Sunday, 24 April 2011

في نقد النوسطالجيا (11) : الخاتمة : المرجعية الحضارة / القيمة لا السلطة / القوة

إن ما تشهده الإنسانية ومجتمعها الإنساني كونيا من الثورات والتحولات والانهيارات والإخفاقات والإنجازات، والمطالب الوجودية والعناوين الحضارية، تكشف عن ديمومة حركية وحيوية المحرك الإنساني الأول: الفكر.
وتيار النوسطالجيا ليس بشذوذ عن ذلك الانتماء الفكري الإنساني (مبدئيا)، ومن هنا فأي مقاربة للفكر الإنساني يمكن تطبيقها عليه من حيث أن الفكر يمكن تقسيمه إلى عدة مستويات (أبعاد) فاعلة ومترابطة عضويا، وهي بالترتيب:



1.المستوى الأول: الهوية:
الهوية بكل تعاريفها ومقارباتها، هي ما يعطي للحيز الوجودي حدوده وتفاصيله ودوره، بما هي ازدواج والتباس، أي أنها –بعبارات أخرى- ليست كائنا أو كينونة صافية ثابتة، تتساوى / تتماهى مع ذاتها، إنما الهوية هي عملية "إدراك" و"مساءلة"، و"تحول" و"انفتاح"، أي أنها بقدر ماهي مركبة وملتبسة، فهي سوّية ومفتوحة على تعدد الأبعاد والوجوه، وديمومة القراءة الذاتية ومنها للتحول، ذاتيا وعلاقاتيا، مع الذات والآخر.*1.
لدى التعامل مع "الهوية"، يجب تذكر –على الدوام- أن "الهوية"، إنما هي نقيض الثبوتية والجمود، إلا في حالة الموت بجميع صوره منها الحضاري والسياسي وليس الجسدي فقط - أو التعبير الراديكالي المختزل عن الذات، وفي جميع تلك الحالات فالتعبير عملية معطوبة-. وبما أن "المرجعية" باعتبارها مصدرا من مصادر التعريف الذاتي للهوية –وليس الوحيد أو هكذا يجب أن تكون- فإن القول بثبوتيتها وجمودها إنما هو حكم على الهوية كعنصر فاعل على الساحة الإنسانية فيما عبر عنه مالك بن نبي عامل مؤثر في "التحليل النفسي للثقافة"، ومن ثم حالة من الموت الفكري.


لذا فالمرجعية هي "أداة" لفهم الإنسان والكون والمحيط والعالم والمجتمع الإنساني والغيب، وليس الإنسان والعالم والمجتمع الإنساني والكون أدوات إثبات لتلك المرجعية، وهذا بناءا على أن ازدواجية العلاقة بين الطرفين (الإنسان – المرجعية) هي علاقة بنيوية مبنية على الحركية الدائمة لا ثبوت طرف لصالح الآخر، حيث:
- الإنسان: حركية فكرية.
- المرجعية: حركية استيعابية (تنتهي بالتفسير والاحتواء).

ومن هنا فالقول إن المرجعية هي أقرب ما يكون لـ"إطار" تعريف، إنما هو قول ينتفض نقيضا على نفسه وعلى الادعاء بالاستيعاب، فتلك المرجعية – الإطار، وما يقتضيه القول الإلهي بكمالها الإلهي المطلق، يجب لذلك أن تتحرر من تفاصيل تفترضها تفاصيل الخطاب الوصفية لها كإطار:
أولا: القصور في "الإستيعاب" لما وقع خارج إطارها، فالاستيعاب – ومن ثم المواجهة – هو فقط لما يقع ضمن فضائها المحدد بالإطار – إطارها، والإطار مهما اتسع فلن يحتوي إلا الصورة.

القصور في الاستيعاب مع أن الأصل في الفعلين (داخل وخارج الإطار) إنما هي أفعال جذرها الإنسان ونماذجه الفكرية أيا كانت، وهنا يصبح الفعل الإنساني – فكريا واقعا ضمن فضاء تلك المرجعية بالاستيعاب والمقاربة والقياس، أي أنها أداة بقدر شرحها للعالم والكون والغيب والإنسان، من منظور بذاته إلا أنها تحتويه أولا وأخيرا.

ثانيا: لوصف "المرجعية" بالـ"إطار" منظور أيديولوجي يختزل أي مقاربة موضوعية لها باعتبارها فعلا أيديولوجيا، تستلزم قاعدته "شذوذا" حيويا لصحة تلك القاعدة المرجعية. بلفظ آخر، لا تستوي تلك المقاربة من دون وجود طرفين لا تعدو "المرجعية" أن تكون تعريفا رأسيا للعلاقة بينهما: "مع" أي داخل الإطار، و"ضد" وهم القاطنون خارج ذلك الإطار، أي أن الإطار وجوده لايعتّد به لذاته ولا لقدرته الإلهية –المدعاة- على الاستيعاب، إنما هو من يعطي للـ"نحن" والـ"هم" صفتهما.

هنا تولدت الكثير من الأعراض المرضية الأيديولوجية، كالرفض الجهوي، وهو الرفض الذي تحدده الجهة: خارج الإطار، والذي لا يعد رفضا – كمقاربة موضوعيا، بقدر ما هو إثبات وجود وعلاقة طرفية مع الآخر وليست علاقة موضوعية على أرضية فكرية (أرضية تضمن حق القبول والرفض الموضوعي)، وإن استند على خطاب مطعم بالكثير من الأدوات السوسيولوجية الصحيحة، الذي يعتمد على منطقة اللامنطق وليس تحليله.

ثالثا: ولأن أي ثابت أيديولوجي – مقدس كما في الحالة بين أيدينا -، يستلزم ربطا عضويا بين السلطة والمعرفة، وهو – الربط- أولى أدوات الأيديولوجيا، نشأ هناك نوع من التراتبية السلطوية (الهيراركية)، داخل تلك الحدود الثابتة والمؤطرة، وهو ما يتجلى واضحا على الساحة السياسية، من القول بأن "الإسلامي" أفضل من "المسلم"، فقط لأنه اعتبر العمل السياسي وحدة تعبيرية أيديولوجية فرضها على الآخر هو نوع من التقرب لله، وإحقاق شريعته في الأرض، فتحول الدين من منهج روحاني قيمي إلى منهج سلطوي أو أقرب ما يكون برنامج حزبي.

ولذلك الطقس السلطوي الهيراركي المتدثر – كذبا- بالدين في تاريخنا السياسي العربي إرث متراكم، ولكنه يظل شاذا على العقل السياسي العربي – الإسلامي جذرا- والذي أثبت انفتاحا على الآخر – أي آخر، بشكل متميز. من ذلك الإرث –دوما- الحيلة الأيديولوجية الأولى التي تمثلت في رفع المصاحف على أسنة الرماح، وتلاها للمثال لا الحصر: عندما ربط الأمويون بين طاعتهم والاستسلام لهم، وبين "الإسلام" ربطا لغويا، وعلى الساحة الحالية نجد الكثير ممن يستخدم نفس الربط، وهنا يحضرنا مقولة أبي ذر الغفاري الشهيرة: "عجبت لمن لا يجد قوت يومه ولا يشهر سيفه"*2.

إن المقاربة الأكثر دقة – من منظورنا- لفكرة "المرجعية"، إنما تحول تلك الأخيرة من حالة التماهي والتطابق التام مع "الهوية"، بما يضمن موتها وشلّلها، إلى "أداة" لفهم ديناميكية وعلاقاتية العالم والكون والمجتمع والإنسان، وليست أداة تثبيت أو تقرير له، لما في ذلك من أدلجة ما لا يؤدلج.
وتلك المقاربة، قد اعتمدت نفس اسلوب القياس التمثيلي "الأليغوريا أدبيا"، الذي اعتمد المرجعية باعتبارها "إطارا"، فالمرجعية هي أقرب ما يكون إلى "مركبة فضائية" منها يستمد "رائد الفضاء" الحياة ليعيش في ظروف لا تتناسب وإياه ولا توفر له أساليب الحياة وشروطها، ولا يستطيع حينها –رائد الفضاء- الابتعاد عن تلك المرجعية – المركبة، إلا بما تسمح له هي من "أدوات"، باعتبارها مصدر الحياة في تلك الظروف بعينها.

ولكن ضمن حدود الأرض، تصبح المركبة – المرجعية أداة لتحصيل وتقنين المعرفة (ماديا وروحانيا) وتقديمها ضمن النسق الإنساني كاملا بما تمثله الأرض من أرضية مشتركة لكل البشر وليست استحواذا لفريق دون آخر المتمركز ذاتيا، وذلك باعتبار سمو ما تقدمه المرجعية من إجابات مختلفة تتعلق بالكون والإنسان والعالم والغيب.

المفارقة بين "الإطار" و"المركبة":
ولأن الكينونة البشرية – إنسانية في بذرتها وستأتي الإشارة للأساس الإنساني الفردي في متن المقال- تحتوي على عنصري الوعي واللاوعي، متلازمين معا، فالفعل الإنساني لا بد له أن يتلقى شيئا مفهوما له – ضمن تفاصيل الحاجة الملموسة النسبية -، بما يمكنه من الاستدلال على ما يفوق إدراكه، والعقيدة الشاملة – بمرجعيتها المدّعاة – يجب عليها أن تلبي حاجة هاذين الجانبين من دون تصنيف لما هو خارج وداخل إطارها، فتصبح حينها كاملة الاحتواء للجذر الإنساني كاملا، وإلا حولت إثباتا لنسبية الملموس لا إثباتا لإطلاق غير الملموس، مؤديا إلى تحول تلك التلبية والاستيعاب، إلى فجوة قيمّية إستحواذية، مؤسسة لمشهدين أيديولوجيين سلطويين وليسا حضاريين هامين:
1. الغاية تبرر الوسيلة وبالذات إذا كانت غاية تحقق القيمة الضدية (مؤمنون وكافرون / خير وشر...إلخ).

2.داء الإصطفاء.

إلا أن لتلك الفجوة القيمّية الضدية مستويين:
أولا: نسبي: يتعلق بقضايا المعرفة نفسها، لا بأدلجتها، واستحواذها وفصلها المستحيل عن النسق الإنساني، ذلك الفصل الذي لا يستطيع إلا أن يكون فصلا رأسيا، في حين أن المعرفة الإنسانية وإن تمت "نمذجتها"، إلا أن حل تلك النمذجة بهذا الشكل الانفصالي لا يزيد الفكر الإنساني إلا تمركزا وزيادة في منسوب الأيديولوجيا، في حين أن المعرفة الإنسانية، هي نتاج تشبع القيمة الروحية بمظاهرها المادية كأجوبة لتساؤلات فكرية مبررة لا تقف أما موانع، ولا يمكن أن تكون مظاهرا اصطفائية.
ثانيا: المطلق: المتعلق بالأسئلة الوجودية الكبرى، وهو لا يتحدد بالأجوبة الشافية عن أسئلة مثل اصل الإنسان والوجود والخلق ومصير الإنسان، مهما ادعى أي دين حيازتها، بقدر ما يتحدد بارتباطه بالمستوى الأول ليصب في النهاية في البعد الأهم من المرجعية: القيمة.

ومن هنا يمكن القول إن "الهوية " وإن كانت مرتبطة عضويا بالمرجعية، فديناميكية المرجعية وليس ثبوتها وتصلبها وقدرتها على التصنيف الرأسي الأيديولوجي، لا بد لها أن ترتبط بالقيمة كعامل مؤثر ويؤثر في المرجعية كعنصر محدد للهوية.

وهنا تحضرنا قاعدتان فقهيتان هامتان: فيما يتعلق بالمرجعية: "لا إنكار في مختلف فيه" و"من وسع علمه قلّ إنكاره"، وللقاعدتين أهمية خاصة لاحتوائهما على توصيفات ديناميكية حركية تنسف ثبوتية الإطار وصنميته: الإختلاف وتوسع العلم.



المستوى الثاني: المنطق:
بمعنى أن الخطابات المتصلة بإنتاج المعارف حول الواقع، ليست مجرد أجهزة برهانية أو آلات منطقية أو حتى براهين قاطعة، أو إجراءات، إنما هي ضمن أجساد معرفية ونماذج معرفية.
وهنا تكمن الإنتاجية المعرفية والفكرية (الثقافية في المجموع)، والتي يجب أن تتحرر من الربط العضوي الأيديولوجي، بين النموذج المعرفي وإجراءاته (أولا) وتراتبية العمل بتلك الإجراءات (ثانيا)، وذلك التحرر يضمن الفصل بين الإجراء واستخدامه واستحضار النموذج المعرفي، محولا الإجراء إلى أداة، بلفظ آخر: تعطيل العقل الكلي (أهد أهم مميزات العقل الأيديولوجي).

بمعنى آخر، فإن استحضار عبارة مثل: "اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أهل الجحيم"، كمنهج وهدف فكري، هو استحضار يجعل من المخالفة – لمجرد المخالفة هدفا، فتصبح العلاقة مع النسق الإنساني هي علاقة إما "مع" وإما "ضد"، ولا يخفى على أحد مدى قصور هذه المقاربة وإن ادعت الفكر منهجا. كما أن الوصفية القيمية (أهل جحيم) تستلزم ربطا عضويا بـ(أهل النعيم)، فتصبح المقاربة الفكرية هي مقاربة مستحيلة، فمن يرتضي أن يقارب فكر (أهل الجحيم)!! من متلازمات "داء الإصطفاء" الكاذب.
أي أن القبلة الفكرية هنا –وكأي قبلة أيديولوجية- لا تتحدد لذاتها بل تتحدد بمدى مخالفتها (أو بالأصح تضادها) مع القبلة الفكرية لهؤلاء "أهل الجحيم"، أي أن الخطاب المتناول لـ"المرجعية" هنا يفعل ذلك ثبوتيتها كخط مستقيم وصراط فيصل بين "نعيم" و"جحيم" لا لذات تلك المرجعية واستيعابها... فالفرق بين النعيم والجحيم واضح، ولا مجال للمقاربة.
قد يرى البعض أن استحضار و/أ وتوظيف خطاب مطّعم بالكثير من الإجراءات التي تنتمي لنموذج معرفي بذاته، إنما هو استحضار لذلك النموذج، ووجهة النظر تلك على وجاتها – ظاهريا-، تعريها حالة الجدب الفكري وغياب الابداع، لارتباط العقل القياس – في هذه الحالة- عضويا بالنموذج المعرفي للآخر – أهل الجحيم -، فيصبح النقد حينها هو نقد أيديولوجي لا يستوي إلا باستحضار فشل النماذج المعرفية الأخرى ككل، وليس لنجاح النموذج المعرفي ذاته*3، فيحول الاختلاف الحضاري هدفا بذاته ولو كان اختلافا من باب إثبات الوجود الأجدب. (من دون المساس بالعناصر الهوياتية المعبرة حضاريا).
وشهد التاريخ الأمثلة الكثيرة من مفكرينا الذين رفضهم العقل الجهوي الأيديولوجي على مدى تاريخه القديم والمعاصر والحديث، وإشهار سلاح التكفير كمشهد صراعي أثبت العقل أنه سلاح الجاهل والفقير، وإن طعّمه بقراءاته المشلولة للنصوص الدينية والتاريخية، وقد تمت الإشارة لعقلية التكفير وارتباطها بالمصلحة والمادة في جزء آخر من الدراسة*4.


المستوى الثالث: البنية:
إذا كان الواقع الانساني ككل واقعا متحولا ومتغيرا، فالمعارف المنتجة حوله لا بد لها أن تكون كذلك ايضا، بل إنها لا تقبض عليه، وإنما تسهم في استقرائه وتحويله واستشرافه، ومن هنا فالأفكار الفاعلة (بإجراءاتها ونماذجها) ليست قوالب محضة (على عكس فكرة الإطار)، بقدر ما هي شبكة متعددة ومركبة من العلاقات تسهم في تحويل الواقع، بقدر ما تنفتح على التحوّل (عكس الدوران في فلك الثبوتية المؤطرة)، ومن هنا فمصداقية الفكرة الخصبة بل وحتى "المقدسة"، على فتح إمكان للتبادل والتفاعل والتحول والتجاوز، على سبيل إعادة التركيب والبناء بلغة التحويل الخلاق، لا باعتبار ثبوتية نص لا يمكنه إحتواء الحقيقة المطلقة، مع تعطيل "السؤال الحر".

