عند الله من المسلم.

*6- اقتباسا وشكرا للدكتور الجابري وليرحمه الله، وليرحمنا بعده.

*7- من كتاب وجهة نظر للجابري – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – 124

*8- سيد قطب: الإسلام والرأسمالية ص 73

*9- من كتاب وجهة نظر للدكتور الجابري – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – ص106

رابط المقال على صفحات مجلة عرب ال48:

Thursday, 24 June 2010

في نقد النوسطالجيا : في الفكر (1) : الثابت و المتحول


" إذا كان الاتفاق حاصلا على أن الديموقراطية أخص خصائص الليبرالية الغربية (المظفرة) بعد إنهيار المعسكر الإشتراكي ، ووقع الاختلاف حول امكانية تعميمها كونيا. فقد قال هنتنغتون بأنها ستكون ضمن القيم الحضارية التي ستشكل مدارا لصدام الحضارات بين الغرب و الحضارات الأخرى ، في حين قال فوكوياما بأنها ستغزو العالم في سياق سيادة النموذج الليبرالي ككل".*1

لطالما رفض كلا التنظيرين لفوكوياما وهنتنغتون ، ضمن ما رفض من مظاهر الهيمنة الغربية ، إلا أن حالة الرفض الجهوي – المطلق غالبا – للديموقراطية و المدنية كحق انساني وقيمة كونية كنتاج ليبرالي جهوي يؤسس ل:

1.الموافقة الضمنية على ادعاء هنتنغتون بالاستحواذ الجهوي - الغربي لمنتج كالديموقراطية، وتصويره على أنه كتلة صلبة لاتفكك ، إنما تؤخذ كلها أو ترفض جلها ،ناهيك طبعا عما يؤسس له ذلك من غياب للعقلية النقدية التفكيكية التركيبية و التي تنتهي باعادة البناء مما يفسر غياب البديل ، وتباعا عملية الرفض المطلق و الغير منتج كنوع من إثبات الحضور.

2.القبول بأن المجتمع المدني و الحقوق المدنية ومنها الديموقراطية ، و الإستسلام للمناداة بها ماهو إلا إستسلام لسطوة النموذج الليبرالي الغربي، الذي هو بحسب فوكوياما سيغزو العالم لضمان نهاية سعيدة للتاريخ الإنساني – في صورة لقيمية مطلقة يفرضها حضور ازدواجية : سعادة وبؤس- ، وما في ذلك القبول من تجاهل للتراكم المعرفي السياسي الإنساني والدور العربي في ذلك التراكم و الذي لم يكن تيار : الرشدية اللاتينية*2 مثاله الوحيد.

في حين أنه من غير الخافي على أي باحث او مراقب للساحة السياسية أن كلتا الأطروحتين السابقتين – لهنتنغتون وفوكوياما – هما نتاج الرغبة في تلميع الوجه الإمبريالي الأمريكي عالميا و إعادة تقديمه في منطقة الشرق الأوسط و الأدنى و آسيا. وهنا اشير لما قاله المفكر العربي د.عزمي بشارة في كتابه : (في المسألة العربية : مقدمة لبيان ديموقراطي عربي ) حيث قال : "لم يكن مذهب المحافظين ]الجدد[ أساسا وإنما لاءم هذا المذهب سياسة الولايات المتحدة ومصلحة تطبيقها في مرحلة التعبئة وضرورة استغلال أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 ، ولكن الثابت هو مصلحة الإمبراطورية" *3.

وهي نفس الحقبة التي طغت فيها موجه (النيوليبراليين) خطابيا ومنه فكريا في صورة هزات إرتداداية ، تنبع من نفس المركز. وتبعا للفعل ورد الفعل أنتج ذلك ايضا زيادة مضطردة في عدد أنصارشيطنة الدولة الحديثة و القيم الحضارية والرفض الجهوي كنوع من إثبات الوجود ، و الجدب المعرفي بتوظيف أحد أهم الأدوات الأيديولوجية – كما هي أي أيديولوجيا – وهو الخطاب الذي غرق في القراءة المكانية لا الزمانية للتاريخ و المعرفة الإنسانية .

" إن أي محاولة لعزل فكرة الديموقراطية عن المهام الوطنية و القومية ، وعن الاستقلال عن الحكم الأجنبي ، يحرفها عن مسار تطورها التاريخي الخاص"*4.

