Friday, 6 January 2012

بين فقدين...(لأنوثة منتهكة القيمة، وذكورة منتصبة المهانة)

أيا نجمة مهجورة بين غمازتينا..
أيا فقداً بين الهراوة و الرصاصة..
ياملمس الحلم...
ومجاز الحرية فينا...
هانحن هاهنا نقف على عتبات مؤقتنا،
وديمومتك
ننظر في كتاب الماء
علّنا نجد نصاً..
أو رباً..
أو رؤىً..
تشرح لنا "أنا"نا،
تركع بنا أمام نهديك والهراوة

خوفنا المتناثر بين سوءات نحملها كالريش
محاريث موت
نبدلها موتاً بموت
ووصايا أنبياء
فرحين،
نحمل نصوصنا على أكتافنا ، زاد نقصٍ
طريقا لسماء لاترى مصائرنا إلا بين فرجين/ضميرين
كل بصيرة للماء كانت إلا الحياة، و (الحياة مجاز الماء)
والإنسان محض ماء
فكان إيقاع الموت، إيقاعنا

***********************************
 
أومضت للظلام فكانت برقاً
يزف إلينا إلتباساتنا العذرية،
وقالت:
مروا بي، كسفح الحلم المنتهك، فأسير برؤياكم على سطح الماء
مروا بي، فأنا النشيد و العلم
أنا المدى، والتباسكم الوجودي لم يكن يوما أكثر مجازاً وحريةً
...إلا الآن
فلتخلعوا عنكم أثواب قوس قزح، و أقنعة المطر
في بلاد القحط
هاأنا على صهوة دمائكم
أتدلى من حافة السيف و التعريف
كلي "تناصكم"، و أنتم إيقاعي
نهاراً منثوراً على عتمتكم
هباتي، صرخات قمح يفتق الأرض وطناً
أنيني حدود رئاتكم
نهداي حفلة الفلز أمام البراءة
فماذا تنتظرون
وسماؤكم خرساء
وأنبياؤكم جدب
....وصمتت
 
*************************************
 
قال: تمهلي ياشاهدة قبري
ريثما أختار ترجمان النص المقدس وكاهنه
أخطه على جسدك الرخامي ذو الزرقة السماوية
في حضور أبهة الآلهة وشياطينها
تمهلي، علي أفصل للموت دياثة أكثر واقعية
لا تقلقي على مجازك، فبياننا أكثر تورية
إيقاعنا صمتك
تمهلي، علَّ شيخنا يحضر ليؤول فنجانك الدامي
فأنت فقد الطعم
ونحن فقد البصيرة
إنتظرينا، بين فقدين..
غمازيتنا الضاحكتين
 
 
على صفحات عرب الـ48:
http://arabs48.com/?mod=articles&ID=88203

Sunday, 1 January 2012

الله محض شعر : تأملات في الشعر

الله محض شعر

إذا كانت اللغة معيار حضارة الأمم، ومخزونها الإدراكي والتفاعلي اللذان يعطيانها فضاءها الحضاري المؤثر والفاعل تاريخياً، فالحيز الشعري هو الفن اللفظي/ اللغوي الأكثر تماساً وتماهياً مع سيرورة تلك الأمم وأفرادها. ومهما خيّل إلينا أننا نحيا عصر «النثر»، و«الرواية النثرية»، فيجب علينا أن نعي أن الانفصال بين تلكم الأنواع ومحركاتها الشعرية الأولى (الأصل/الجذر)، بما تمثله من اعتراف وتحريض وسحر وعبادة وهيام، مستحيل التمام، وإن كان ذلك لا ينفي تأثير مختلف العوامل السوسيومعرفية على سيرورة الشعر، كالأنوثة والحداثة والقصيدة وغيرها، حيث يمكننا تتبع تلك التأثيرات في الكثير من التمفصلات التاريخية بين مختلف صنوف الشعر (أولاً)، ومع علاقة الشعر بالصنوف والفنون الأخرى (ثانياً).