وتلك البنية فيما يخص النوسطالجيا – على الساحة الحالية – يعري عورتها الأيديولوجية، حالة الاستيراد المطلق لمنتجات ما فتئت أن "أكلت آذاننا" بخطابها الدائم الرفض لها باعتبارها إجراءات من نماذج "أصحاب الجحيم"، في حين أن تلك الإجراءات "التي يشيطنها ذلك العقل الأجدب" هي التي يستخدمها العقل الأيديولوجي في صراعاته للسلطة، تبعا لقاعدة نسبية – سياسية بحتة: "الغاية تبرر الوسيلة"، ولكن الدين ليس نسبيا.

المستوى الرابع: الفاعلية:
الفاعلية تبنى على ديمومة مساءل البنية، ضمن متغيرات تفاصيل الزمان والمكان، فالفاعلية هي الجزء البراغماتي والخلاق والمنتج، فالأفكار ليست كائنات فراغية لا أبعاد لها، إنما هي "إمكانيات للتداول"، تحتاج لمعالجات خاصة، لا يحددها التنظير أو القيم المطلقة للفكرة فقط، إنما تحررها من قيود الاستحواذات الأيديولوجية، وتفعيل عنصر أخلاقي هام: "القيمة الإنسانية"، وهي القيمة التي تحددها الفردانية كبذرة للجماعة وليس العكس، وإلا تحولت "القبيلة" إلى "القبائلية" و"الطائفة" إلى "الطائفية" و"المذهب" إلى "المذهبية" *5، وما يكشفه الفرق الاصطلاحي من شحنات موجبة محايدة وغير منحازة في الأولى، وسلبية انحيازية قائمة على الإقصاء والتمييز في الأخرى.


من هنا كانت المقاربة للنوسطالجيا باعتبارها "فكرا"، يجب – في منظورنا- أن تتم من خلال تلك المستويات الأربعة: الهوية / المنطق / البنية / الفعالية، مع التركيز على أن العلاقة الرابطة بين تلك المستويات لست علاقة فراغية، إنما هي علاقة:
 1.هرمية: تبدأ من القاعدة الأعرض (الهوية) للقاعدة الأضيق (الفاعلية).
2.عضوية: أي أن الإرتباط بين تلك القواعد أو المستويات هو إرتباط عضوي تفاعلي، فشل الأول (الهوية )، ينتهي بفشل ما بعده. (كما يعري لنا واقعنا).

إن الخلل العضوي والهرمي في المستويات البنائية السابقة، يتمظهر في الكثير من شواهد ساحتنا الفكرية العربية، باعتبار تراكبية وتداخل العلاقة بين العروبة والإسلام تداخلا حيويا لا يستوي من دون الإسلام كعنصر ثقافي وقيمي وفكري وحضاري (وليس فقط سلطوي) هام جدا في القياس النقدي، ومن تلك التمظهرات:

الاستقراء التاريخي:
الاستقراء التاريخي، لمجريات التاريخ السياسي العربي – الإسلامي تحولت بفضل الكثير من العوامل *6 لاستقراء "خرائطي"، لمجموعة من الجزر السلطوية وليست القيمية في "أرخبيل" سلطوي، العلاقة بين جزره علاقة مكانية – مادية - سلطوية وليست زمانية –قيمية- فكرية. بكلمات أخرى أصبح الارتباط التاريخي ارتباطا "تراكميا" بدأ من "المدينة" و"مكة" وصولا إلى "الأندلس" و" بـ"البصرة" و"الكوفة" و"دمشق" و"القاهرة"، و"القيروان"، وغيرها وليس ارتباطا "تعاقبيا بين كل تلك الجزر، مما يعني التورط الفكري والحضاري مع الآخر ومنتجه. هنا نشير للإرث الخلدوني التاريخي، حيث ذكر ابن خلدون في كتابه:

" أما بعد فإن فن التاريخ، في ظاهره لا يزيد عن أخبار الأيام والدول والسوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطوف بها الأندية، إذا عضها الاحتفال (...) وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق..."

أشار الإرث الخلدوني فيما يتعلق بالتاريخ، لنوع من الربط العضوي بين "العمران" و"التاريخ"، ولكن ولأن عطبا عضويا و/أو هرميا في علم الأفكار متى تأدلجت، يؤدي لحرمان "التاريخ" من أرضيته المعرفية، وتحويلها إلى أرضية " سردية"، تنقسم إلى نصفين منفصلين وثابتين: تاريخ"هم" وتاريخ"نا"، والفيصل بينهما حد السيف.."المرجعية"، وهي تمظهرات أيديولوجية، لا تعد أدلجة المعرفة (وفي ألفاظهم أسلّمتها)، هو نوع من أنواع الإنفصال عن التاريخ والنسق الإنساني، وهي مظاهر لا تظهر غلا في عصور الضعف والانحطاط، بينما في عصور ازدهار الحضارة العربية والإسلامية في الأندلس للمثال، كانت الملكة الإسبانية إيزابيل التي تمت برعايتها محاكم التفتيش بـ"تطهير" الأندلس من الإرث العربي، كان فستان زفافها مطرزا بحروف عربية.

وبالعودة لذلك الاستقراء للتاريخ، فذلك "التأريخ" ليس له أن ينتج "معرفة"، أو أن يفسر الأحداث بالأسباب، إنما هو يقرأ التاريخ في فلك "إقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم" وما يستلزمه ذلك من إثبات الفروق القيمية، وللتأريخ هنا أن يعظ وللحاضر أن يتعظ، بما يؤسس للإطار فقط فاصلا بين "الجحيم" و"النعيم" وأهلهما، وتصبح العملية التاريخية إنما هي سرد مسطح يقفز على تفاصيل تاريخية وحضارية خلقت لكل حضارة ونموذج تمايزه وفعاليته وإنتاجيته ضمن تفاصيله، وهو ما يعرف بالخطاب التاريخي الأيديولوجي*7، وهنا يتحول "التأريخ" إلى مفهوم "حكائي" يدور في فلك الناقل وموقفه لا المنقول وسببه، كل ذلك على حساب "العمران" البشري كعلم، لصالح مادية الملموس العمراني كمنتج، لا مسببه. إن التأريخ هو علم "بكيفيات الوقائع"، وليس مجرد "إخبار"، وتلك قضية معرفية أساسية لها علاقة بتحديد المفهوم العلمي للتاريخ، فالخبر من حيث هو مادة "المعرفة التاريخية" –ومشهدها الملموس- يسمح ويستلزم السرد، أما الواقع فهو كمادة للمعرفة التاريخية، لايسمح بالسرد لأنه في بنيته المعقدة ليس حدثا، بل علاقة، أو مجموعة شبكية مركبة من العلاقات، التي هي بالقطع أكبر من المرجعيات المؤطرة، لوقوع أجزاء منها داخل وخارج المنظومة التعريفية الثابتة للإطار، لذا فهي أكبر من ثنائياتها الثابتة وأبعادها.

إن تلك المركزية الذاتية الأيديولوجية المعطلة في عملية الاستقراء التاريخي، تتمركز متخذة من ذاتيتها مركزا للفعل الإنسان وهي أحد أهم تجليات "داء الإصطفاء" الميكافيللي، محولة من تلك المركزية الثابتة، مركزية قيمية، وتصدر منها خطابها الأيديولوجي المتعالي، بهدف الحفاظ على جميع التراكيب العقائدية الدوغمائية الهادفة لتبرير وتنميط الأيديولوجيا، وإختصار وعي المؤمن في السلطة كالطريق الأول للقيمة*8، والسلطة هي دوما منتج إجتماعي (أي أنه وليد المجتمع: أكثر من فردين – طرفين حاكم ومحكوم ) وذلك يبرر القراءة الخلاصية الدائمة للخطاب الأيديولوجي، في حين أن الحضارة هي فعل إنساني.

إن الانتقال من الحيز السلطوي لفكر النوسطالجيا للحيز الحضاري، يجب أن ينطلق من الحيز المجتمعي السالف الذكر إلى الحيز الإنساني، وهنا تظهر قيمة "الفردانية الإنسانية" كعنصر مفكك للأيديولوجيا، هو انتقال للفكر من مجال التطبيق ضمن (الأنا والآخر) التي تحولت سلطويا إلى (النحن والهم)، إلى مستوى إنساني قيمي، وهو منشأ الحضارة ولنا في الفكر الإسلامي الكثير من شواهد تلك القيمة الفردانية في خلق الحضارة، ورسولنا الكريم الذي كان إنسانا فردا في مواجهة جمع كامل (الإنسانية قاطبة) وقس عليه جميع الرسل من قبله، وكذلك الكثير من أدبيات التعامل الإنساني في المخيال الجمعي الإسلامي حضاريا كقوله (ص):

(لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فشرطية الإيمان ومن ثم تراتبية الفرد – الأصل، ومن بعده الآخر، هي تراتبية لم تأت اعتباطيا في ظل عدم تحديد "الأخوة"، لتصبح أي أخوة إنسانية، فلا ثمرة – جمعية من غير بذرة فردية، أي أن "الإنسان هو الحل" وليست الأيديولوجيا.

فتلك النزعة الفردانية التي أسس لها الإسلام وإن كانت تخضع للفلسفة القرآنية التي تبتغي رضا الله في كل الخطوات الإنسانية الفردية إنما تجعل مع العلاقة الذاتية مع الله هي علاقة فردية قبل كل شيء، فيقول تعالى:
(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)، وذلك مع الإشارة لإلغاء الدين الإسلامي للوسطاء بين الله وعباده، وبأن (كل نفس بما كسبت رهينة) (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. من يعمل مقدار ذرة شرا يره).

ويقول أرنولد توينبي عن دور النزعة الفردية في بناء الحضارات:
"إذ لكل انسان مواهبه الخاصة وشخصيته المميزة، والإبداع البشري هو دائما نتيجة لجهد فردي معين، وهذه القدرة الفردية الخلاقة هي رأس المال الوحيد الذي يملكه الأنسان، والمجتمعات التي أعطت الفرد الفرص الضرورية للقيام بعمل منتج هي المجتمعات الأكثر تقدما وتطورا، وعندما تقيد هذه الفرص بمطالب سياسية أوعائلية، فمعنى ذلك شلل القدرة الإبداعية للأفراد، والانسان الذي يمتلك مواهب شخصية ممتازة يستطيع استخدام هذه المواهب بطريقة أخلاقية خيرة كما يستطيع استخدامها للإضرار بمصالح الآخرين، وهذا يعني أن النزعة الفردية يمكن أن تؤدي إلى نتائج ضارة بالمجتمع إذا لم توضع تحت السيطرة الأخلاقية ]القيمة الإنسانية كما يطرحها الكاتب[ ويبدو أن الغرب قد أطلق العنان لهذه النزعة فكانت نتائجها سلبية على حساب الصالح العام وعلى صعيد العلاقات الإنسانية"، وهنا تظهر المسؤولية الأخلاقية كواجب إنساني وليست كاستحواذ ايديولوجي*9.

في النهاية يجب أن نشير إلى ضرورة التركيز على الواجب الإنساني، باعتباره أصل الإنسانية وليس الأيديولوجيا فيما يتعلق بالدراسات المتعلقة بالنصوص الدينية، والتي نقسمها إلى:
أولا: القراءة الإيمانية أو اللاهوتية، وهي قراءة ذات أدوات أرثوذكسية هيراركية، تعطل العقل لصالح النقل، وتضيق حيز التأويل، لتبقي العقل الفردي حبيس الدوغمة المغلقة، لصالح تمظهر الجماعة سلطويا لا حضاريا، وتلك القراءة تستلزم نوعا علاجيا من الفكر التفكيك أو بالمصطلح الفوكوي "الحفر المعرفي"، من خلال مناهج كشف القيمة، وهذا سينتهي بنا إلى القراءة الثانية وهي قراءة يتحول فيها النص من المركزية الاهوتية إلى مركزية إنسوية، ضمن حيثيات النقد التاريخي والتحليل الألسني المتعلق باعادة إكتشاف المعنى والقيمة كمرجعية ديناميكية وهي قراءة تطبيقية تركز وتنطلق من مسؤولية الإنسان الحضارية.



العالم بستان سياجه الدولة - الدولة سلطان تحيا به السنة - السنة سياسية يسوسها الملك - الملك نظام يعضده الجند - الجند أعوان يكفلهم المال - المال رزق يجمعه الرعية - الرعية عبيد يكنفهم العدل - الهدل مألوف وبه قوام العالم

مخطوط 1936 المكتبة السليمانية اسطنبول الأطروحات السياسية ومبادئها المنسوبة إلى أرسطو كما صاغها ابن خلدون



___________________________________________________
رابط المقال على صفحات عرب ال48:
http://www.arabs48.com/?mod=articles&ID=80672


الهوامش:

1. الآخر هنا هو متسع بقدر ما من الممكن أن يحتويه الآخر: العالم الإنسان الكون والله والمحيط.
2. بما معناه.
وهنا تظهر لنا مدى الجهل المؤدي في النهاية إلى التطابق مع قراءات المستشرقين للإسلام، باعتباره أيديولوجيا، ففي النهاية كلها أيديولوجيات، في حين أن الدين أسمى وأعلى من عقول البعض وقراءاتهم السلطوية.
3. وهنا تظهر القراءة الانتقائية والأيديولوجية الجاهلة للتاريخ وكأنه علم سردي لا ينتج معرفة ولاهو علم علاقات.
4. التكفير عقلية ميكافيلية:
إن أيدولوجيا التكفير وبالرغم من استنادها إلى إرث تاريخي عقدي، تستمد منه طاقته الدافعة، إلا أنها لا تستطيع البتة إنكار حقيقة داعرة الوضوح بالشبقية السلطوية الباحثة عن شرعية "الرمز"، ذلك الرمز الذي جعل الحياة الرمزية إنما هي تعويض عن الحياة الاجتماعية لا ترجمة لها أو تعبيراً عنها، فشرعية "الرمز" المدعاة، والشبقية السلطوية لاستلابها تفترض خرساً في الرمز يستلزم وكيلاً عنه، يتحدث باسمه، وباسمه يتصرف وعنه ينوب.
في الأسس التكفيرية:

تنبني عقلية المُكفِر على عنصرين أساسيين يعطيان بنيته التكفيرية حيزها وماهيتها الثابتة وهما:

1. عنصر سياسي: يرتبط بجمل المصالح الاجتماعية التي تمثلها فكرة التكفير وتمنحها الشرعية والسلطة.
2. عنصر معرفي: يتعلق بالبديهيات غير المفحوصة التي تشتغل في وعي المكفر والتي غالباً ما يلجأ حيالها لسلاح التكفير وهو السلاح الأكثر عدمية أخلاقية.


5. بحسب تعبير المفكر عبدالله الغذامي في كتابه: "القبيلة والقبائلية أو هويات ما بعد الحداثة" – المركز الثقافي العربي – بيروت والمغرب - 2009.
6. وذلك بفضل عوامل كثير، منها: تقديس التاريخ الأيديولوجي، داء الاصطفاء، الغرق في قدسية السلطة متى كانت توكيدا لعلاقة بين "أصحاب نعيم" و"أصحاب جحيم"، على حساب موضوعية الفكر الإنساني وفصل القيمة عن السلطة.
7. من أمثلة ذلك: وصف المعتزلة بأنهم مجرد فريق ثوري خارج عن الملة، لم يقدموا شيئا للفكر الإسلامي، وكذلك التعامل اللغوي – الديني مع لفظ "فتح" فيصبح الفتح الإسلامي: من فتح الصندوق – اشتقاقا وإدخال النور على ذلك الصندوق المعتم، وما في ذلك من حكم قيمّي رأسي (عتمة ونور) على الآخر المفتوحة بلاده، والتاريخ العربي -الإسلامي أثبت عوار هذه النظرة المتعالية الأيديولوجية واختزاليتها الحضارية.
8. كالادعاء بأفضلية الإسلامي على المسلم، ويصبح المتبع منهج إسلامي سياسي هو أقرب لله من المسلم المؤمن لمجرد قبوله بتلك الأيديولوجيا معبرا دينيا عن صورة السلطة، ولا عزاء للحضارة إذا ما اختصرت في الكرسي والكرش.
9. يجب الإشارة هنا إلى الإرث المعتزلي متمثلا في حي بن يقظان مثالا لا حصرا.