فكذلك هو الحال ايضا إن تم رفضها جهويا بالاطلاق أو احتكارها (بالمغالبة لا المشاركة) ، بما يمنع استنباتها بأي شكل من الأشكال ضمن الأنشاق التي تراعي الخصوصيات الحضارية للشعوب ، فاتحا الباب لطرح بدائل ايديولوجية ، يقدمها الخطاب الأيديولوجي الغير أمين و المتلاعب بالعواطف مغازلا العصبيات و الإنتماءات ، ومختصرا الوطن في أيديولوجيا الإستقطاب الأغلبوي (من الأغلبية) ، شاحذا عقليات الإستنفار لا الإحتواء كرد فعل من نفس جنس الفعل طارحا من البدائل صورا قديمة ومشوهة (التشوه هاهنا ليس بالإطلاق إنما بالمقارنة و القياس مع التراكم المعرفي الحضاري الإنساني الآني) لاتكفي لمواكبة ميكانيكيات العمل السياسي الحالية.

إن مشاهد نوسطالجيا كالإنعزال و التقوقع و أنماط الرفض الوجودي المطلق جهويا /خارجيا ، أو حتى أيديولوجيا/داخليا ، غنما تعمل (باسم الحق المطلق) على شرعنة تحويل – أو بالأصح قصر- معيقات الدمقرطة العربية ، إلى معيقات تآمرية غربية ، وذلك الإقتصار أو التحويل ، إنما يعمل على تجاهل ما أسماها بشار "المسألة العربية" كأحد أهم معيقات الديموقراطية في المنطقة ومن اهمها : "انقسام المعارضات بين اصوليات وسياسات الهوية ، وتأثير الإقتصاد الريعي*5 ، وحالات تريف المدن وتطور قوى تقليدية مدنية في مواجهة الدولة ، مع تهميش حقيقي للأحزاب ودورها أو تحييد للقوى الليبرالية ، أو الحداثوين مابين الدولة و القوى التقليدية"*6.

إن حالة الجدب الفكري التي اسست لها النوسطالجيا ، بشرعنة الرفض الجهوي كشرط ايديولوجي وجودي في ظل انعدام النقد الذاتي ، وما نتج عن ذلك من الإلتصاق الماضوي وعدم طرح بدائل تتناسب مع الزمان و المكان الآنيين ، أسست تنظيريا لإعتبار الديموقراطية شأنها شأن الأنظمة السياسية "الجاهلية" : إنتهت "إلى مايشبه الإفلاس" *7 ، متجاهلة حقيقة أن السياق التأسيسي للديموقراطية عربيا هو سياق يجب أن يقوم على الخصوصيات الحضارية و التي يعتبر الإنسان – أي إنسان - بعيدا عن أيديولوجيته أو جهته هو اللبنة الأولى لها ، و ان يتماهى ذلك السياق مع عناصر الزمان و المكان ، فمشروعية البحث عن ديموقراطية عربية يكمن في الشروط المعرفية و النظريات السائدة غنسانيا و التي غدت تشرع لإمكانية تجريد الديموقراطية من منبعها الجهوي ، بالتفكيك و التأسيس ومن ثم إعادة التركيب ضمن سياقها و إطارها الإنساني ، بما لايفقدها نسبيتها المطلقة كمعرفة فتتحول لأداة ايديولوجية ، وفي نفس الوقت تصبح صنما معرفيا يتعبد الناس في محرابه ولا يعلمون عن نعمه شيئا.

على الساحة العربية تطفو الضرورة لملافحة بين الثقافة العربية و الديموقراطية ، ملافحة وجب عليها السير في اتجاهين بنفس الأداء :

الماضي : بمسائلة مايعد من الثوابت أو المرجعيات أو النظام المعرفي و أدواته اللغوية بما يضمن ديناميكية الإنطلاق للغد.

المستقبل : بالتعاطي مع الآخر على أرضية أفقية واحدة من دون استحواذات أو استقطابات للحقوق المطلقة – إن كان هناك حقوق مطلقة – تاركة الآخر مذنبا أو جانيا متآمرا بالحتمية ، لايجازى على براغماتيته بقدر ما يعاقب على تقاعسنا.