الشعر سمة الأصالة في كل فن معبر عن الإنسان يعتمد الكلمة، فإن كانت كل الفنون تطمح إلى الحالة الموسيقية -حسب فالتر باتر– فإن ذلك الجنوح لا يتم إلا عن طريق الشحنة الشعرية/الموسيقية الكامنة في تلك الفنون، فصناعة الرواية مثلاً سميت: POETICS OF THE NOVEL، فإن عزلتَ عن الفنون جانبها الشعري/الموسيقي سقط عنها إبداعها، وتماهيها مع التوق الإنساني للحقيقة.
«كل الفنون صور للحقيقة، إلا الموسيقى، فهي الحقيقة نفسها»- شوبنهاور.
فما أن تعلّم الإنسان «الأسماء كلها»، حتى كاد الشعر أن يكون ألوى تمظهراته الصوتية/ الموسيقية المنطوقة التعبيرية عن ذاته، وعن إدراكه للطبيعة للمحيط (والمسافة بين الذات والموضوع)، فكان على منطوق القول/الصوت أن ينفصل عن الحاجة الانسانية –وإن أثّرت في التكوين اللغوي- ليصبح الشعر حينها أشبه بمس من قوى سرية غامضة تحرك الإنسان، وتمنحه القيمة -فيما هو خلف البحر- من معانٍ جديدة للحقيقة، وتطاير الرؤى خلف السماء الأخيرة، مستخدمة من جماليات وشائجية تربط الإنسان بجذوره في الماء والشمس والقمر والتراب، فكانت الموسيقى والشعر، ضوء وظل.





 وكانت الأسطورة الشعرية ظلّها قوام تفكير الإنسان وقياسه، فهي التي «توحي إليه بدوام الصلة بينه وبين القوى المحيطة به، تلك الآلهة التي راح يعطيها أسماء وصفات مستقاة من تجربته وأحلامه وشعره.
لذا فإن كانت «الصورة الشعرية بروزاً متوثباً ومفاجئاً على سطح النفس»، فتراكُم الصور الشعرية يعطيها فضاءها السردي تاريخياً، لذا كانت على امتداد الحضارات كلها مدونات الإنسان الملحمية والبطولية والتأملية، وتراثه القصصي نظماً شعرياً بدايةً من جلجامش ومآسي إيسخيلس وسوفكليس ويوريبيدس والإلياذة والأوديسا والكوميديا الإلهية وغيرها الكثير مما لا يتسع له المتن هاهنا. وذلك لما للشكل الشعري وتورطه الفني المتنوع من تجاوز وتعالٍ عن مسرود الفردي اليومي المجرد، إنما لشموليته وتسامي معانيه وتجاوزها حيز النسبي، فهو يمس الهوية الجامعة للوطن والأمة والإنسان، بالشعر يتخطى الإنسان نفسه... لمصاف الآلهة.

 «شعب بلا شعر... شعب مهزوم»- محمود درويش.
يسوقنا ذلك للتساؤل، ها تندفع البادئة الشعرية، أو الصورة الشعرية لاندفاع داخلي؟ أهي صدىً للماضي؟
بحسب باشلار، فالصورة الشعرية لا تخضع لاندفاع داخلي، وليست صدى للماضي، هي وهج الصور المترددة للماضي البعيد الأصداء، ولكن من هنا يصعب -بحسب باشلار- معرفة على أي عمق سوف يتم إرجاع هذه الأصداء الماضوية أو تلاشيها أو ارتباطها بتفاصيل الراهن. ولذا فهو يرى أن الصورة الشعرية لها فرادتها وطزاجتها المعبرة عنها، مما يعطيها هوية ودينامية خاصة بها، وأنطولوجيا شعرية آنية ومباشرة لا يمكن تمام الإمساك بكثافتها إلا لحظياً، ونعرِّفها بميتافيزيقيا الخيال الشعري.
إن البادئة الشعرية والصورة الناتجة عنها، تضعنا بعيداً عن شرارتها الأم/الجذر أمام العديد من الأسئلة، فكيف تستطيع الصورة الشعرية خلق زمنية منفصلة وخاصة وجامعة في آن، تبدو على قصرها وكأنها تكثيف للنفس الإنسانية؟ كيف لها أن تحدث أثرها في عقل وقلب ووعي المتلقي، قافزة فوق حواجز الحس «السليم»  و«خصوصيات» المعرفة، ومدارس الفكر المختلفة والمنظمة له، والقانعة برساختها أمام أي شيء إلا الشعر؟