Saturday, 2 April 2011

من أوراقي : "تلك"


هي امتداد للظل ، على حساب النور ،"تلك" البلاد ، ما أبشع أن يحيا المرء ضحية مرض إصطلاحي ، لايعي فيه الضوء من العتمة ، يرى الأول ولا يدركه ، وتبتلعه العتمة ، ولا يعترف.
بلاد ضيقة بامتداد ظلها ، تلك البلاد.
حينما تعرت أمامي تلك الفكرة ، شاخصة في ذهني ، عبّرت عن نفسها بكلماتها هي ، لا بكلماتي ، أليست كلمة "تلك" إعترافا بالتورط فيما وصفته الفكرة السابقة –بكلماتها- ؟
أغرق في عتمة الظل ، لا أدرك كنهه ، و أنفضه عني بادعاء كاذب ، مستخدما "تلك"، و كأنني أنا في الضياء و تقبع تلك البلاد في العتمة ، "تلك" العتمة ، و"ذلك" الظل ، ومزيجهما الكاذب حولي يفضحني ، ويفضح فقدا لغويا فيّ ، يزيدني في التورط اللغوي.
أوجه تحيا خائفة من سطوة ظل متشح بمادة أحيانا ، ودين أحيانا وبسلطة أحيانا أخرى.
أرواح تجهد نفسها في الكذب ، و إنتهاك الحقيقة ، تلوك السراب حقيقة ، وتجتره كذبا ، وتطرز له اللغة ،  بلاد لا تحضر إلا بقدر الإشارة في ضمير ، يخلق الحاضر سرابا بعيدا بقدر الواقع .
بلاد هي اضيق من حدود الأنوثة ، و الحب ، و اللغة ، بلاد تتمدد ، على قدر إنكماش الحب فيها  ، لتصَير اللغة فيها عجزا ، يتمدد ككائن رخو أسود لا معالم له ولا تعاريف ولا صوت ولا أبجديات ، يحيط بأهل "تلك" البلاد ، فيحيلهم  "كائنات ظلّية خرساء" معطوبي اللغة ، و الأنوثة و الحب.
اللغة التي و إن نصت على أن التضّاد ، يوضح المعنى ، يظل المعنى الوحيد لها ، أن التضاد هو الواقع و الرمز ، دون أن يحيلنا ذلك لأي معنى غيره ، فتصبح اللغة حينها دورانا في اللامكان كطقس وثني ، دورانا يختزل الإنسانية إلى مجموع حروف صوتية لا تلتقي لتكون معنى ، بقدر ما تتضاد...للتضاد ، وليذهب المعنى إلى الجحيم .
بلاد "تلك" التي تقدم هوية ، سرطانية لا تتماهى مع ذاتها إلا بضدية الآخر ، لاتوضح إلا بقدر ما توهم ، أليست وليدة "تلك" العتمة و الظل ، فيتقدس حينها الظل ، وتنهار التعاريف.

***************
اي الذوّات تتلبسني ، في "تلك" البلاد؟
مهلا.....

اللعنة على "تلك" ، وعلى "البلاد" ،بل اللعنة على "أنّاي" التي لاتملك شجاعة مواجهتي – على الأقل-  ، فتلقي على كل ماعداها "الظل و "اللغة" و "البلاد" و "الضمير" اللعنات .
 اللعنة على عجز التعاريف و التخيل ، اللعنة على الرمز و الواقع ، اللعنة على المجاز و البيان معا ،  المجاز الذي خلقته "تلك" ، و البيان الذي تعريه "البلاد" ...فكلاهما لن يحتويا "تلك" البلاد ، بامتدادها وضيقها.

*****************

أي البلاد "تلك" ، التي لا يملك أحد فيها شجاعة الاعتراف بالضوء إلا الشجر ؟
أي البلاد "تلك" التي ، تدفع أشجارها ثمن أمراض أهلها الإصطلاحية؟
أي البلاد "تلك" التي لاتملك حسما لعلاقة قديمة قدم الله ، بين الضوء و العتمة ، بين النور و الظل؟
أحسد الأشجار ، لشجاعة الإنتصاب دفاعا عني و عن غيري ، دفاعا عن حياتية الضوء ، في بلاد العتمة ، دفاعا عن معنى مهما إشتد التضّاد .
أحسد الأشجار أن إنتصبت دفاعا عن شجاعة "هذه" ، وجبن "تلك" في وصف البلاد.
أحسد الأشجار أن إنتصبت وقوفا ، في ظل ضيق الحب و الأنوثة و اللغة ، أن إنتصبت وقوفا في بلاد أضيق من "هذه" و "تلك" .

Wednesday, 19 January 2011

في نقد النوسطالجيا : (3) : في الفكر : (7) : التكفير عقلية ميكافيلية

في المجتمعات الحديثة، نجد "مواطن" و"مجتمع" و"دولة"، اما في عالمنا العربي، فهناك "مواطن" و"كيانات تقليدية" و"دولة"، إلا أن كل ركن من هؤلاء الأركان الثلاثة يتميز بما يخالف ما يؤسس له المصطلح، فلا المواطنة مواطنة، ولا الدولة دولة، ولا الكيانات التقليدية تقليدية.

يمكن القول إن "الكيانات التقليدية" كالعشيرة والطائفة والجماعة الدينية والقبيلة...إلخ، تقف حائلا بين المواطن و الدولة، إلى أن طغت على الدولة في العصر الحديث، وتلك الدولة دولة ريعية مترهلة ومركزية التي جعلت من مواطنة "مساكنة".

لذا وإن كانت الدولة في أمس الحاجة لإعادة هيكلة للبنية الداخلية لها، وتأسيس للقيم الإحتوائية لها –وليس تلك الإستحواذية –، فذلك لا ينفي -أيضا- الحاجة إلى تفكيك تلك "الكيانات التقليدية " وتحرير كتلها الحرجة، بتحليل للقوى فيها، وذلك للإرتقاء بالمنظومة ككل، إلى الحيز الحضاري خروجا من الدائرة السلطوية التي تشكل سقفا لتلك الكيانات التقليدية بكل ما يعتمل في أحشائها من مرجعيات مقدسة السلطة شبقية العنف.




لدى تشريح بنية كل تجمع بشري، يمكننا رصد وبوضوح ثلاثة تكوينات أساسية*1:
- المؤسسات التقليدية.
- منظمات المجتمع المدني.
- الدولة.
ويشكل التفاعل فيما بين تلك التكوينات الثلاثة، ما يمكن تسميته (رأس المال الإجتماعي)، والذي ينعكس في التضامن والتكامل والإحترام المتبادل في العلاقات السائدة بين الأفراد المكونين لذلك التجمع البشري، على مستوى أفقي، تجمعهم الدولة ككيان ذي مستوى رأسي، لنقطة البداية فيه زاوية لها ظل. وقبل الخوض في تفاصيل (رأس المال الإجتماعي) وتصنيفه، تجب الإشارة للنقاط الثلاث السابقة بالتعريف:

 أولا: المؤسسات التقليدية  

وهي التكوينات الاجتماعية التي تكون العضوية فيها "غير تطوعية"، أو بمعنى أكثر دقة "إجبارية"، وتتغير تبعا للعديد من التفاصيل الجغرافية والتاريخية والإثنية والدينية والأيديولوجية وغيرها، ومن أمثلتها: عضوية العشيرة والقبيلة والجماعة الدينية والمنطقة...إلخ، وتنبني هذه التكوينات على أساس ما يسمى "النزعة الاستبعادية"، حيث تضم تلك التكوينات هؤلاء الذين تنطبق عليهم الشروط و/أو الشرط للعضوية، وتنغلق أمام غيرهم.

ثانيا: منظمات المجتمع المدني

وهي المنظمات غير الحكومية (وغير الإرثية بالتعبير القانوني)، والتي تملأ الفراغ بين المؤسسة التقليدية والأسرة، وتعمل على تحقيق أهداف أعضائها بطرق سلمية: كالأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات غير الحكومية والأندية وغيرها، وإن كان لتلك المنظمات شروط إنضمام، إلا أنها شروط ليست استبعادية، لا على أساس الجغرافيا ولا اللون ولا العرق ولا الدين، إنما تقوم على أساس مشترك، كأعضاء حزب سياسي معين أو جمعيات موسيقية أو جمعيات حقوقية أو غيرها.

ثالثا: الدولة
وهي الكيان السيادي التعاقدي الأكبر المحتكر للسلطة وممارستها في إقليم جغرافي معين ضمن بروتوكولات سياسية شرطية ذات قنوات تنفيذ وتقنين منفصلة. وعضوية الدولة ليست استبعادية إنما استيعابية (وفي تعبير آخر احتوائية) فيما يعرف برباط المواطنة.


وانطلاقا من تلك الكيانات الثلاثة، قدم "ويليام وولكوك" الباحث السياسي في جامعة هارفارد نموذجا لقياس "رأس المال الاجتماعي" قائما على التفاعل بين تلك الكيانات الثلاثة في مصفوفة رياضية يتجسد فيها "رأس المال الإجتماعي" بنوعيه "العابر" و"الجامع"، وهي أطروحة قدمت من قبل عن طريق عالم الاجتماع الأمريكي الشهير روبرت بوتنام*2:

أولا: رأس المال الإجتماعي - الجامع:

 ويأخذ تسميته من كلمة bonding الإنجليزية، والتي تعني اللحمة والتماسك والإندماج في مواجهة "الآخر" المختلف الـ"مستبعد"، ويقصد بهذا النوع من رأس المال الأجتماعي – الجامع، تلك التنظيمات – سالفة الذكر – التي تضم هؤلاء المتقاطعين لا إراديا في عناصر ثابته كالعرق والدين والجنس وغيرهم، وتلك – التنظيمات - تعمل بوصفها "شبكة أمان" اجتماعي، وفي بعض الأحيان، تؤدي عمليات "التكثيف" لرأس المال الإجتماعي الجامع إلى تعطيل عمليات التلاقي والحوار المجتمعي، وهو ما رصدته إحدى الباحثات في محاولات بعض المؤسسات الدينية التي تضم أعضاء أنجلو ساكسون إلى إغلاق الباب أمام انضمام أعضاء جدد ينتمون إلى المجتمع الديني نفسه (المرجعية ذاتها) ولكنهم من جذور أفريقية *3، وتلك الحالة ليست ببعيده عن واقعنا العربي.

ثانيا: رأس المال الإجتماعي – العابر:
 ويستمد مسماه من الكلمة الإنجليزية Bridging وتعني الاتصال أو التجسير- من الجسر، أو التلاقي بين أفراد وجماعات من ثقافات مختلفة ومغايرة (وهي ضفاف الجسر المفصولة)، وتلك الكيانات مفتوحة العضوية، تحترم تعدد المشارب والمنابت و الثقافات، وتنطلق من أرضية "المشترط" بلا "استبعاد".

وانطلاقا من التصنيفين السابقين لرأس المال الاجتماعي، فإن التصور الأمثل لوضعية ذلك المجتمع، يتجسد في ارتفاع منسوب كلا النوعين مما يضمن:
1.تماسك الوحدات البنيوية المكونة للمجتمع.
2.الانفتاح بين تلك الوحدات البنائية لكل مجتمع، على أرضية واحدة.

أما ولأن ذلك الوضع هو وضع مأمول، توجب علينا النزول لأرض الواقع، لتتعرى أمامنا الاحتمالات المتعددة للعلاقة بين رأس المال الاجتماعي بنوعيه، ومن تلك الاحتمالات وهو ما يهمنا بالأخص هاهنا:

حالة ارتفاع منسوب رأس المال الاجتماعي – الجامع، و انخفاض رأس المال الاجتماعي – العابر:
حيث تظهر المجتمعات المنغلقة على أعضائها، وتقل الفرص الاجتماعية للتلاقي والتحاور، وفي المقابل يمثل كل حدث اجتماعي وسياسي على الساحة مشهدا من مشاهد الصدام والشماتة والتشفي المجتمعي في ذات الجسد المجتمعي بين الكيانات المختلفة، التي أغدقت على نفسها الكثير من مخيالات التمركز الذاتي، المتمثل في الكيان ككيان أوحد لهوية الدولة.*4


ولكن ما العلاقة بين كل ما سبق، والتكفير كظاهرة في الوعي – المدعى- إسلاميا؟

تاريخنا العربي والإسلامي في عصره الوسيط والمعاصر لا يخفي رابطا قويا بين ظاهرتين:

1.تدهور الدولة المركزية إما بضعف أصاب سلطانها أو مصاب أصاب مركزية حاكم أو/ و شخص مؤسس.
2.ظهور حركات العنف المقدس - التكفير.

ويتضح ذلك الرابط الديني - قناعا والسياسي – جذرا جليا في "حروب الردة" كمثال –مهما اختلفت تأويلاتها- لأول بيان رسمي يعلن ميلاد أيديولوجيا التكفير. وامتدت سرطانات تلك الأيديولوجيا المقدسة، لعثمان بن عفان من قبل معارضيه، وبعده علي بن ابي طالب أمام تيار "المستضعفين"، ممن ينتسبون إلى مرجعية صحابية "ثورية" مقدس مقابل مقدس *5، وأسرفت تلك العقلية في اجترار نفسها إلى أن أنتجت أول حيلة وأقدم حيلة ايديولوجية عدت اختصارا لكل تمظهراتها، وهي حيلة "رفع القرآن على رؤوس الرماح" في رمزية فاضحة تجمع النص الديني – الروحاني – المطلق، و الرماح – العنف – المادي - النسبي، حيث كان شعار الخوارج حينها "لا حكم إلا لله".
وهنا كانت الفواصل بين "الديني" و"السياسي" في أيديولوجيا التكفير ذائبة، بحثا في ظل غياب الدولة على عنصرين إثنين:
- السلطة
- الشرعية
وبالتقدم في سياق التجربة التاريخية، يتبدى لنا تهافت البنية المدعاة معرفية – فكرية – عقدية، لصالح الشبقية السياسية تجاه السلطة والشرعية، مثال ذلك تكفير أبو حامد الغزالي للفلاسفة في القضايا اللاهوتية الثلاثة (قدم العالم، والعلم الإلهي، والحشر والمعاد)، أو تكفير أهل السنة للمتصوفة كالحلاج و ابن عربي، بالتهمة المطاطة التي يسهل ويعاد تعليبها واجترارها: "الحلول" و"وحدة الوجود"، فما فعله الغزالي وابن تيمية و ابن القيم الجوزية في مواجهة "الباطنية" و "المبتدعة"، و الدعوة الصريحة لسفك دمائهم*6 والتي هي حرام حرمة "يومي هذا في...الحديث".
إن ذوبان الفيصل بين "الديني" و"السياسي" في تلك الأحداث يعريه السياق التاريخي لمسار السلطة السياسية، كمثال: الصراع السياسي بين السلطة السنية و المعارضة الشيعية المتنامية وقتها خاصة بعد انفراط عقد الخلافة ووحدة الدولة ومركزيتها، وتوزعها إلى أربع دول: أندلسية – عباسية في المشرق، فاطمية في مصر ومرابطون في المغرب.
كل ذلك، وبمعية مشاهد واقعنا العربي في المائتي سنة الأخيرة، ستتجدد فكرة التكفير وأسسها السلفية الحديثة التي تستفيد من عناصر إجتماعية وعالمية مختلفة، منها:

1.انفتاح فضاء الاتصالات، وسرعة انتقال المعرفة والمعلومة –بعيدا عن صدقيتها وموثوقيتها- في ظل أمية تعليمية ومن ثم ثقافية عميقة.