ومن هنا ننطلق للنقطة التالية و التي تعد الثقافة بثابتها ومتحولها من أهم تجلياتها ، وتلك النقطة هي الفكر.

*******************************************

الفكر

يمكن تقديم الفكر ضمن محورين إثنين *8 : الفكر كمحتوى و الفكر كأداة:

- الفكر كمحتوى : هو بنية (جملة) الأفكار و الآراء التي يعبر بواسطاتها (جمع/مجموعة) من الناس عن علاقاتهم ، وآرائهم ، ومشاكلهم و إهتماماتهم ، ويتم بها –البنية- تصوير العلاقة التي تربط ذلك الجمع / المجموعة بالله (الكينونة الأرقى) و الإنسان (الأنا و الآخر كأساس لفكرة المجتمع) ، و الطبيعة (المحيط) : معتقدات / طموحات / رؤية / علاقة.

وهو ماتوحي به عبارة مثل : الفكر اليوناني / الإغريقي / الغربي / العربي ، وغيرها.

- أما الفكر كأداة : فهو مجموع المباديء و الآليات و المفاهيم التحليلية و الإستنتاجية و النقدية المسهمة في البناء الفكري (معرفيا أو/و أيديولوجيا) ، و الفكر كأداة هو اكتساب من خلال العلاقة مع الأنا المحيط (احتكاكا و/أو تراكما) ، لذا تظهر أهمية وقيمة الآخر في الاحتكاك و التراكم .

ينتج لنا الفكر/المحتوى ضمن عديد ماينتج الكثير من العقول ، فهناك العقل الاجتماعي و الأخلاقي و السياسي ، وذلك الأخير – وهو موضوع حديثنا – يمكن تقديمه على إنه كممارسة /فعل و أيديولوجيا ، هو فعل جمعي لأنه ظاهرة جماعية تستقي مرجعيتها أو حيزها الوجودي من الأيديولوجيا وليس المعرفة ، ونلك الأيديولوجيا المؤسسة للخيال الإجتماعي الجمعي وهو :

جملة التصورات و القيم و الرموز و الدلالات و المعايير التي تصور الأيديولوجيا السياسية في فترة تاريخية أو حاضرة كنظام معرفي مطلق مما يعطيها بنيتها اللاشعورية ومبرراتها الوجودية وشرعيتها كمعبر وحيد عن ذلك الجمع .

ونظرا لأن الخيال الإجتماعي/ الجمعي ، هو منتج أيديولوجي وليس نظاما معرفيا ، فذلك الأخير : هو جملة المفاهيم و الإجراءات و المباديء الديناميكية التي تعطي للمعرفة التاريخية في فترة ما في ظل تفاصيل الزمان و المكان بنيتها المعرفية النسبية المادية.

لذا كان دخول النظام المعرفي في نطاق الخيال الإجتماعي / الجمعي هو عبارة عن سلسلة من عمليات التجميل و الإضافة و الحذف و التعديل و التنقية الإختيارية ، التي تقدم في النهاية منتجا أو بالأصح استنتاجا أيديولوجيا/معرفيا انتقائيا ، يعمل على كسب البراءات أو القناعات ، ويمكن رؤية ذلك جليا بملاحظة درجة (التباين المعرفي) بين البنية المعرفية المعاد انتاجها وتعليبها ايديولوجيا النظام المعرفي ، وماينتج عن ذلك من (التخصيص الجمعي) لذلك المنتج ليصبح (خاصا) بجماعة معينة ، كما هو ظلها ، متى إشتد عليها قيظ الشمس وأصبحت عامودية إحتواهم الظل ولكن دون أي وجود طولي خارج موطيء قدم تلك الجماعة على الأرض . ذلك الإحتواء الإنتقائي يوظف جميع ميكانيكيات الفكر الأداتية من :

البيان : التشبيه والإستعارة و التمثيل و التورية و القياس .

العرفان : المماثلة و المماهاة.

الإستقراء و الإستنتاج.