 وإن قيل أن الإحالة إلى الذات الشعرية كفيلة بمعاونتنا على فهم آلية تكوين الصورة الشعرية (البادئة الشعرية) وتشريحها، كالتحليل النفسي مثلاً، إلا أنها تغفل طبيعة الصورة الشعرية باعتبارها حالة حوار «تنويعاتية» وليست  «تكوينية»، مع الذات والمحيط.
كتب بيير - جان جف قائلاً: «الشعر روح تتفتح شكلاً»، هي هنا القوة العليا والكرامة الإنسانية وفضاء الوجود الإنساني الأسمى، وكأن القصيدة الشعرية نبض جديد في الجسد الإنساني، لتذكره على الدوام أنه في سعي للاكتمال مع الروح الأعلى: الله.


______________________________________________

رابط المقال على صفحات "فلسطين الشباب":
http://www.filistinashabab.com/index.php?option=com_k2&view=item&layout=item&Itemid28&id=934

Wednesday, 21 December 2011

في شبقية الجنس السياسي

هاهم الجبناء يفرون نحو السفينة...
يعاشرون آلهتهم...
على صفحات الكتب المقدسة...
ينزعون آيات /ورقا من توت عن جموح الهرمون فيهم...
ويسجدون بعد كل انتصاب للدياثة و الجسد المنتهك..
رافعين فوهة فروجهم للقوادة..
ويرددون: ها نحن ذا..
نعبد ماتعبدون...
نسجد لما تسجدون...
ونقبل ما تدوسون...
وربنا ملك يمينكم...
وأوطاننا محض أسرة لشهواتكم...
وعرضنا أمراضكم الجنسية...
أتقبلون بنا مقرئي آيات الحديد على فرج ذاهب ..
وفرج آتٍ...

أنظر و البيان محض تورية...
ماذا تخبئون بعد؟
______________________________________

تعليقا على ارتماء السلفيين على قضيب إسرائيل.

Sunday, 20 November 2011

قراءة في الأمل الثوري

لعل من أهم مايبث في قلبي الأمل فيما يتعلق بالربيع العربي ، تميزه من حيث:
1.الوعي الذي يتمتع به الشارع والميدان ، والذي فاق نخبا سياسية وثقافية و إعلامية ودينية لاتزال تتعامل مع الثورة بمبدأ الكراسي الموسيقية، أو الراعي الذي كان يعزف نايه ليخرج الفئران من القرية (قصة من التراث الألماني)ن فالمجلس هو الراعي ، والنخب هي الفئران، فيقودهم للماء و الغرق ، بنعمة الموسيقى.
2.بلادنا لعقود رزحت تحت نير الفكر السلطوي العسكري الديكتاتوري ، وهو فكر في أصله ذكوري أبوي ، حضور المرأة في الساحات يحرر فيَّ شخصيا إنتمائي للضمير المؤنث ، في "المدينة" "الحرية" "الأم" "الجنة" النار" "القيمة"، في حين أنني "إنسان" ، ولذا فثورة اليمن الأقرب لقلبي في هذه النقطة.
3.مقدار الحرية التي يتمتع بها الثوار في الميدان ، أن تواجه الموت وجها لوجه ، هو نوع من التحرر لا نملكه إلا في القصص و الروايات ، وهو نوع من الحرية لايوهب ، إنما ينتزع.
4.جزء من النهضة الحضارية يتمثل في العودة للأصل الشعري اللغوي للإنسان ، فأصل الحضارة من اللغة و الشعر، الإلياذة و الأوديسا وغلغامش والأدب السومري و البابلي ، وغيرهم الملاحم الإنسانية البطولية الأولى نظمت شعرا في السرد ، وهو تماما مايحدث في ساحاتنا العربية ، اللغةالشعرية الجامعة وزمنيتها هي التي حمت الميدان وكل ميدان تحرير في دمشق الياسمين و اليمن و البحرين و القاهرة (جميلتي) والأسكندرية