2.وضع حضاري وسياسي ومدني وحقوقي مزر، يؤسس للتجلي الأبرز لعبارة ماركس الشهيرة*7 وبالذات في شقها الثاني الأقل شهرة، "الدين أفيون الشعوب، ومتنفس المقهورين".




إلا أننا هنا يجب أن نتوقف لنوضح أن الفكر الإسلامي المعاصر يرث عن سابقه الوسيط ذلك التوتر الإشكالي الحاد بين الحقل الدلالي لمفهوم "الاجتهاد"، و الحقل الدلالي لمفهوم " البدعة"، إلا أن الفكر الإسلامي الوسيط وعلى الرغم من كل ما أبداه من إصرار شديد على التأقلم مع متغيرات الواقع وحوادثه، بما يضمن للمقدس (الديني) مرجعيته، لم يكن ليجد نفسه في حالة من الجهد والإرهاق الفكري الحاد الذي يضغط على استعداده أو يهز إطمئنانه واستقراره النفسي، وذلك لأنه كان يتعاطى مع نوازل طبيعية تقع ضمن دائرة (الممكن) الإسلامي، أي في مدار حيز فكري واجتماعي وفلسفي لم يكن عصيا على المقاربة الديناميكية الإسلامية، من ذلك أن الفكر الإسلامي لم يجد صعوبة تذكر (فيما خلا حالة الغزالي وأشباهه) في الانتهال من التراث اليوناني وهضمه وتكييفه مع الثوابت العقدية، ولم يرفضه رفضا جهويا –بادعاء "بناء المفاهيم" – لمجرد إثبات الحضور على الساحة على وزن أنا أرفض إذن أنا موجود، لذا كان في وسع الفكر الإسلامي الوسيط أن يمارس الاجتهاد بوصفه طقسا فكريا طبيعيا، وألا يلق بالا لمن يجحده السلطة أو الشرعية.
ولكن الحال يختلف لدى الفكر الإسلامي المعاصر، الذي باتت عقليته السجالية في مظهرها التكفيري أهم معلم دال على عقلية تطورت من "أنا أرفض إذن أنا موجود" إلى "أنا أكفِر إذن أنا موجود"، فالنوازل التي تقع على رأسه ليست وليدة مجتمعه أو "تقارب حضاري" مقدور عليه، إنما هي حقائق مفروضة عليه من مجتمعات وحضارات أخرى ألحقت به الهزيمة وأضعفت مركزيته ومرجعيته وأدخلت مجتمعاته في دائرة حضارية وفكرية واجتماعية وقيمية جديدة عليه، لذا يتوجب عليه التعاطي مع الممتنع عله يصبح ممكنا. ومن هنا بات "الاجتهاد" مقاومة للعقل السجالي، المستند على مقولات فكرية مسقوفة بتعطيل الزمان والمكان بما يكفل تعطيل التأويل والتفكيك والتركيب لصالح ثبوتية النص هم أصحابها الأول مأسسة حالة الخدر والكسل العقلي والنقدي، لذا باتت تلك المقاومة أصعب من ذي قبل لعديد العوامل:


1.جدب ذلك العقل السجالي وتعاميه عن واقع ديناميكية وتطور العقل الإنساني، في حالة ولا أفضل لتمثيل عقلية قوم نوح الذين أغمضوا أعينهم متى رأوا سيدنا نوح يبني سفينته، مقنعين أنفسهم أنه غير موجود... بمنتهى الغباء.
2. الاجتهاد بالنسبة للتكفريين إنما هو خروج ومروق عن الملة وليس محاولة تقريب.
3. إن رجال "الاجتهاد" لم يكتفوا في اجتهادهم – أصابوا أو أخطأوا – بمعارفهم الإسلامية فقط، بل أدخلوا إلى منظومتهم الفكرية الإسلامية معطيات نظرية ومعرفية جديدة مستقاة من "الآخر".
4. فكر التحديث*8 إنما هو بث حياة في العقل كفعل إنساني أصيل، وهو ما يستفز التيار المتحجر ( النوحي – نسبة إلى قوم نوح) المحافظ (والمحافظ لفظ قاصر عن إجمال الوصف).

إن أيدولوجيا التكفير وبالرغم من استنادها إلى إرث تاريخي عقدي، تستمد منه طاقته الدافعة، إلا أنها لا تستطيع البتة إنكار حقيقة داعرة الوضوح بالشبقية السلطوية الباحثة عن شرعية "الرمز"، ذلك الرمز الذي جعل الحياة الرمزية إنما هي تعويض عن الحياة الاجتماعية لا ترجمة لها أو تعبيراً عنها، فشرعية "الرمز" المدعاة، والشبقية السلطوية لاستلابها تفترض خرساً في الرمز يستلزم وكيلاً عنه، يتحدث باسمه وباسمه يتصرف وعنه ينوب.
في الأسس التكفيرية:

تنبني عقلية المُكفِر على عنصرين أساسيين يعطيان بنيته التكفيرية حيزها وماهيتها الثابتة وهما:

1. عنصر سياسي: يرتبط بجمل المصالح الاجتماعية التي تمثلها فكرة التكفير وتمنحها الشرعية والسلطة.
2. عنصر معرفي: يتعلق بالبديهيات غير المفحوصة التي تشتغل في وعي المكفر والتي غالباً ما يلجأ حيالها لسلاح التكفير وهو السلاح الأكثر عدمية أخلاقية.

وبقراءة متمعنة لتاريخ عقلية التكفير يمكننا القطع بأن إخراج المكفَر ( من وقع عليه فعل التكفير ) من دائرة الأمة (الروحية ) – جماعة المؤمنين، ليس إلا ترتيباً دينياً رأسياً يقصد به في الأساس – بجانب الاستحواذ القيمي – إخراجه من نظام الحقوق والامتيازات المادية والمعنوية. لذا فالتكفير كفعل أيدولوجي لا دين له إلا المصلحة البحتة، ورفع رأس المال الاجتماعي – الجامع الذي يؤدي لتفكيك البنية المجتمعية لصالح الجماعة أو الطائفة. أي أن التكفير وإن لبس لبوساً دينياً فلا يجب أن يصرفنا عن الخلفية غير الدينية التي تؤسس لها عقلية "الغاية تبرر الوسيلة"، وانعكاسها بمنظار السسيولوجيا الثقافية التي تستلزمها مراقبة مجتمعاتنا العربية وتفضح ظواهرها المادية، وصراعات قواها الداخلية الدينية، وذلك سببه يعود لمقاربة أيدولوجية غير أمينة لـ " مركزية الدين في الهوية والثقافة".
لذا نجد أنفسنا في موقع الرفض لمقولة حنة أرندت *9 إن العنف تاريخياً لم يترك مسيرة خطية واضحة تسمح بضبط تطور تصوراته، فبعد صدور عمل ميشيل فوكو عن المراقبة والعقاب، أضحى بالإمكان صوغ عملية تأريخ حاسمة لتكون الإمكانية "الحديثة" للعنف؛ حيث درس طبيعة التحول الذي أصاب عملية "السلطة" من مجيء الدولة الحديثة، بما أنها في الأساس دولة مراقبة، ما صيَّر طبيعة العنف مرتبطة بهذا الطابع الجديد للسلطة حيث أن العنف ارتقى من عنف صريح خارجي إلى آخر متخف داخلي في عملية مراقبة الأفراد *10، باعتبار الفرق بين العنف كمظهر مادي والسلطة كمظهر رمزي، واحتياج الأخيرة لذلك الأساس المشرعن، في تحويل واضح للأسس الدينية – نصياً التي تفصل بين العقيدة والغنيمة *11.
إن الإيمان بحيازة الحقيقة المطلقة هو المنبع النابض لأيدولوجيا التكفير، والذي يعطيها حيزها الوجودي اللازم لحمى زيادة رأس المال الاجتماعي – الجامع على حساب العابر، فقد تميزت الحضارة الإسلامية بإعطاء الحيز الأفقي اللازم لرأس المال الاجتماعي بنوعيه وحضور الدين الإسلامي فيهما بما يتناسب مع تفاصيل الزمان والمكان الحضارية، جاعلة من عقلية " أنا أكِّفر إذاً أنا موجود" تمظهراً للسقوط الحضاري والسلطوي، وليس تماسكاً فكرياً وعقلياً، ومن شواهد التاريخ:
1. مقولة المعتزلة معبرين عن أنفسهم أنهم "أهل عدل"، مقدمين العدل بتعريفهم "توفير حق الغير، واستيفاء الحق منه" *12.
2. " الرشدية اللاتينية " نسبة لابن رشد والتي أسست بحسب وصف مارتن لوثر لفصل سلطة الكنيسة عن علاقة الإنسان وخالقه، معلناً مولد البروتستانتية.
فمن مقولات ابن رشد: "... ومن العدل أن يأتي الرجل من الحجج لخصومه بمثل ما يأتي به لنفسه، أعني أن يجهد نفسه في طلب الحجج لخصومه كما يجهد نفسه في طلب الحجج لمذهبه وأن يقبل لهم من الحجج النوع الذي يقبله لنفسه" *13.


الظل لا يكشف الحجم الفعلي للجسد المعرفي بقدر ما تعري ظلاميته قدر طفولته الفكرية


إن القارئ لأغلب ما يأتي به أصحاب " العنف المقدس – المؤدلج "، لا يخفى عليه جنوحهم للدفاع عن ممارستين شاذتين:

1. ممارسة السياسة في الدين: بإخضاع الإسلام إلى متطلبات السياسة والمصلحة والصراع.
2. ممارسة الدين في السياسة: من خلال بناء موقع قوي فيها باسم "المقدس".
ومن هاتين النقطتين تتولد الحاجة للعنف – التكفير بحثاً عن شرعية بتلك الممارسات، وسلطة ممارسة المظهر القيمي الذي لا يستوي بنيانه من دون حضور "المدنس" الذي يقابل "المقدس".

فإن كان " الفكر الإسلامي لا يعرف فكرة "رجال الدين" كما عرفها الغرب المسيحي. إنما يعرف "علماء الدين" المتخصصين في دراسته وفقهه، أما بعد ذلك فكل مسلم رجل لدينه " *14. فالعنف إنما هو حاجة لسلطة ترتفع بمنسوب "رأس المال الاجتماعي – الجامع"، لمستوى سلطة الدولة وشرعيتها، ولكن "أن تكون الدولة إسلامية فليس لأنها دولة دين هو الدين الإسلامي إنما دولة المسلمين، ولأنها دولة المسلمين فمصدر شرعية السلطة فيها هو للشعب والأمة" *15.
كما أن "ليس في الإسلام سلطة دينية، سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر، وهي سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم، كما خولها لأعلاهم يتناول بها من أدناهم. أصلٌ من أصول الإسلام – وما أجله من أصل – قلب السلطة الدينية والإتيان عليها من أساسها، هدم الإسلام بناء تلك السلطة، ومحا أثرها، حتى لم يبق لها عند الجمهور من أهله اسم ولا رسم، ولم يدع الإسلام لأحد، بعد الله ورسوله سلطان على عقيدة أحد، ولا سيطرة على إيمانه" *16.

إن ارتداد بعض من كانوا بحسب تصنيف ويليام وولكوك "قوارض اجتماعية" إلى بعض "أقطاب" العنف وهيراركيته المقدسة، إنما هو ليس لبنية معرفية حضارية يسجله التاريخ، إنما هو لتجييش مشاعر جمهور ساقط سلفاً تحت وطأة الانسحاق والخلل الاجتماعي وغياب الدولة،" لتخرج من ذلك كله حمماً حارقة تصيب الجماعة والأمة في بقايا وحدتها وتماسكها واستقرارها المدني " *17، لتعطيهم حجماً "كرشويا ً" لا يكشف شيئاً بقدر ما يغطي عنهم أين يقفون في هذا العالم؟.


كان المرحوم ناجي العلي أول من أرّخ لعقليات الكروش العربية باختلاف تقيحاتها الأيديولوجية


***************************************************************
الهوامش:
 رابط المقال على صفحات عرب ال48:

*1: على ضوء دراسة بعنوان:"رأس المال الإجتماعي " للباحث الأمريكي ويليام وولكوك.
M.Woolcock, Social Capital and Economic Development: toward a theoretical Synthesis and policy framework, Theory and Society>
*2: وقد أعيد تقديم كلا البحثين في العدد ال29 من مجلة التسامح الفكرية الفصلية الإسلامية، الصادرة عن وزارة الأوقاف و الشؤون الدينية في سلطنة عمان.
*3: Margret Gelbert , Sociality and Personality , New Essay in Plural subject Theory.
وهنا تفرق غلبرت بين الالتزام الشخصي، والالتزام الذي يترتب عليه الشعور بالتضامن المشترك؛ في حالة الالتزام الشخصي يكون مصدر الالتزام الشخص ذاته، أما في حالة الالتزام المشترك فان مصدر الالتزام يكون خارجا عن إرادة الأفراد-الأعضاء جميعا، ويصبح هناك حق متبادل لكل عضو في المجموعة في الحصول على نصيب عادل من الدعم، في المعلومات التي تتدفق في أرجاء الكيان المؤسسي، ولايخفى العلاقة العضوية بين المعرفة والسلطة.
*4: لدى مراقبة تلك المشاهد – الأيديولوجية المركبة، على الساحة العربية، نلحظ غياب مؤسسات المجتمع المدني لحساب تكوينات الطائفة والعرق والدين، بعيدا عن الإشارة الأهم وهي غياب سلطة الدولة، الداعي لتلك التكوينات للمزايدة على منظومة الدولة وسلطتها، مستفيدة من خطأ الأنظمة عندما عملت على توظيف الدين – المذهب خطابيا بحثا عن شرعية مدعاة و مفقودة، لإستثارة سلطة أيديولوجية الأساس، وتلك عقلية "فرق تسد"، وهي التي أدت لإنتقال عدوى "الغاية تبرر الوسيلة" لتلك التكوينات الأيديولوجية، لتصدر خطابا يستحوذ دور الضحية واستعذاب فكرة الإضهاد ولو كذبا.
*5. بحسب تعبير د.محمد عابد الجابري – العقل السياسي العربي.
*6: راجع كتاب القسطاس المستقيم لأبي حامد الغزالي و الذي نادى فيه الوالي بقتل الباطنية لأنه بهم مس من الشيطان لا يزيله إلا السيف.
*7:The Marx – Engels Reader , Robert C.Tucker ,Norton
*8: وليست الحداثة.
*9: حنة أرندت: في العنف، ترجمة إبراهيم العريس، بيروت دار الساقي،1992
*10: Michele Foucault, Surveiller et Punir, Paris , Gallimard.
*11: حيث آيات " العقيدة " هي الآيات الأولى التي نزلت من القرآن الكريم تبشر الرسول (ص) بالرسالة وترد على طعون قريش وتعرض أسس العقيدة مؤكدة وحدانية الله لا شريك له، حيث ركز القرآن الكريم في هذه المرحلة على قضايا ثلاث: الوحي والتوحيد والآخرة بأسلوب بياني بليغ يعتمد التكرار والجمل القصار ونوعاً من السجع الخاص في الصور الفنية، ومشاهد حية تجعل منه أرفع درجات سحر البيان ( سيد قطب، التصوير الفني في القرآن الكريم )، والغنيمة هي الآيات التي انطلقت منها العقلية النبوية جاعلة من المختلف القيمي مصدر غنيمة كما جاء في وصف الطبري في كتابه الأمم والملوك وابن هشام في كتابه السيرة النبوية.
*12: قضايا في الفكر االمعاصر، د. محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية.
*13: المصدر السابق.
*14: حتمية الحل الإسلامي: الحلول المستورة وكيف جنت على أمتنا، د. يوسف القرضاوي.
*15: راجع راشد الغنّوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، مركز دراسات الوحدة العربية.
*16: محمد عبده: الاعمال الكاملة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.
*17: رفعت سيد أحمد: النبي المسلح – الرافضون، رياض الريس – بيروت.