توظيفا يخل بموضوعية تلك الأدوات ، بتفعيل نسبية النسبية (كمظهر ايديولوجي) وليس نسبية الإطلاق – زمانيا ومكانيا- (كمظهر معرفي). وهنا يتبدى لنا مايصفه المفكر الفرنسي ريجييه دوبري باللاشعور السياسي حيث يقول :

"فكما أن الشعور لا يشكل جوهر الحياة النفسية للفرد فإن المؤسسات و التصورات السياسية لا تؤسس جوهر الحياة السياسية للمجموعات البشرية . ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم السياسي ، بل وجودهم الإجتماعي الذي يحدد ذلك الوعي ، وهو خاضع لمنظومة منطقية من العلاقات المادية القاهرة ، وتلك المنظومة حاضرة وثابتة عبر مختلف أشكال المؤسسات القانونية و الفلسفية".*9

وهنا وجبت الإشارة إلى أن الديناميكية الموجودة في تلك المؤسساتية الفلسفية و المعرفية هي ديناميكية موتورة ، تعمل وتتفق وتختلف تحت سقف الاتفاق الأيديولوجي الأوسع و الأكبر ، مما يعطي الإدعاء بالديناميكية رونقا ولمعانا خداعا ، يضفي على تلك الأيديولوجيا قدرة أكبر على منع التذرر و الفردانية بادعاء التعددية انتقائيا ، ووجود مخالب وقت الحاجة.

ويكمل دوبري قائلا :

"الناس لا ينتجون هذه العلاقات من خلال الروابط التي يقيمونها بينهم (بحرية) (؟؟؟) بل انهم هم أنفسهم نتاج تلك العلاقات التي تخلق لهم ترابطاتهم تلك".*9

ويلزمنا غيراد جزء من فكر ايرنست رينان الذي ناقش فيه العقيدة – أي عقيدة وليس بالمنطق الديني فقط – وحالة التمذهب الاعتقادي التي أسست للعقل السياسي باعتباره عقلا جمعيا وليس عقلا فرديا ، ومقدار البذل لتلك الذات الجمعية حينئذ :

"نحن لانضحي إلا من أجل الأشياء التي ليس لنا بها معرفة يقينية ، فالناس غالبا يموتون ويضحون من أجل آرائهم وهي ظنون وليس من أجل حقائق معينة ، أي من أجل مايعتقدون به ، وليس من أجل مايعرفونه"....فما الحال إذا كان ذلك الإعتقاد حقا مطلقا بإسم السماء ، سماء تجمع الجميع تحتها.

لذا كان الإعتماد اعتقاديا على الرمز / التشبيه/المماثلة / النص الأوحد ، وليس على الإستدلال و المحاكمة العقلية ، فالأيديولوجيات كالعقائد تعتمد البيان وقلما تستند للبرهان.

يمكننا ان نتساءل :

بما أن السياسة فعل كأي فعل له محدداته وتجلياته بوصف السياسة سلطة تمارس في مجتمع إنساني (أنا /آخر) لها محدداتها و أطرها ودوافعها ، وتجلياتها النظرية و التطبيقية و الإجتماعية ، وكل ذلك قوامه : العقل السياسي .

و السياسة كعلم أداتي وبراغماتي (قائم على المصلحة) للعلاقة بين الأنا و الآخر في المحيط الواحد ، يمكننا تبين مدى تأثر الاشعور السياسي على الأداء السياسي كفعل ، ويمكننا رصد محورين لعلم السياسة :

المصلحة : وليس مرادفها القيمة ، فالمصلحة هي الفائدة الأكثر نفعا ، وليست الإنعكاس التطبيقي للثنائية المعروفة : المادية/ المثالية.

الآخر: وهو ليس مرادفا للآخر الديني الذي يصوره استحواذ الحق المطلق.

لذا لطالما كانت الدعوة للديموقراطية عربيا لدى تيارات النوسطالجيا هي حالة من التماهي مع (المقاومة و الجهاد) للطاغوت الأكبر : الغرب .

لذا كان الموقف من الديموقراطية باعتبارها نظام حكم ايجابي لدى شق من الحركات الإسلامية الراهنة في الوطن العربي صادر عن مراجعة نقدية ذاتية أنتجتها مصارعة طواحين الهواء في تجربة تلك التيارات في الثلث الأخير من القرن العشرين، وهو موقف قلما حدث وقلما مر مرور الكرام ، موقف كاشف عن عقم المسالك العنفية الرفضوية التي لم تجد فارقا بين المستعمر –كبداية التوظيف السياسي للدين – والفريق السياسي في الوطن الواحد*10 ، طمعا في بلوغ دفة العمل السياسي و السلطة . وهو موقف يعترف بنجاعة العملية الديموقراطية فقط كوسيلة للتعبير عن الأغلبية وليس لتمثيل الكل ، والتأسيس المعرفي الموتور للعملية الديموقراطية على أنها فقط عملية تصويت . وهنا وجب بالطبع الإشارة للمظاهر عقلية التفتيش و الرفض الجهويين التي قوبل بها – للمثال لا للحصر- تيار اسلاميون ليبراليون في السعودية و الذي يعتمد من منهج مالك بن نبي.