Wednesday, 9 November 2011

لا للمحاكمات العسكرية

الجلاد لم يولد من الجدار ، ولم يهبط من الفضاء ، نحن الذين خلقناه، نعم نحن الذين فعلنا ذلك ، وبإصرار أبله، تماما كما خلق الإنسان
القديم آلهته؟ خلقناه، في البداية ، رغبة في النظام السهل، ثم تواطأنا معه لإخافة الصغار و الغرباء والأعداء ، إلى أن أصبحنا نتساءل عن مدى قدرته ، ومدى الحاجة إليه ، وعند ذلك بدأنا ننظر إليه بحذر و نصمت ، ثم بدأنا نخاف منه ونعلن إلى أن وصلنا إلى الإمتثال و الطاعة والرضا ، و أخيرا التسليم!
ومثل الإله ، بعد أن خلق و إستقل و ابتعد. ثم أخذ يخلق لنفسه رموزه وشخوصه وطريقته في التعامل مع الآخرين ، أصبح وحده الذي يمنح البركة ، ووحده الذي ينزل العقاب. وكل من يتساءل أو يعترض فهو الآبق المارق الهرطوق، وهكذا توالت التقديمات له ، ثم الأضاحي و النذور، ومنه نطلب المغفرة ثم الرضا فالبركة، ومن لا يمتثل أو من يختلف فلابد أن يقاطع ، ثم يرجم، ثم يحجر عليه ، وهكذا ولد السجن! 

(2)

وتماما مثلما سخر الإله هذا الكم الهائل من الملائكة لكي تتجسس على البشر، وتنقل إليه ليس فقط ماحصل، وإنما ما يدور في القلوب و العقول من رغبات و أفكار ، وقبل أن تصبح فعلا، هكذا تعلم الأقوياء أنهم بهذه الطريقة وحدها يمكن أن يحموا أنفسهم ، وأن يواجهوا أولئك الذين يريدون هدم ماشيد خلال فترات طويلة! ولذلك بدل السجن الواحد أقيمت مئات السجون ، وبدل قوي واحد وجد أقوياء كثر بهذه الطريقة توالت السجون  واتسعت و امتدت ، فطغت على المدن وتجاوزتها إلى ما ورائها، وتزايدت إلى درجة بنى كل انسان لنفسه سجنا صغيرا يذهب إليه يوميا ، وبمحض رغبته ، للتعبد والتعود، ولكي ينتهي من هذا الواجب  الذي يثقل ضميره!

(3)

حين وصلت الأمور إلى هذا الحد قال الناس: وصلت النار إلى بيوتنا! وبذلوا كل مايستطيعون من أجل إطفاء  النار و إرضاء الذين أوقدوها... لعل الحظ يسعفهم فلا تصل إلى بيوتهم، ولكن الريح  باتت قوية وعصية على أي ترويض ، وهكذا بدأت النار تصل إلى كل البيوت. وأغلب الأحيان بشكل مفاجيء ، لأن لا أحد يحزر على الزوابع أو يتحكم بها.(4)لابد أن أتوقف، يجب أن أصبح حجرا ، أو صندوقا فارغا ، أو أتحول إلى قنفذ يعرف جيدا كيف يخبيء نفسه لحظة الخطر، وإذا تجرأت أكثر مما ينبغي فلابد أن أتعلم كيف يتحول الإنسان إلى مخلوق أخرس أو فاقد للذاكرة، وإذا إضطررت للكلام فعلي أن أتكلم كالخرفين الذين هدتهم الأيام ومتاعب العمر ونقص التروية!