Sunday, 21 November 2010

في نقد النوسطالجيا :(3) في الفكر :(6) : في اللغة شعرا

اللغة هي "أصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم " كما قال بن جني، وبحسب الجاحظ فوظيفة اللغة هي "البيان"، أو "الإنباء"، أو هي "الإخبار" كما ذهب المعتزلة، وبالأخص القاضي عبدالجبار الأسدأبادي.

لايختلف إثنان أن اللغة هي النتاج التعبيري عن العلاقة بين الذات و الذات من جهة والذات والموضوع من جهة أخرى، بوصف آخر هي العلاقة التعبيرية (إخبار/ تبليغ/ وصف/ بيان) عن الرابط بين الإنسان والإنسان، والإنسان والله، والإنسان والمحيط/ الكون.

إلا أن ما يجب علينا التشديد عليه هو أن اللغة وليدة الحاجة التعبيرية عن المجتمع الإنساني، لذا كانت درجة التماهي متقاربة حد التطابق بين الحاجة الإنسانية للمجتمع والحاجة الإجتماعية للغة – إنسانيا.

المعرفة و اللغة :

 "إن الفرق بين الإنسان والبهيمة، والإنسان والسبع والحشرة، والذي صَير الإنسان إلى إستحقاق قوله عز وجل : "وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه"، ليس هو الصورة، وأنه خلق من نطفة وأن أباه خلق من تراب، ولا أنه يمشي على رجليه، ويتناول حوائجه بيديه، لأن هذه الخصال كلها مجموعة في البله والمجانين، والأطفال والمنقوصين. والفرق إنما هو في الإستطاعة والتمكين، وفي وجود الإستطاعة وجود العقل والمعرفة. وليس يوجب وجودهما وجود الإستطاعة" (الجاحظ: الحيوان).

لذا كانت الإستطاعة والتمكين شرطا للمعرفة الحيوييّن، ومن هنا وجدت شرطية الإستطاعة / التمكين للغة بالتوازي باعتبارها أداة تعبيرية عن تلك المعرفة، بمنطقها الفردي / الذاتي، وبمنطقها الجمعي. "فحاجة الغائب موصولة بحاجة الشاهد، لإحتياج الأدنى لمعرفة الأقصى، وإحتياج الأقصى لمعرفة الأدنى....وجعل حاجتنا إلى معرفة أخبار من كان قبلنا، كحاجة من كان قبلنا إلى أخبار من كان قبلهم، وحاجة من يكون بعدنا إلى أخبارنا " ويكمل الجاحظ مفصلا أنواع البيان قائلا: "ولذلك فإن الله لم يرض للبشر من البيان بصنف واحد وجعل آلة البيان التي يتعارفون معانيهم، والترجمان الذي إليه يرجعون عند إختلافهم في أربعة أشياء.. اللفظ والخط والإشارة والعقد" (الجاحظ : الحيوان).

لذا فالمعرفة الإنسانية وأساسها العقل الإنساني وبذرته الفردانية (العقل : لفظ بفردانيته يميز الجمع كما المفرد والإنسانية : لفظ أصله مفرد دال على الجمع)، هو الوسيلة التي يتعرف بها الإنسان على ذاته الإنسانية، والله والمحيط، أما اللغة، فهي الكينونة التي يتمظهر بها الله والذات والكون / المحيط للإنسان، وبالتالي فالإستطاعة/ التمكين كما هي شرط للمعرفة هي شرط لللغة تعبيرا، ومن هنا فاللغة هي كما الإنسان وفردانيته : حالة من "التخلق" الدائم، الذي لا يعرف الثبات ولا السكينة إلا بالموت، "تعبيرا" عن الحركية المعرفية الدائمة والأبدية التي لا تعرف حدا، بجانبيها الحسي ماديا والميتافيزيقي روحانيا.

أبو الحروف : شخصية كرتونية قديمة مهمتها حماية اللغة

وبعيدا عن الخوض في تراتبية حركة العقل بين:

التصاعد:من جزيئات العالم المدرك حسيا / ماديا وصولا إلى مدركات الكليات العقلية والمفاهيم المجردة والقيم المطلقة، وما نتج عنه من أسبقية العقل على الشرع، وشرطية القناعة العقلية لفهم الشرع، أو

التنازل: من القيم والمفاهيم المجردة والكليات العقلية إلى جزيئات المادة المحسوسة ماديا، مع الإبقاء على عجز العقل على التفكر في شيئيات بذواتها بعديد الحجج -المطاطة- الرأسية.

يمكننا القول بأن اللغة في الحالتين تمثل إنعكاسا للمعرفة الإنسانية، تستلزم تحررا من الأنساق الأيديولوجية والثيولوجية المعطِّلة (بالإستعاضة عن الخجل اللغوي القائل بالتمكين والإستطاعة فيمكننا القول الحاجة للتحرر من الأسقف الفكرية والقيود أيا كانت لضمان تمام التمكين والإستطاعة)، باعتبارها – اللغة- علما دلاليا قائما على الملاحظة والتسجيل والشك والتجربة. وهنا يحدثنا الحارث بن أسد المحاسبي، الذي يعده الأشاعرة أساس مدرستهم أن الدلالات نوعان :

"عين ظاهر، وخبر قاهر. والعقل مضمن بالدليل، والدليل مضمن بالعقل، والعقل هو المستدل، والعيان والخبر هما عله الإستدلال وأصله، ومحال كون الفرع مع عدم الأصل، وكون الإستدلال مع عدم دليل. فالعيان شاهد على الغيب، والخبر يدل على الصدق ". ومن هنا يتبدى لنا الرابط العضوي بين اللغة كعلم دلالي و العقل كعملية معرفية يمنح القيمة الدلالية للعيان الظاهر أو الخبر القاهر القيمة وتستلزم تلك العملية وجود حرية للعقل واللغة معا، لا تتولد إلا بالتحرر من القيود المعرفية والأيديولوجية إرتقاءا من مستوى لآخر.

ويعري كل ذلك، تهافت تعطيل العقل لصالح النقل، ومدى انعكاس ذلك التعطيل والشلل على الفعل اللغوي باعتباره فعلا عقليا.

اللغة شعرا :

"ما كنت لأقول شعرا بعد أن علمني الله سورة البقرة و آل عمران" لبيد بن ربيعة*1
"ارووا من الشعر أعفه" عمر بن الخطّاب*2

لطالما كان الربط في النص القرآني باديا وبوضوح بين الشاعر والساحر والمجنون والكاهن، بل والشيطان، قال تعالى: "والشعراء يتبعهم الغاوون / ألم تر أنهم في كل واد يهيمون / وأنهم يقولون مالايفعلون"*3 "بل قالوا اضغاث أحلام بل افتراء بل هو شاعر" 4. وغذا كان علي بن أبي طالب قد قدّم الشعر بقوله : (الشعر ميزان القول) / وفي رواية ثانية "القوم"، فالشعر: "هو الكلام الموزون المقفى الذي قصد إلى وزنه وتقفيته قصدا أوليا " *5،ولا يعد القرآن ولا الحديث شعرا، ويميّز التهانوي بين الشاعر و الحكيم بقوله:

فالأول "يكون المعنى منه تابعا للفظ، لأنه يقصد لفظا يصح به وزن الشعر وقافيته، فيحتاج إلى التخّيل لمعنى لمعنى يأتي به لأجل ذلك اللفظ... والشاعر قصد المعنى فيكون اللفظ منه تبعا للمعنى" بينما الحكيم "قد يقصد معنى فيوافقه وزن شعري، ولكن الحكيم بسبب ذلك الوزن، لا يصير شاعرا".

وبعيدا عن الإفراط في التقديم بما لا يخدم المتن، لايصعب على أحد أن يستقريء / ما للفردانية الإنسانية بمفرداتها التكوينية معرفيا ولغويا و أخلاقيا ودينيا وثقافيا وحياتيا وحتى أيديولوجيا، بالتراكم من عميق الأثر في اللغة التعبيرية شعرا، في التراكيب الأسلوبية، ولأن الفردانية لا تقتفي نمطا إلزاميا، كانت كذلك البنية الشعرية التعبيرية، فالفردانية أصل إنساني يمثله الإختلاف الإنساني الطبيعي، باختلاف الكينونة والهوية الفردية، جاعلة من التراكيب الخاصة بأي فعل لغوي شعرا، إنما هي إبتداع تعبيريا على الأقل وليس مضمونا فقط.

ولكن ولأن الشعر كان أحد أهم مجالات التميز في العقلية العربي لدى قريش إبان الدعوة الإسلامية، ولأن إعجاز النص الديني الأساس – الأصل هو في الأصل إعجاز لغوي بياني، برزت الحاجة للتعامل مع ديناميكية الفعل اللغوي الشعري بما يخدم الجماعة والوحدة العضوية، وبتذويب الخط الفاصل بين الأيديولوجيا والثيولوجيا، إختلف التعامل الديني مع الشعر، فهو ليس كما السحر و الكهانة و التنجيم، بالمطلق، إنما عومل الشعر انتقائيا وظيفيا.

وضع الشعر في خدمة الدين، فأصبح أداة، ليس منوطا بها أن تعكس تعبيرية العلاقة وذاتيتها مع الذات و المحيط، بقدر ما أريد لها أن تقوم بوظيفة أيديولوجية، بمعنى آخر، إذا فرضنا "إن من البيان لسحرا" *6، يسحر القلب و العقل، فليكن سحرا لخدمة الدين، أي غاية تبرر الوسيلة، وهو مبدأ أيديولوجي عتيق.

فكما كان يروى عن الرسول الكريم (ص) : "إنما الشعر كلام مؤلف فما وافق الحق منه فهو حسن، ومالم يوافق الحق منه، فلا خير فيه" وكذلك قوله (ص): "إنما الشعر كلام، فمن الكلام خبيث و طيب" *7، ومن ذلك أيضا ما روي أن كعب بن مالك بن أبي الأنصاري كان يقرأ شعرا للنبي فقال :

مجالدنا عن جذمنا كل مفخمة       مدربة فيها الفوانس تلمع 

فقال له الرسول (ص) : "لا تقل عن جذمنا، وقل عن ديننا" *8، وفي رواية أن النبي (ص) اذن لحسان بن ثابت أن يهجو كفار قريش، قائلا له :
"إذهب إلى أبي بكر، فليحدثك حديث القوم و أيامهم وأحسابهم، ثم أهجهم وجبريل معك" *9.

لذا لا تخفى أهمية الدلالة فيما يروى عن النبي (ص) من ذكره لإمرئ القيس: "هو قائد الشعراء في النار"*10، فالرسول نظر للشعر نظرته للكلام، فقبيحه قبيح، وحسنه حسن، وليس باعتباره أداة تعبيرية بيانية لها قراءاتها، إنما هو أداة أيديولوجية، متاحة في حرب الأفكار والأيديولوجيات، ولنا في ذلك أمثلة كابن خطل وابن حبابة، ومن قتل الشعراء دليل، أو حتى من هرب منهم كابن الزبعري وهبيرة بن أبي وهب وغيرهم.



ومن ذلك أيضا ماقاله الرسول الكريم لحسان بن ثابت: " والله لشعرك أشد عليهم من وقع السهام في غبش الظلام" *11، وما جاء أن النابغة الجعدي أنشد بين يدي رسول الله (ص) قصيدة يقول فيها :

علونا السماء عفة وتكرما      وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرا

فغضب النبي (ص) و قال : "أين المظهر يا ابا ليلى؟"،فقال : "الجنة بك يا رسول الله". فقال له النبي: "أجل إن شاء الله".*12

كما كان الرسول الكريم (ص) يستحسن البعض من الشعر الجاهلي في المقابل، فقد روي أنه أنشد قول عنترة :

ولقد أبيت على الطوى و أظله       حتى أنال به كريم المأكل

فقال :"ماوصف لي اعرابي قط فأحببت ان أراه، إلا عنتره" *13، كما يروى أنه أنشد قول أمية بن أبي الصلت :

الحمد لله ممسانا ومصبحنا       بالخير صبحنا ربي ومسانا

فقال : "إن كان أمية ليسلم"*14، وهو مبدأ ما حاد عنه أي من الخلفاء الراشدين، فمثلا حينما سمع أبو بكر قول زهير في هرم بن سنان :

والستر دون الفاحشات و      مايلقاك دون الخير من ستر

قال : "هكذا كان و الله رسول الله (ص)"، وقوله أيضا : "أشعر شعرائكم زهير"*15،، فالمضمون الأخلاقي في بيت زهير هو أساس الحكم بصيغة التفضيل: "أشعر" الشعراء، وإذا أشرنا إلى أن ابو بكر كان عالما بالشعر و الأخبار، إزداد إدراكنا لأهمية الحكم أيديولوجيا.


نخلص في النهاية للتالي:

1. أقر الإسلام الشعر شريطة أن يكون أداة لخدمة الدين، فلا تقوم الأداة لذاتها، إنما لوظيفتها كجزء من الخطاب الأيديولوجي، أي كوسيلة (تقارب السحر والكهانة والتنجيم سوءا) لغاية أسمى، بتذويب الخط الفاصل بين الثيولوجيا بقيمها الروحية، والأيديولوجيا بقدراتها ومجالاتها المادية، فصار الكاتب يحرك "سحر البيان" لنصرة فكرة ما أو صراعها، في تطور مؤدلج لفكرة المدح و الهجاء.

2. اختصار القيمة الجمالية للشعر في قيمة المضمون وليس في الوسيلة التعبيرية (الفعل اللغوي)، مما يجعل الجمال كقيمة متجاوزة للنص وتراكيبه وبيانه إلى الدين، جاعلا من اللغة/ الشعر/ التعبير/ البيان وسيطا.

3. المضمون الذي أقرّه الإسلام ودعا للتعبير عنه ثابت بثبوت النص الديني، وقد أوحي وبلِغ سلفا، وهو حقيقة كاملة، ثابتة و نهائية، تتضمن ما كان وما سيكون على وزن "يجب ما كان قبله"، لذا (فالنقل) هو سقف العملية التعبيرية لغويا فلا قيمة لها.

4. بثبوت المضمون – بالنص الثابت -، و اعتبارية اللغة / شعرا واسطة، خبت أهمية القياس الجمالي، أو قلت اهميتها وسكنت في قيمة المضمون خارجها، وجعلت مركزية اللغة جماليا ليست في تطوراتها السابقة واللاحقة بل في مركزية القيمة الدينية الثابتة و المستحوذة.

هل يمكن لنص أن يستنفد الوجود، فيحيط به إحاطة كلية، ويقوله كما هو في ماهيته وتماميته ومابين ذلك، بحيث يتحقق العلم الكلي، علم الوجود بما هو موجود؟
الإجابة دينيا عن هذا السؤال هي بالإيجاب القطعي و المستحوذ.حقيقة وتأويلا.
ولأن النص الديني معجز لغويا – وهو كذلك – في التراكيب و البنى و الخطاب و البيان، فما الحاجة الإنسانية لإبداع آخر أو مقاربة لغوية تعبيرية أخرى، بعيدا عن المنطق الرأسي للقياس بين الإثنين وما يؤسس له من تهم أيديولوجية معلبة.

تلك هي مشكلة الإستحواذ المطلق –غيبيا أو دنيويا – فهو طرح لحالة من الكمال والنهائية في التسمية والتعبير، وماعداها فهو باطل، وما قاربها كذلك، وبعيدا عن التخوّف الأيديولوجي بستار ثيولوجي، لأي مقاربة لغوية، بداع متهافت: التماهي، وهو قفز في حد ذاته على الإعجاز السماوي للنص الديني في البنية اللغوي والتراكيب، فإن اللغة شعرا هي أحد أهم صنوف الأدب التعبيري أو بحسب صموئيل فون بوندروف*16، الذي يتجاوز الطبيعة (المحيط) بالتثقيف، أو كما وصفه فولتيير "تكوين الروح" كمظهر مميز للشعوب ومعبر عنها وعن خصوصياتها الحضارية والمجتمعية، فهو وعيها البشري، الخلّاق بالحياة.