لذا كان الإعتقاد هو المهم وليس مضمونه ، أو كما يقول كانط بالنسبة لمقولات الفهم بوصفها مفاهيم وقوالب :

هي سابقة للفعل السياسي ، تؤسسه وتمده بالطاقة الضرورية له كفعل تضحية وكفعل تحريض"*11

وبعبارة أخرى للدكتور الجابري :

"....هي أشبه بالدوافع الاشعورية المؤسسة للسلوك مع الفارق أن الأمر لا يتعلق بمعطيات سيكلوجية بل ببنية رمزية مكانها ليس العقل ولا الفهم بل الخيال الإجتماعي :إنها عبارة اللاشعور السياسي المحركة للخيال الإجتماعي و الذي بدوره يحرك الفعل السياسي"*12

الهوامش :

1.من مقال للباحث سهيل الحبيب ، من مركز الدراسات الإسلامية – القيروان - تونس

2. الرشدية الاتينية هي مذهب فكري اصلاحي ينسب لابن رشد يعتبره البعض امتدادا للفكر الإنساني وهو –الرشدية اللاتينية – أحد أهم مصادر الإصلاح الديني في أوروبا التي أسس لها مارتن لوثر.

3. (المسألة العربية : مقدمة لبيان ديموقراطي عربي ): د.عزمي بشارة ص 32 :مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت .

وجبت هنا الإشارة لملاحظة بسيطة : نظرا للتبعية الحكومية للإعلام العربي و الرقابة الإعلامية يخفى على الكثيرين من غير اهل التخصص ان العديد من الأطروحات بخلاف تلك لفوكوياما وهنتنغتون قد تناولت ذات الموضوع منها مثلا تقارير شيريل بينارد الصادرة عن مؤسسة راند و التي كان منها مثلا : أسلام مدني ديموقراطي : الشركاء و الموارد و الإستراتيجيات . و الذي صنفت فيه الكاتبة تيارات الإسلام السياسي لفرق ، لتستنبط الجاحة لإستيلاد إسلام جديد أميركي المولد، وجدير بالذكر أيضا أن تلك التقارير لشيريل راند كانت أحد أهم بواعث رد المبدع د.إدوارد سعيد أكاديميا وتاريخيا وعلميا على أطروحات الصراع الحضاري وحتميته ، في كتابه : في تغطية الإسلام ، والقضية الفلسطينية.

4. (المسألة العربية : مقدمة لبيان ديموقراطي عربي ): د.عزمي بشارة ص 43 :مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت .

5.الإقتصاد الريعي : هو مصطلح لابن خلدون ورد في اشارته للعامل الإقتصادي في علم العمران حيث قال :

"الدولة الريعية هي التي تجمع أموال الرعية وتنفقها في بطانتها ورجالها ، يكون دخل تلك الأموال من الرعايا وخارجها في أهل الدولة ثم فيمن تعلق بهم من أهل المصر و هم الأكثر فتعظم بذلك ثرواتهم ويكثر غناهم وتتزايد عوائد الترف ومذاهبه لديهم".

6. (المسألة العربية : مقدمة لبيان ديموقراطي عربي ): د.عزمي بشارة ص 263 :مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت .

7. سيد قطب : معالم في الطريق : دار الشروق ص5.

8.إشارة واجبة لفكر الدكتور الجابري.

9.Regis Debray : Critique de la Raison Politique: Paris, Gallimard 1981 , p.179

10.Albert Hourani : AHistory Of The Arab People : London, Faber & Faber ,1991

11.Michel Curtis: The Great Political Theories From The French Revolution To Modern Times : London, Harper Perennial Modern Classics 2008.

12.نقد العقل العربي : العقل السياسي العربي : مركز دراسات الوحدة العربية , بيروت 2007