(4)

الآن حان الوقت لكي نضرب بعضنا بعضا، ليس من أجل إقتسام المكاسب، فهذه غير موجودة، و إنما من أجل إستمرار الوهم، و أنت تعرف أن الثور الأبيض بدأ أكله يوم ذبح الثور الأسود! 

(5)

هل أنا الذي رأي كما قال جلجامش؟أغلبنا رأي وجميعنا نعرف، لكن الخرس اصابنا و الجبن هدنا، ولذلك لابد من الطفل الذي رأي عري الملك فصرخ، لابد أن ،صرخ ، أن نحتج.. 

الآن هنا...عبدالرحمن منيف

Wednesday, 2 November 2011

السمسم

فلنتفاوض كسيدين.
إجلس هنا أمامي ، فأنا جالس ومعي ما تريد،
وحدق فيَّ كما ينبغي لخصم أن يحدق ، ثم ضع على المنضدة ما تحتوي جيوبك:
الحديقة أولا . إنني أرى الجذور تخترق السترة، و التراب يعفر قميصك. هنا على المنضدة... الحديقة أولاً.

ثم هات السحابة تلك ، التي تبلل حواف القبعة، وتتدلى خصل باردة منها بين خصلات شعرك. وهات القوس قزح، ذاك ، المائل على صدارتك المذهبة، هاته..هنا على المنضدة.

لا، لا تكن شاحبا، ولنتفاوض كسيدين ، فمعي ما تريد.
إجلس أمامي ، وضع على لمنضدة ذلك البهاء الذي أتعب مديحي..هاته وهات المساء المتدلي على صدرك كربطة عنق..

  مثقلا بالدماء ، مائلا كقوس يمتد من الذهب المسبوك بزنازين أجدادي،  إلى المديح الكذاب على عتبات صباحاتك..هكذا يتمدد ظلك على وطني، وبعون صوتك وسمعك يأخذ الوقت طريقه إلى الكلام الأخير..

أصارحك بالسنونوة الميتة على رأس شارعنا...
أصارحك بأنين الباب لصاحبه...أنا الجالس هنا، أمام صحن الرجل الذي قتل في الباب فلم يلمس وجبته...

أميري يا عافية الظلام، تسلل من الفضيحة إلي..

ولتخرس أمام البهاء الذي ينثر السمسم على أرغفتنا.


من وحي سليم بركات...

Sunday, 30 October 2011

من هوامشي (4): فراسخ الخلود المهجورة بين موتنا وحيواتنا (والموت جمع بصيغة المفرد).


لقد أربكنا أن مايتفوه به موتى المصادفات يستعصي على فهمنا ، وحيرنا أن الرجل الشاحب و الشاب يصغيان إلى المجادلة الصاخبة بين الحلقات البشرية، هناك، ويهزان رأسيهما موافقين، أو يتذمران، مما يجعلنا نقترب أكثر من أولئك القتلى، فأدركناهم، يتخاصمون في اختيار القضاة.
كانوا على أهبة المرافعة عن ميتاتهم. وكان واحدهم إذا شَهَّدَ الآخر ليدعم كلامه خذله الآخر، مرافعا عن نفسه فقط، حتى انقسمت الحلقة الواحدة على كيانها، فتنافر المجتمعون، مهددين، قبل أن تعقد المحاكمات أو مايشبه محاكماتٍ. ثم تواجهوا خبط عشواء، رافعا كل شخص إلى من يواجهه، في كفيه، الشطايا التي قتلته، وكأنما تجري مقارنات، وحساب فروق في الأوزان. وكان واحدهم إذا أعيته حجته، وبراهينه من الشظايا المعدنية، ضرب الرمل بعقب قدمه، فينبثق الدم ساخنا، وهو يشير، بعد ذلك، بأصابعه إلى ما إنبثق من السائل الأحمر داعما به حججه .
كان على قتلى كثيرين أن ينتسبوا إلى هذه الجهة مرة، أو إلى تلك الجهة كرة أخرى، بحسب ما يترجح من كفتي الميزان. أي تحديدا، ما من غلبة إلا للموت. أما انتصار الأحياء فمؤجل بنعمة الإرث الهائل من غدٍ مهزوم سيلي غده المهزوم في تعاقب هندسي حتى يومكم هذا ، وذاك.