فإذا كان "العربي يحب لغته إلى درجة التقديس، وهو يعتبر السلطة التي لها عليه (تعبيرا) وليس فقط عن قوتها، بل عن قوته هو أيضا، ذلك لأن العربي هو الوحيد الذي يستطيع الإستجابة لهذه اللغة والإرتفاع إلى مستوى التعبير البياني الذي تتميز به " *17، فيجب أن نبقي في البال إيمانا:

بأن عبارة ارسطو الشهيرة "الإنسان حيوان ناطق" في صيغتها العربية، هي الأقرب لصيغتها اليونانية الأم، وعبقريتها الخاصة، والتي تقول بأن "الإنسان حيوان لوغوسي"، ولوغوس في اليونانية لا تعني عقلا فقط كما هو الحال في الترجمة الإنجليزية الفقيرة تعبيريا، بل كذلك "لغة وبيان وعقل *18، كما هي عملية النطق في العربية.

إن تحرير الفعل اللغوي / التعبيري / البياني / التركيبي من سطوة ثبوتية النص، واستحواذاته، إنما هو تحرير لأبجديات وتروس العقل العربي، وتحرير للذاكرة اللغوية وتجاوزا للعوائق المعرفية، من دون المزايدة على إعجاز النص الديني، ولا تجميد اللغة بفهم خاطئ "لحفظ الذكر" فذلك بحيوية اللغة وليس بثبوتية النص.

لنجد أنفسنا في النهاية خارج المساءلة الذاتية التي أسس لها محمود درويش قائلا: (هل لشعب يملك شعراء كبار أن يسيطر على شعب لا شعراء له؟؟ وهل لشعب أن يكون قويا بدون أن يكتب شعرا؟؟؟) وذلك تعقيبا على شعر هوميروس الشاعر الإغريقي الذي روى ملحمة طروادة من طرف الحصان.فلنبحث عن فنوننا ليضيء بنا تاريخنا ولكي لا نقف أمام الحكاية يوما غير مكتملين ننتظر شاعرنا الذي قتلناه.



رابط المقال على صفحات عرب ال48:
_____________________________________________________________
الهوامش:
1. يروى عن عمر بن الخطاب أنه قال للبيد مرة: "أنشد من شعرك"، فقرأ سورة البقرة، وقال ما قاله، فزاده عمر خمسمائة درهم وكا، ألفين: (موسوعة الشعر و الشعراء الجزء الأول ص 196).
2. المصدر السابق ص 197.
3. سورة الشعراء 221-227
4. سورة الأنبياء 5.
5. راجع مادة الشعر في موسوعة اصطلاحات العلوم الإسلامية (كشّاف اصطلاحات الفنون ص 744 -746) أما عن الآيات والأحاديث الموزونة فيعلّق عليها التهانوي: وهذا لا يسمى شعرا.
6. الموطأ للإمام مالك بن أنس، باب ما جاء في الغيلة والسحر ص 543، والسحر هاهنا – بحسب لسان العرب مادة "سحر" أي خدعه وسلب لبه وصرفه عن الأمر، وهو شبيه بالمرادفة مع ما ورد في لسان العرب تحت باب "كهن"و "جن".
7.  محمد والفنون، لعبد المجيد وافي – مؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت 1972 ص 109-132
8. المحدث الفاصل، لابن خلاد الرامهرمزي (مخطوط بدار الكتب المصرية) ص 151، نقلا عن الثابت والمتحول لأدونيس، دار الساقي 2002 الطبعة الثامنة – الجزء الأول ص 350.
9. كتاب الأغاني – الأصفهاني - طبعة دار الكتب الجزء الرابع ص 318.
10. من كتاب الشعر والشعراء، ص67، وفي خبر آخر قوله: "ذاك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها، منسي في الآخرة، خامل فيها، يجيء يوم القيامة، معه لواء الشعراء إلى النار.
11. البيان و التبيين – الجزء الاول ص 268 نقلا عن " الثابت و المتحول " لأدونيس – هوامش الفصل الثاني من الجزء الأول ص 352.
12- المصدر نفسه.
13. كتاب الأغاني – طبعة دار الكتب الجزء الثامن ص 243
14. المصدر نفسه الجزء الرابع ص 129 – 130.
15.المحدث الفاصل ص 14.
16. إشكاليات العقل العربي – جورج طرابيشي دار الساقي - بيروت 1998 ص 72.
17. المعجم الإشتقاقي للغة اليونانية ص 625.

Tuesday, 16 November 2010

انقلاب حزب العمل : "معهم ولاّ علّينا"؟؟

لابد أن تستوقفنا الأحداث الأخيرة الجارية في أروقة "حزب العمل" الإسرائيلي، وذلك بالتوازي مع بعض الأحداث على الساحة الامريكية –بالذات بعد انتخابات الكونجرس الأمريكية-، وانعكاسات كل ذلك عالميا وعربيا – بالأخص. حيث يتعرض زعيم حزب "العمل" ووزير الأمن الإسرائيلي إيهود باراك، لشبه إنقلاب منظم داخليا، لن يمر باعتباره شأنا داخليا فحسب، إنما وبإعادة تعليب وتصدير لما اسماه نتنياهو "الجدية" في البحث عن السلام، يمكننا القول:

حزب العمل الذي يتزعمه إيهود باراك هو طرف في الحكومة الإئتلافية الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو، وللحزب 13 مقعدا في الكنيسيت، إلا أن تلك المشاركة لم تمنع تصنيف الحزب رابعا على الساحة الإسرائيلية، وهو ما يعد تدهورا غير مسبوق، بدأ منذ إنتكاسة الحزب في ال2001، التي بدأت بالإطاحة بباراك من سدة رئاسة الحكومة لصالح جنرال الحرب أرييل شارون، وتغيير ستة زعماء للحزب في ثمان سنوات، ومغادرة أهم رموزه : الرئيس السابق له شيمون بيريس، وحاييم رامون، وداليه إيتسيك، وهو ما صرح به الأمين العام السابق للحزب إيتان كابل قائلا: "إن حزب العمل قد ضلّ طريقه منذ سنوات، وباراك ليس إلا حفّار قبور".

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تقافمت تباعا الأمور، ليتحد زعيم نقابات العمال (هستدروت) في إسرائيل عوفر عيني، و الذي كان من أبرز الداعمين لترشح بارك لرئاسة الحكومة والحزب، مستغلا الضغط الميداني للإضراب الأخير للنقابات والذي كاد أن ينتهي بإسرائيل لحالة من "الشلل التام"، جنبا إلى جنب مع وزير الصناعة و التجارة بنيامين بن إليعازر (صديق الأمس)، في المناداة "بخلع" باراك من رئاسة الحزب ونزع الثقة عنه، وهو ما أعلنه الأخير في مؤتمر مع أنصاره، وهو المعروف بصلاته النافذة داخل الحزب.
 ما يهمنا من كل تلك المستجدات، و التي من السابق لأوانه القطع أو الجزم بنهاية تلك الحروب الداخلية في الحزب، أو حتى تحديد المنتصر داخله، و إنعكاس ذلك على الحكومة الإئتلافية بدرجة أقل، هو علاقة كل ذلك بالمسألة الفلسطينية الإسرائيلية في جانب محادثات السلام منها، وهنا يجدر الإشارة إلى التالي:

إيهود باراك يمثّل بجثة الشهيدة دلال المغربي

* دور رئيس الحكومة الإسرائيلية:
حيث يعمل نتنياهو على توظيف شعبية باراك كوزير للأمن، باعتباره "سيد الأمن"، كما إعتبره العديد من الإسرائيليين في إستطلاعات الرأي، باعتباره أكثر العسكريين الإسرائيليين تتويجا بالأوسمة لكثرة العمليات العسكرية التي نفذها خارج حدود الدولة العبرية، والتي كان منها المشاركة المباشرة في عمليات تصفية لقيادات في المقاومة الفلسطينية، وإن كانت تلك الشعبية آخذة في الإنخفاض، بحسب آخر استطلاعات الرأي منذ ثلاثة أسابيع. ذلك التوظيف لما يمثله الحزب باعتباره "معسكر السلام"، إنما يعمل على تقديم الإئتلاف الحكومي الحالي برئاسة نتنياهو على أنه قبة جامعة لمختلف أطياف الشارع الإسرائيلي نحو هدف واحد وهو السلام، وذلك ما يمكن إستشفافه من عرض نتنياهو الأخير للإدارة الأمريكية : الجاسوس (دلمار) مقابل إيقاف الإستيطان.

* توظيف دور الشارع الإسرائيلي:

وبالذات المؤيد لإستمرار العملية السلمية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو معسكر الدعم لحزب "العمل"، والذي إصطف إلى جانب إليعازر وكابل وعيني، وهو ذات الفريق الذي – بحسب وصف الغارديان البريطانية – يمارس ضغوطا على الحزب بقيادة باراك " لتفضيله وزارة الأمن في حكومة يمينة متطرفة على حساب مصلحة الحزب والتي تقضي بأن يكون في صفوف المعارضة بصفته قائدا لمعسكر السلام ليقترح على الناخب الإسرائيلي بديلا لحكم اليمين".

ويجدر هاهنا القول، أن تلك الإنتقادات طالت ايضا وزراء "العمل" اسحق هرتسوغ وزير الرفاه و الخدمات الإجتماعية، و أفيشاي برافيرمان وزير شئون الأقليات – و المعارض لقانون قسم الولاء وتبعاته الأربعة عشر-، لبقائهما ضمن الإئتلاف الحكومي الحالي، حيث اشار كابل : "لا يمكن للحزب أن يرمم نفسه وهو داخل إئتلاف حكومي لا تأثير له فيه".

إيهود باراك يمثل بياسر عرفات أو العكس

* دور رموز البيت الأبيض والولايات المتحدة الأمريكية والدولية:

وهو لا يختلف عن الدور الإسرائيلي في تصدير صوت الشارع المختزل لحساب مصلحة القيادة والسياسة العامة الإسرائيلية، إلا في الصياغة لا أكثر لا أقل، وذلك بالقفز فوق عديد الأسئلة الحيوية، التي تعري تفاصيل العملية السلمية منها للمثال لا الحصر: ما موقف أحزاب الإئتلاف الحكومي في إسرائيل من الحقوق/القضايا الرئيسية للشعب الفللسطيني؟ وما مرجعية المفاوضات للمفاوض الإسرائيلي و الفلسطيني كذلك؟

وقد كان أحد إنتاجات هذا الدور مقال للرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون في صحيفة النيويورك تايمز، بعنوان: "أكملوا عمل رابين"، ومدى إنعكاس ذلك التصدير، ومثاله الآخر: المساعي البريطانية لتعديل قانون ملاحقة مجرمي الحرب، والتي مرت مرور الكرام على ديبلوماسياتنا العربية، ومثاله المتوقع قريبا: خبر إنسحاب إسرائيل من النصف الشمالي المحتل من قرية الغجر المحتلة.

لذا سيظل في النهاية سؤال : إلى متى تظل العقلية العربية عموما والفلسطينية خصوصا في إطار (رد الفعل)، والذي وللأسف حتى ذلك الرد لذاك الفعل لا يعدو كونه تمنعا على إستحياء، ومنه لموافقة عمياء.

______________________________________________________________________________________________

رابط المقال على صفحات عرب ال48:
http://www.arabs48.com/?mod=articles&ID=75442

رابط المقال على صفحات المركز الفلسطيني للتوثيق و المعلومات:
http://www.malaf.info/?page=show_details&Id=7702&table=p_newsp&CatId=8

Sunday, 24 October 2010

لا عدالة لأحياء يظلم -بضم الياء- شهداؤهم : في الحالة اللبنانية

ولأن إمبراطورية كروما لاتستطيع أن تحيا بلا أعداء ، فقد إلتزم بوليب ، هنتنغتون العصر الروماني ، البحث عن أعداء جدد لروما ، ولكن أين سيجد بوليب الأعداء؟ كل أعداء روما هزموا.
على روما إذن ، مهمة صياغة عالم جديد من خلال تعميم ثقافة روما وحضارتها وقيمها ، بهدف تهذيبه و إخضاعه ، وهنا إزدواج:

1.تهذيب العالم ، مهمة روما الحضارية .
2.احتلال العالم وتملكه ، مهمة روما السياسية"

نصري الصايغ

___________________________________________________

وقفات ذات مدلول :

- في السابع من ديسمبر /كانون أول عام 1987 ، طرج في إجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة ، مسودة القرار رقم 42/159 ، للتصويت ، و الذي يقدم تعريفا عالميا معتمدا "للإرهاب" ، وقد صوتت جميع الدول الحاضرة بالموافقة ماعدا دولتان إثنتان : الولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل، وقد ورد في إعتراض ممثلي الدولتين أن التعريف المطروح للإرهاب في صيغته الأممية لم يتناول "المقاومة" باعتبارها صورة من صور الإرهاب .
وليس خافيا أن كلا الكيانين الأمريكي و الإسرائيلي هما كيانات استيطانية ، لذا فمن المنطقي أن يجمعهما الرفض لحق المقاومة الشرعي.
- في أعقاب احداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، جمعت الإدارة الأمريكية العديد من أبواقها الإعلامية و الأكاديمية و السياسية للقيام بمهمة بوليب هذا الزمان  ، و اتمام الشق الأول من واجب روما ، وكان من تلك الجوفة  : برنارد لويس المؤرخ الذائع الصيت صاحب التزويرات التاريخية ، و التي قدم لها أول من قدم مجلة "الكومنتاري" الصهيونية ، وفؤاد عجمي صاحب الكتاب الشهير "المأزق العربي":
The Arab Predicament
والذي كان من أبرز المدافعين عن جرائم سجن أبو غريب، و الذي أصبح على رأس أكبر جامعة أمريكية في الشرق الأوسط في العراق عميدا لها ، و أخيرا وليس آخرا ، فريد زكريا الإعلامي الشهير ، رئيس تحرير النيوزويك ، ومحرر أحد أهم البرامج على شبكة السي إن إن الأمريكية صاحب كتاب "عالم ما بعد امريكا" :
The Post American World
وقد خرج علينا ذلك الأخير ، في تصريح له لقناة اليورو نيوز مطلع هذا العام ، بأن أحد أهم أولويات الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بالشرق الأوسط و المنطقة العربية –بغض النظر عن لونها-  أن تخلق أرضية تجمع الدول العربية و الكيان الإسرائيلي على عديد الأصعدة  كالتالي :

1.ضد الدور الإيراني و الحق الإيراني المشروع للقوة ، و الذي لا يعيبه ابدا أن تنتقده الدول العربية الغارقة في التبعية و الضعف.
2.اتهام المقاومة بالتقوي بالخارج و العمل على زعزعة الممثل الوطني للدولة المدنية وهي تهمة لها مظهران إثنان الأول في فلسطين : حماس و التي سرعان ماتتناسى العقلية العربية التابعة ، و العالم الغربي أن حماس بأبجديات الديموقراطية المستوردة حصريا وأيضا كما تقول صناديق الإقتراع هي صوت الديموقراطي و الذي لا تشفع له شفافيته في شيء مالم تأت بالتبعية للولايات المتحدة الأمريكية ، و المظهر الثاني في لبنان وهو ماتحاول الولايات المتحدة وممثلوها من أنظمة عربية تعليبه بأن المقاومة خروج عن السيادة و الوحدة الوطنية.


مما لا شك فيه أن هكذا خطاب ، لا يستند على المنطق الطوباوي للخطاب ، ونموذج نقله خطيا : (مرسل – رسالة – متلقي) ، وإنما واستنادا لنظرية الخطاب وعلم الدلالات ، فالخطاب يتم تشفيره و إعادة تفكيكه بين المرسل و المتلقي ، حيث يقرؤها الأخير خطابا "مفهوما" ضمن النسق المعرفي الخاص به ، و التي يعاد ترتيب تفاصيل ميدانه بما يتناسب مع أغراض المرسل و الذي هو عادة يحمل من عناصر القوة و السيطرة إعلاميا و سياسيا و فكريا الكثير ، موظفا لذلك الكثير مما نحمله من إدانات مسبقة وموروثة ، وبراءات مسبقة –أيضا- وفق اصطفافاتنا القبلية و الأيديولوجية ، وسطوة عوامل تتحدث باسم السماء و تعطل العقل و المقاربة الموضوعية.
لبنان الذي تقاسمت 18 طائفة – أو يزيد- الرمز و الأرض فيه ، وأثخنته حربا ، قسمت فيها بيروت التي لا تقبل القسمة إلا على المستحيل ، لبيروت غربية وشرقية.
فإذا كانت الحرب اللبنانية  75- 1990 يجري تصويرها "في الخطاب المهيمن و الكابت للذاكرة على شكل "حرب الآخرين" ، أو على نحو مخفف أكثر ، حربا "في سبيل الأخرين" ، وبهذه العملية يتكثف فقدان الذاكرة " ، فما أحوجنا الآن لقراءة متحررة لتلك الذاكرة المغتصبة ، و المعطوبة ، ليتسع أمامنا افق النظر ، محيطا لما يحاق لهذه المنطقة ، نظرة تعلو قليلا للتذكرة و للموضوعية فوق أفق السياج الحدودي للأرض اللبنانية المحررة في ال 2001 ، ولنكتشف اكتشافا غير جديد ، بأن لبنان دولة من دول التماس – بحسب تصنيف الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريس في كتابه الشرق الأوسط الجديد -  ، التي يخشى تعميم فكرة إتحاد : الدولة – المقاومة (ليس بمنطقها الميداني إنما بأسسها الإجتماعية ومنظومتها الفكرية ) – التحرير فيها لما في ذلك من خطر على الكيان الإسرائيلي، الرافض للمقاومة كحق أصيل للشعوب في الدفاع عن أرضها وكرامتها و يعتبر ذلك صنفا من صنوف الإرهاب ، لذا كان من الطبيعي و إعتمادا على العناصر السابقة ، تصدير المقاومة لا إرهابا ، بل كأنها خروج على الشرعية الدولية ، والدولة المدنية  ، رديفا للرفض الأمريكي و الإسرائيلي لحق المقاومة و إن كان تحت قناع كوسيلة تبررها الغاية  ، لذا كانت الحاجة للإنتقال لتفاصيل الداخل اللبناني :

حيث إنطلقت تجربة المقاومة الإسلامية اللبنانية في إتجاه واحد ، ألا وهو الحدود اللبنانية ، فأصبحت تجربة متشبعة في لبنانيتها حتى التخوم ، وليس تجربة غارقة في طائفيتها حتى الداخل ، فالمقاومة لم تستعمل سلاحها في الحرب اللبنانية ، فيما إستجمعت القوى اللبنانية كل المحرمات : (الطائفية / الإستخبارات / الوصاية / الفساد / الطائفية) لثبت أقدامها .

الحكيم (؟؟؟)ولا تسأل كيف.

يعلو هنا صوت يقول : التهمة التشيع !
حسنا ومتى كانت المقامات اللبنانية علمانية؟
أوليست المحاصصة الطائفية اللبنانية وبنيانها العشريناتي من هذا القرن مدسترا؟ بل ويؤسس للطائفية؟
في ذات الوقت ألم يكن التحرير خالصا في لبنانيته ، ولم يكن على وزن "بيروت شرقية وبيروت غربية" ن ألم يكن تحريرا لا لإقتسام السلطة في الداخل ثمنا لتمدد الداخل للخارج حتى الحدود؟
حتى التحرير لم يوظف كذريعة لأغلبية تمثيلية سياسيا ، يتوارثها الأبناء و الزوجات ، إن المقاومة بنسبها التمثيلية برلمانيا أقامت علاقات صحية بين نقيضين : الدولة ومؤسساتها ، و المقاومة ومستلزماتها.

يطلع علينا صوت آخر : هي ذراع إيرانية و/أو سورية!
حسنا ، فلنقر بما تقر به علوم السياسة الإنسانية ، أو علوم المصلحة البراغماتية – كما أفضل تسميتها- ، إن الفاصل بين مملكة افلاطون الطوباوية و الأرض ، هو أن طهرانيتها رذيلة في العلوم السياسية الميكافيلية ، وكذا المقاومة كأحد فصول العملية السياسية ، فالتحالفات لتحقيق الأهاف ليست عورة في السياسة ، فهي على الأقل قدمت تحريرا وورقة ضغط وعنصر موازنة شهد له العام 2006 ، التحرير كان بالغ اللبنانية ، فلم يحرر جولانا ولم ولن يمنع عقوبات.
إنتهت مهمة المقاومة ، حررت الأرض ، إستعادت الأسرى ، كسرت الأسطورة ، كل ذلك مقابل تولي الأسرة الدولية البت في مصير مزارع شبعا ، و التي يمتنع السوريون عن كامل لبننتها.

إن محاولات تخوين المقاومة  ، ماهي إلا تجويف للإطار الوطني لها ، وبراغماتيه الحربية ، بالقفز فوق الإنتصار و التحرير و الزهد الداخل ، والتعامي عن تاريخ العقلية السياسية الطائفية في لبنان ، و التي برهنت تجاربها منذ عقود ألا مقدس لها ، فهي لا تحمي أحدا من أبنائها ، فكيف ستحافظ على وطن ، كيف يمكننا نسيان "السبت الأسود" و "المردة" و المسلخ و الكرنتينا وروجيه تمرز وإنتكاسة مشروع إعادة البناء و الإعمار ، وما فصله جورج قرم ، وهنري إده ، و الوعد المشهور: "سندهش العالم" ، وتساميه.
إن إسرائيل تدعي قداسة السلاح ، و إن كان ذلك كذلك ، فماذا عسانا أن نقول عن سلاح المقاومة و بالذات بعد 1992 مع إنتهاء الحرب اللبنانية ، و عام 2000 ، أمن المنطقي أن تصبح المقاومة "يوسف يا أبي".
أما عن الداخل اللبناني ، فبعيدا عن التساؤل المنطقي ، مامصلحة المقاومة  في الإغتيال ، أي إغتيال ؟

فلدى مواجهة الفكر / الثقافة السياسية الداخلية الطائفية ، يطلب منها هي فقط تجنيب الطائفية ك"شذوذ" حيوي لديمومة القاعدة ، في بلد المأسسة الطائفية ، وحتى إن كان فالمقاومة هي نتاج البراغماتية السياسية ، و الوطنية الجامعة بكل تياراتها وطوائفها التي إتسعت لها حدود لبنان في أيار 2000.
وفعلا كما قال الحكيم (؟؟؟) سمير جعجع ، ولأول مرة : لاعدالة لأحياء يظلم –بضم الياء- شهداؤهم.    

الميركافا راكعة

الهوامش:
1. رابط المقال على موقع الهيئة الوطنية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطينيك
http://www.palthawabet.org/ar/newsDetails.php?newsId=437&classId=15&page=1&Next=1

Friday, 15 October 2010

من أوراقي : في الكتابة

في الكتابة..
أقول لنفسي...




عندما تتمنطق قلمك لتخط حروفا على ورق ، تذكر ، أنت تحاور ذاتك ، تحاكمها ، تدافع عنها ، تتهمها ، في العلن ، تنفصل عنها ماديا لتتحد معها كتابيا ، في عالم تتحاور فيه مع ذواتك ، لا لتستمع  إليهم بقدر ما يستمعوا هم إلى بعضهم ، أنت تعيد خلقهم لا لتعايشهم بل ليتعايشوك ويتمردوا عليك.
الكتابة هي "حالة حوار" ، قد تتجسد شخوصا انتقلوا من حبرية عالم الورق إلى ميتافيزيقيا عالم الإنسان ، لتراهم وتسمعهم ، يحاورونك..يرافقونك ...يجادلونك..أتذكر أنني إشتممتهم كثيرا حولي ورأيتهم ، وأعلم أنني لا أتوهم.
أن تكتب أي أن تتعدد في الأبعاد ، أن تتناسخ ، فتصبح هنا وهناك ، بداية ونهاية ، وأن تكون بين بين ، منفى ووطن . الكتابة هي "مرآوية" ناطقة ومتمردة وثائرة تعري "مايجب" لا فقط "ماهو".
أن تكتب في زمن العار و الفساد والقسوة والنهار المهزوم بالظلمة ، أي ألا تبشر بنصر محتوم ، ولافرح مخادع ، في زمن تعليب الخدر . أن تكتب في زمن "مآخاة النفط للدم و الدولار" أي أن ترفض وتتمرد ، أن ترفض الكتابة الساخرة ، وأبجديات الإستسهال الثقافي . أن تكتب في زمن العرايا وتشيؤ الإنسان أي أن توقظ المتلقي العائم في الزوايا الغبارية ، أن تكسر الرابط بين "الأغلبية" و "الصمت" ، ألا تهاب المفردات السماوية ولا الأرضية. أن تكتب في هذا الزمان العربي الفاحش العورة يعني أن تكون فضائحيا بامتياز.
في البلاد ، بلادنا المسربلة بمحيطات جهل وغيبية ، وفي مدار القاريء الذي  يحارب الأمية التعليمية والأمية الثقافية ، و الإعلام الإستهلاكي وقبلته الكرش و الكرسي ، لتهب عليه بعدها ضبابات الغيبية و التكفير بتهمة التفكير واللاهوتية الصنمية التي أصبحت زادا يوميا معاشا ، يغرقنا ونتساءل "هل من مزيد" حمدا على المكروه..ولا يحمد على مكروه سواه.
في تلك البلاد ، بلادنا ن ترد تهمة "النخبوية" على اصحابها ، فالمناداة باحتكام الخطاب الفكري على قياس المتلقي ، إنما هي دعوة إنهزامية لعصر الإستسهال المعرفي المعلب ، وأستسلاما لسطحية الوعي بمزيد من التسطيح ، بحجة التبسيط الفكري على القاريء ، ذلك القاريء الذي استسلم لإستلابه اجتماعيا وسياسيا وقرر أن يطالب الكاتب ما عليه هو من واجب التفكيك و المساءلة و النقد، فهو هاهنا يعمد لسياسة التوصيل العقلي ، ألسنا في عصر الوجبات السريعة؟ أليس القاريء دوما على حق باعتبار أنه زبون في عصر العولمة و الفكر منتج..ويحيا الإستهلاك وما أجمل أن يكون استهلاكا استسهاليا.
أليس في توزيع الأضواء على ارفف مكتباتنا مايعري الكثير من تكاسلنا وتثاقفنا؟
قال لي أبي يوما: الكتاب الذي يفكر بالنيابة عنك ، لا حاجة لك لقراءته.
إن قراءة كتاب  تاركا إياي في حالة من المساءلة ، و الدأب لتفكيك الرمز و الأسلوب  و الفكرة و النص و التأويل ، إنما هي حالة من الشبق المعرفي الذي يحول القاريء من تلقي الكتاب، للمشاركة فيه ، فيغدو محاورا ويتحول الكتاب حوارا ، بما في ذلك من نهم معرفي لا ينتهي ، وحالة من التحدي والإرتقاء بالذات ، تتحول حينها الأنشطة المعرفية من مجرد سلعة رفاهية في مجتمع يلهث بحثا عن أقل مستويات المعيشة الكريمة ، إلى أساس لا يقل أهمية عن الغذاء و الصحة و العمل ، وهو ما يفصل بين المجتمع الإنساني – الأرقى  و المجتمع الحيواني- الأدنى : الفكر.
لذا أعلنها هاهنا : سعيد أنا بنخبوية كتاباتي ، التي تحررني من القاريء الكسول و المتثاقف ، و أعلن وقوفي أمام عقلية : إركب الموجة ، متمردا ورافضا وفضائحيا مقاوما ، لثقافة السطح ، باحثا عن مفكري العمق.
ولا أجد بدا من تذكر مقولة الكواكبي :
إن الإستبداد و العلم ضدان متغالبان ، فكل سلطة مستبدة (دينية،سياسية،إجتماعية، ثقافية) تسعى جهدها لإطفاء نور العلم وحصر الرعية في حالك الجهل ، وإن العلماء – الحكماء الذين ينبتون أحيانا من مضايق صخور الإستبداد يسعون جهدهم في تنوير افكار الناس.



photo by Hanan Mahmoud

Friday, 8 October 2010

في نقد النوسطالجيا : (3) : في الفكر : (5) : العقل و النقل



لدى الحديث عن الجدلية القائمة بين العقل و النقل وكراسيها الموسيقية في الفكر الإسلامي ، يتوجب علينا وكبداية التوقف على البعض من الآراء المؤسسة للعلاقة بين النقل و العقل ، وإنعكاسها على الإتباع و الإبداع في الفكر الإسلامي ، وهي للطبري و ابن حزم ومن ثم إبن تيمية :

أولا : الطبري حيث يقول:
" تأويل جميع آي القرآن على أوجه ثلاث:
1.أحدهما لا سبيل للوصول إليه ، وهو الذي استأثر الله بعلمه ، وحجب علمه عن جميع خلقه : كالروح و المصير ...إلخ،.
2.والوجه الثاني هو ما خص به الله علم تأويليه لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم ، من دون سائر أمته (وهذا مما يحتاج إليه الناس ، لكن لا سبيل ‘ليه إلا ببيان الرسول)،
3.والثالث ماكان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن ، وذلك من علم تأويل عربيته واعرابه ، ولا توصل إلى علم ذلك ، إلا من قبلهم" .
وهنا تتضح حدود القبول و الموافقة و السماح بالتأويل ، حيث يجيبنا الطبري ، على : من هو المؤول؟ :
1."هو الأوضح حجة في ما تأول وفسر ، مما كان تأويله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، دون سائر امته ، من أخبار ثابتة عنه ، إما من وجه النقل المستفيض ، أو من وجه الدلالة المنصوبة على صحته "
2.وهو الأوضح برهانا فيما ترجم وبين من ذلك ، مما كان مدركا علمه من جهة اللسان ، إما بالشواهد من أشعارهم السائرة ، وإما من منطقهم ولغاتهم المستفيضة المعروفة"
3.وهو " الأكثر تطابقا في ما تأول وفسر مع أقوال السلف من الصحابة و الأئمة ، و الخلف من التابعين ، وعلماء الأمة ".
"وماكان من تأويل آي القرآن الكريم الذي لا يدرك علمه إلا بنص بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو بنصبه الدلالة عليه فغير جائز لأحد القيل فيه برأيه ، و إن أصاب الحق فيه ، فمخطيء فيما كان من فعله بقيله برأيه ، ولأن إصابته ليست إصابة موقن أنه محق ، و إنما هي إصابة خارص وظان . والقائل في دين الله بالظن ، قائل على الله مالم يعلم ".
الطبري : جامع البيان عن تأويل آي القرآن : الجزء الأول ص 35-45