من وحي "أرواح هندسية" لسليم بركات

Monday, 24 October 2011

الطين نص معماري


أن تُسأل (ماذا تعني لك المدينة ؟)، هو نوع من الأسئلة الملَّغمة و التحريضية في آن، فهي تمنحك حيزا من الحرية و التعالي بما تقدمه من علاقة خرائطية مع المكان (ومافيها من دلالات لونية) تغري البصر وتغني الصورة ، وتغوي التأويل بجمالية الخطئية (الإنفصال)، وذلك في حد ذاته حالة جمالية تستلزم قدرا عاليا من الحياد و الموضوعية، وعدم الإنجرار إلى غواية جمالية تستوثقها إجاباتنا حرفا مكتوبا بلغة خفيفة متطايرة في فرط تماسكها الجمالي الحر.
أما الجانب التحريضي من التساؤل ، فيتمثل في كونه دعوة صريحة لقراءة تأويلية وتأملية في تفاصيل المكان/ المدينة/ الخريطة، باعتبارها نصا يتمظهر لمسا ومسا لغويا في مفرداته: البشر و المعمار والمسافات المجتمعية فيما بينهما، و إنعكاس ذلك على القيمة و المدلول والتحرير ، باعتبار أننا كائنات مكانية، تتحرك و المكان في البعد الزمني وحرية الفكرة .
الجانب الخطير الآخر من هكذا تساؤل ، أنه لا يأتي وحيدا ابدا –وإن إدعى- ، فالمكان هو حضور الغائب فيه، وحالة من التعيين والتحديد تحددها تجاذبات العلاقة بين حاضره وغائبه.
سؤال الذات عن تمثلات المدينة/المكان ودلالاتها ، يحولها، إلى موضوع متسام عن مدركاتنا المدنية في جانبها المادي، فيحرر –السؤال- المدينة /المكان من صلابة "الوظيفية" البيولوجية و الإثنوغرافية -في سلم آخر-، فتصبح المدينة/المكان حيزا تعبيريا بقدر ما تحقق القيمة المعمارية والمجتمعية و التاريخية قيميا، بقدر ما كان للمدلول الإنساني لها حرية أكبر وقيمة أكبر.(وهذا هو سبب المزاوجية في المتن السابق بين حرية "المكان" واتساع حدوده الميتافيزيقية ومحدودية "المدينة" لغرض معماري بحت).
فالمكان/المدينة كيان مركب، يغلب عليه الطابع اللغوي، وعلاقة الإنسان به هي علاقة طينية بمنطق المزاوجة بين الماء و الطين ، وتحرر الصلصال من وطأة المعروف من الشكل، لذا فالمسافة بين الطرفين هي مسافة تعبيرية ، يحددها الإنتماء الطيني.
تصعب الإجابة على هكذا تساؤال في مدينتي التي يسير سكان أماكنها فيها –بمعزل عن مكانهم- وأبصارهم شاخصة في قلق وجودي في موطيء أقدامهم لاتعلوه حلما بقدر ما تتدناه خوفا، غير قادرين على رؤية الفلك المشم في المتون المرفوعة بين أرضهم وسمائهم، إما عن إحساس مفرط بالذنب تتقاذفه عيونهم فيما بين مسيرهم في عروقها، يوسف وذئب، وإما استسلام لوطأة حياة حوَّلت الظلال قوام لمس للضوء، فعطبت الثابت من الحياة و الموت.
في المدينة، إجتماع شذراتنا المائية في لحمة الجسد المائي في جريانه اليومي، بكامل إتفاقه، وتواطؤ جاذبية المدينة تارة معه وأخرى ضده ، جريان يوسوس لنا مجيبا نداء الطين فينا نحن بشره ، وبذره.
إن المدينة/الطين التي لا يؤول بها بذرها/بشرها، و البشر الذين لا يحررهم تأويلهم الطيني المتَّمدْن ، هم اغتراب المعنى عن ملموس اللفظ.