وثانيا :  ابن حزم ، فالنص لديه "هو اللفظ الوارد في القرآن و السنة ، مبينا لأحكام الأشياء ومراتبها – وهو الظاهر وهو ما يقتضيه اللفظ في اللغة المنطوق بها "
رسائل ابن حزم الأندلسي – تحقيق د.إحسان عباس ، المؤسسة العربية للدراسات و النشر ، الجزء الرابع  ص 415
والتقليد لدى ابن حزم لا يخرج عن كونه بدعة حدثت "في القرن الرابع المذموم على سان الرسول "*1 ، حيث لا "سبيل لوجود رجل في القرون الثلاثة المتقدمة ، قلد صاحبا أو تابعا أو إماما أخذ عنه في جميع قوله ، فأخذه كما هو وتدين به وأفتى به الناس".
 رسائل ابن حزم الأندلسي – تحقيق د.إحسان عباس ، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، الجزء الثالث  - ص 166 – 167.
أما ثالثا فلدى ابن تيمية ، كانت "البدعة" بالنسبة إليه بكل ما فيها من ابداع وتطوير وتحديث أو حتى مغايرة ، إشتقاقا أو ترادفا عن ومن "الكفر" ، "فمن يعارض الكتاب و السنة ]وكأن "البدعة" تستلزم المعارضة وجوديا أو ثبوتيا*2 [ بالعقل ، فإن قوله من أقوال هؤلاء الضّلال ، وهؤلاء الذين يعارضون الكتاب و السنة بما يسمونه عقليات من الكلاميات و الفلسفيات ونحو ذلك ، إنما يبنون أمرهم في ذلك على أقوال مشتبهة مجملة ، تحتمل معاني متعددة ، يكون ما فيها من الإشتباه و الإلتباس ثم يعارضون بما فيها من الباطل نصوص الأنبياء وهذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا وهو منشأ البدع".
"فعلم الكلام مثلا لم يذمه الأئمة لحدوث ألفاظه ، بل ذموه لإشتماله على معان مخالفة للكتاب و السنة ، وكل ماخالف الكتاب و السنة فهو باطل قطعا ، ذلك أن المعاني الصحيحة ثابتة فيهما".
درء تعارض العقل و النقل ، ابن تيمية تحقيق محمد رشاد سالم ، مطبعة دار الكتب ، الجزء الأول ص 190 – 209 – 232.
*************************************
تؤسس هذه المقاربات – وإن إدعت العكس خطابيا – لنوع من الكهنوتية التي رفضها ويرفضها الدين الإسلامي وتاريخه يشهد ، وذلك بما تقطع به من ثبوتية تعطيل العقل لصالح النقل ، شارحة لنا الرفض "الإسمنتي" المطلق لأي مقاربة تأويلية تؤسس لها عبارة : (النص الديني إلهي التنزيل إنساني التأويل) ، قاطعة الطريق على أي مقاربات للنص الديني ، باعتبار تاريخيته أو حتى "ظاهرية القرآن"*3 ، وطبعا أدى ذلك إلى :
1.رفض أي مقاربة أو قياس للمعرفة الدينية / النصية من خارج النص متجسدا في ثبوتية نقلية تغفل تفاصيل الزمان و المكان و بالتالي تعطيل إمكانية القياس التاريخي للتفاصيل الدينية / النصية وذلك اساس مناسبة هذا الدين لكل زمان ومكان : ديناميكية العقل : عقل الآن هنا.
2.اعتبار أي محاولة للمقاربة بين العقل و النقل ، تهديدا وجوديا ، ليس للمعرفة ولا النص فقط ، بل للجماعة و رباطها العضوي ، وقد انعكس ذلك دوما في الربط بين الأيديولوجية الدينية و العقل الرقابي مستغلا جانبه السلطوي ، مما لا يفسر الحاجة الأيديولوجية الدائمة للسلطة وسلاحها الرقابي ، وذلك متأصل في العقل الأيديولوجي – النوسطالجي ، مثال ذلك ما نادى به "أبو حامد الغزالي" من ضرب المختلف بالقهر لأن ما به إنما هو "مس شيطاني" لا شفاء منه بالمحاججة و الحوار في كتابه الشهير : القسطاس المستقيم .*4.
إلا أنه ولأي قاريء للتاريخ ، وبرصد مسار "الإبداع"، بمنطقها اللغوي و ليس الديني ، يمكن القول أن تقاطع  هاذين المنطقين تاريخيا  ، هو الأكثر إنتاجا وقيمة في الفكر الإسلامي على إمتداده ، و إن تجلت فيه الشبقية السلطوية وصورها الرقابية و التي ارتقت من مجرد المنع إلى القتل  ـ بتهمة الإبداع بمفهوم ابن تيمية ، ومن نتاج تلك التقاطعات كان إرث المعتزلة و الصوفية وابن رشد الذي كان ضحية اتهام بالتهافت لحساب "الإقتران" لدى الغزالي الذي نفى مفهوم "السببية الطبيعية" كامتداد لتيارات "الجبرية" التي أهدرت الحرية الإنسانية ، كنظرية "الكسب" الأشعرية ، كلها تجليات تاريخية  للتعطيل الأيديولوجي لملكة التفكر الإنسانية/ فردانيا  أمام قدرة النقل السلطوية/جماعيا.


التأسيس للنقل لا العقل :
تحولت مقايسة حجة الفقيه وعلمه ، لا بالعقل كمكون ديناميكي (تفكيكا وتركيبا) بل بالعلم كمكون إحاطي "بما تقدمه من الآثار"*5 ، وهم فقهاء التابعين ، لذا فالعلم حينها لايلزم بصفته محركا/منتجا ، إنما مثبتا / مقلدا ، زحزار الشافعي ومحمد بن الحسن حول مالك بن أنس وأبي حنيفة ، والأفقه منهما وهو مالك لأنه الأعلم بالقراآن و السنة وبأقوال الصحابة المتقدمين ، أي أنه "الأكثر إتباعا"*6 أو "الأعلم بسنة ماضيه"*7.

العقل / النقل والتاريخ:
مما سبق يبدو لزاما علينا لدى أي مقاربة تاريخية ، أن نميز بين تعبيرين : (الثقافة الإسلامية) و (الثقافة التي سادت في الإسلام) بناءا على علاقتهم بمفهوم (العقل الإسلامي) كما سيرد تباعا ، فالتعبير الأول هو نتاج (العقل/ النقل) و العلاقة الجدلية بينهما ، مهما كانت درجة التأويل بين الإنعدام و الإكتمال ، وأما التعبير الثاني فلكلمة (إسلام) فيه هاهنا -وعلى عكس التعبير الأول- مدلولا زمانيا ومكانيا مركبا يتحدد بعلاقة مع  طرف / أطراف أخرى داخل نسق ثقافي ، قائم على علاقة (العقل / النقل) ، ومن ثم تلافحا فكريا وثقافيا وحضاريا مع الآخر / الآخرين ، لذا كان العقل السياسي الإسلامي – كما الإجتماعي – في ذلك النسق إنما هو تكوين تراكمي وليس تكوينا صلدا مصمتا ثابتا مقلدا ، وهذا هو الفرق بين الفكر و الأيديولوجيا.
لذا فحينما طلع علينا أحد كتّاب التيار الإسلامي قائلا :
"ليس هناك إسلام تقدمي و آخر رجعي وليس هناك اسلام ثوري و آخر إستسلامي ، وليس هناك إسلام سياسي و آخر إجتماعي ، أو إسلام سلاطين وآخر للجماهير ، هناك إسلام واحد ، كتاب واحد أنزله الله على رسوله ، وبلغة رسوله إلى الناس"*8 ]وهذه صورة أخرى من التوحيد الأيديولوجي بين الفكر و الدين : الكاتب[
ولكن ولأن الإدعاء السابق – بعيدا عن طوباويته وعموميته الزئبقية – يناقضه التاريخ الإسلامي ، الذي شهد عديد الفرق و التيارات التي تعددت أسباب ظهورها بين السياسة و الإجتماعية و الإقتصادية وحتى الأيديولوجية ، إلا أنه وبجانب تلك العوامل كان للإنفتاح على العقل بإختلافه وإعماله في فهم وتأويل النصوص ، عميق الأثر في ظهور تلك التيارات و الفرق ، وهو ذات السبب الذي جعل كاتبنا السابق يقول في موضع آخر من نفس المصدر :
"افتح أي صفحة من صفحات التاريخ الإسلامي ستجدها ناصعة في كل مرحلة مكتوبة بفصيح اللسان وصريح العبارة : كما تكونون يكون دينكم"*9.
   لذا فمفهوم (العقل الإسلامي) المرتبط شرطيا –بشكل تأسيسي- بالتعبيرين السابقين ، وبتفعيل هذا الإرث المغّلب للنقل على حساب العقل ، إنما يتناقض مع مفهوم العقل – أي عقل ، الذي يتأتى إلى حيزه الوجودي الفاعل و المؤثر  بالتراكم الغير إنتقائي -  للتجربة الإنسانية و المعرفة التي تؤسس لها العلاقة مع الذات /الآخر / المحيط ـ تلك التجربة التي يحركها الشك و الملاحظة وهما ملكتان يملكهما العقل الإنساني الحر و المتحرر من التواترات و الإرث النقلي.
وبربط ذلك العقل بالأيديولوجيا / الثيولوجيا في حالتنا هذه ، وبالذات أنها (خاتم الرسالات) والمنهج الذي لم ينطق عن الهوى ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، مما ينسف العنصر الأساسي و المكون للعقل وهو النسبية لصالح الإرتباط بالإطلاق السماوي.
إن تعطيل العقل لصالح النقل ، ينتهي بالتوحيد بين الإنساني/النسبي  و الإلهي/المطلق ، ويتجلى ذلك بوضوح في الكثير من الإجراءات الصنمية  و التقديسية لعقول لا تعدو أن تكون إنسانية – مثلنا- ، سرعان ما أصبح إدعاءا فوقيا/رأسيا لا يقبل المساءلة ، ويدعي القدرة الإستثنائية الكهنوتية بالقدرة على الوصول للقصد الإلهي ، بل وحمايته من كل تهديد .*10


يبدو في النهاية أن تعبير (الثقافة السائدة في الإسلام) ، ونقض مفهوم (العقل الإسلامي) لإستحالة ترادف العقل النسبي مع السماوي المطلق ، إنما يؤسسان للحاجة الوجودية لل(العقل السائد في الإسلام)  وذلك يجعل من الضرورة :
1.وجود علاقة سيادية ، ليست بالمنطق الأيديولوجي – السلطوي للكملة ، باستحواذ الصواب و العقل السجالي *11، إنما علاقة سيادية قائمة على الفاعلية الإجتماعية و السياسية معرفيا وحضاريا وثقافيا ، وذلك نتيجة للتلاقي و الحوار تحت قاعدة (الإختلاف حق إنساني مطلق و أصيل ، لأن العقل إنما هو وجه من وجوه الفردانية الإنسانية ، فالإنسان إمكان لا يعرف المستحيل ولا التقليد جدبا) ، ذلك ينقضه الرفض الجهوي و/أو المطلق و إستحواذ الإنسانية معيارا أيديولوجيا.
2.الإرتباط التكويني بعامل الزمان و المكان ، إنما يجعل (العقل) حينها إنما هو علاقة تجديد و إبداع ، وكسر للسائد ضمن إطار (الآن – هنا) ، طمعا في الإرتقاء للأفق الحضاري و الإنساني ككل وليس بمنطق الإنفصال رأسيا.
فالإسلام و إن كان نصا واحدا إلا أنه متعدد الفهم و التطبيق و التجارب على النحو الذي يضمن بقائه مردودا يتنفس فيه الجمسع ويتلافحون ، وليس لأحد أن يحتكره وأن يدعي حقيقة فهمه و إستيعابه بل وتطبيقه والمراقبة على الآخرين ، وهي الفكرة الأساسية لتحرير مفهوم الدين من الاستغلال و الإستبداد باسم الكرسي و الكرش.
يمكننا القول :
أن العلاقة المتوازنة بين سلطة العقل وسلطة النقل ، أو الإبداع و الإتباع من دون الإخلال بالحرية الفردانية إنسانيا في التفكير و المساءلة و التأويل ضمن حالة الموازنة ، إنما تجعل من الحاجة " للتمييز بين الإسلام باعتباره نصا دينيا مقدسا وبين التطبيق العملي للاسلام أو الخطاب الإسلامي " متحققة حيث أنه " في المجال السياسي ، فإن الخطاب الإسلامي هو عمليا "الفكر السياسي" للمسلمين  ، وليس الفكر السياسي الإسلامي ، هذه المقولة ضرورية جدا للمجتمعات و الجماعات و الدول ، حتى لا يعتقد أحد أن فهمه وممارسته للإسلام هي الإسلام بذاته ، ومن ثم شرعنه الاستبداد وتكريسه" بإسم الحفاظ على الأصل ، " باعتبار ذلك دينيا أو أمرا إلهيا "*12.
أنتج المسلمون على مدار التاريخ فكرا سياسيا ونماذج في الحكم و الإدارة *13 ،تعددت في تطبيقاتها وقربها أو ابتعادها عن الإسلام ، وعن العدل و التقدم و التخلف و الإستبداد ، وكان "الإسلام" حاضرا فيها جميعا باعتباره مصدرا للفهم و المرجعية التي تقبل الآخر كما تقبل الذات ، وتأثر المسلمون في ذلكبالبيئة الإجتماعية ببنيتها الإقتصادية و الثقافية والفكرية التي تشكلت بموجات الفكر و الفلسفة و التصوف و النهضة التي هبت على العالم أكمل ، فقد أعطى المسلمون للحضارات كما أخذوا منها و إقتبسوا من النماذج السياسية و الفكرية و الفلسفية كما أثروا فيها وأضافوا إليها جميعا ، كل ذلك تم بالعقل.
لتصبح في النهاية علاقة النقل بالعقل مفتاحا للإجابة على تساؤل هام :
لماذا كان رسولنا الكريم هو آخر الأنبياء ، وبعده إحتجبت السماء بالصمت لأجل غير مسمى؟


 الهوامش :

رابط المقال على صفحات عرب ال48:
http://www.arabs48.com/?mod=articles&ID=74434

1.وفي سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك" . قال الراوي : أمسك مدة خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان وخلافة علي ، فالمجموع ثلاثون سنة. وعندما سئل : "إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم ، قال : كذب بنوا الزرقاء بل هم ملوك من شر الملوك".
2.مداخلة من الكاتب.
3.ذهب المفكر الإسلامي نصر حامد أبو زيد إلى مبدأ "تاريخية "النص الديني ضمن سياقه الزماني و المكاني وتفاصيله الزمانية و المكانية ، بينما تناول مالك ابن نبي النص الديني باعتباره ظاهرة تاريخية إجتماعية ، وهو نوع من الترادف لأطروحة أبو زيد من وجهة نظر الكاتب.
4. مثال آخر وجب ذكره وهو العلاقة الحيوية و الوجودية بين المعرفة و السلطة وعلاقة ذلك بالأيديولوجيا كانت الروايات بأن معاوية قد عمل على تحريف المقصود ببعض النصوص الدينية لتحويل إشاراتهم لعلي بن أبي طالب : راجع تاريخ الطبري.
5. طبقات الفقهاء - أبو اسحاق الشيرازي الشافعي - تحقيق إحسان عباس – دار الرائد العربي – ص 58.
6. المصدر السابق ص72
7.المصدر السابق ص 81.
8. القرآن و السلطان – فهمي هويدي – دار الشروق – ص7.
9. القرآن و السلطان – فهمي هويدي – دار الشروق – ص 45.
10. من ذلك كانت ردود الفعل على الكثير من الآراء و التصريحات الشبقية سلطويا منها القول بالأضرية الإبستمولوجية للحاكمية وما يستلزم ذلك من براءة كاذبة ، مثال ىخر موقف الشعرواي من هزيمة حزيران/يونيو67 ، وصلاته شكرا لله عليها و التي لم يتجرأ الكثيرون امام الأيديولوجيا ان يتخيلوا موقفه ، بل ولم يساءلوه ، وهو أيضا صاحب الموقف المبني على غير العلم ولا التخصص عندما طال علمه كل شيء بما فيه مناداته بختان الإناث وأن لا ضرر منه طبيا. أو التعدي على حرية الإبداع كما حدث من الشيخ الغزالي عندما قال : "إن عدتم عدنا" ، قاصدا رواية نجيب محفوظ – الرائعة- "أولاد حارتنا" ، و التي نالها حديثا إعتذارا خجولا ومراء بل وزئبقي من السيد الدكتور العوا ، قافزا على أقل رد للدين الإنساني ، بإسم الثيولوجيا، ووكالة السماء.
11. راجع الجزء السابع من سلسلة : في نقد النوسطالجيا (4): في الفكر(4) : العقل السجالي مظهر وجودي.
12.من مقال بعنوان : الديني و الإنساني في فهم الإسلام وتطبيقه – لإبراهيم غرايبة – جريدة الحياة العدد 17347 السبت 2 تشرين أول /أكتوبر 2010.
13.بحكم أن السياسة هي فن إدارة الإختلاف بحسب تعريف لوسون :
Contemporary Political science – Lawson – Third edition