****************************
قال لي حرف/حجر، شق فتقه اللفظي من جسد النص المعماري في مدينتي ولم يكن ببالي مرآه سقطاً كغيره:
أنا انعكاس نبضك المائي في الطين ، وأنت وبنو طينك تعتزلونني في طقس حداثة الطين الكذب، ولا أدري لمَّ، ألمقتلة سياسية ومجتمعية وطأتكم؟ أي الأحمال تلك التي تحملونها على أكتفاكم، تكسبكم خرسا مزهوا ؟
نظرت إليه وهالتني تفاصيله الحاضرة، لاهوادة فيها، لا وقت فيها إلا ظلاً، ولاظل فيها إلا وقتاً. أعطته تعاريفه المظلولة تفاصيل اللاموصوف من قصور إدراكنا ، نحن قاطنوا نصه، متأملون –والجمع دلالة فقد الحضور الفرد هنا- الغمر الساكن في الشكل.
ومساً أصابتني هوة البعد المختصر مكانا وزمانا في لمسه، واستوثاقه بصرا، فتوقف النص الطيني عند أول الطين و أول اللمس ..كم أهملناه و أهملنا، فسقط الزمان بيننا على جسد وفاء الموصوفات لللامحتمل مكتوما، لايبعثه إبصار حواسنا ولا كثافة فقدنا.
هاله صمتي ، وكتل الزمان و المكان بيننا رخوة من فرط نهب مدننا، فقال:
أللحيرة جسد؟
قلت: بل للجسد حيرة ونص، في كون أغمض عينيه عن أجساد يلمحها ونهابها ، وبيننا خلسة و آية ومنطق الحديد.
قال: أين اجسادكم الحائرة، ومرآوية الزئبق الكاذب تغطيها وتحيطكم، تُفْرطون في وثنية الجسد، بقيافة النص الجسور –شكلا- في تقييد البعد. عبث أنيق هو نصكم ، ومرآوية الزئبق فيه لا تخبر إلا ماأردتم من الكذب ، ومعتقد الرماد في سرديات اللهب البارد. فالزئبق هو نبض الهروب الأزلي.
نصوصكم/عرَّافوكم، أصواتكم التي تثير حفيظة السماء..أخرستموها ، فلتعودوا إلى مائكم / مَنِّيكم، فزجاجكم الزئبقي لايقول إلا مايطلب منه، كوزير الوالي وجبريل السماء..وهنا هو قوَّاد الحي إلى جمالية العدل الإنساني المنهوب.
تدخلون أجسادكم الفضية/ الزئبقيةعارية اللون و المعنى، حتى الشمس –أصل المعنى و الأنوثة-  لا تُعْرِّفها، شؤونكم فقدكم النصي المقدس، تسرقون من أنفسكم خلسةً خلسة زمنكم ، و ألق الآخر. مثقلة متونكم بآخْرِّكم ومنحسرة هي ذواتكم، يطغى حاضرها الملول بقناعة ماضيكم.
و بين كل ثرى وثريا عرَّاب هزيمة منتصرة، يتوج الرماد بالرماد، يبيع لهاث صلصالكم، يتلو عليكم تراتيل إله المعدن، يسرق سمائكم ليحشو بها منطق ملابسه الداخلية معدنا ، في زمن الأبوة المقدسة.
جائكم من قافلة حكماء يدربون صغار الموتى على خيانة أنفسهم ، كلما إطمأنوا إلى أنهم أبناء نسل خان حيث قدر على الخيانة. موتىً هم حيث أنجز كل واحد منهم معجزة موته ثقة بانتصار الموت فقط، فعادوا بخرائط جليلة للعمران حول حدائق الموت، خرائط من ريح ومن دوي الصدوع المهولة ، و إنهيار سفوح المعنى.
قلت: أهذا كل ماتراه؟
قال: كلا ، فللنص بصر، لايراكم ، ويتنبأ.
فضاؤكم بلا أمكنة ، وزمنكم بلا ديمومة ، حضوركم في معماركم هو عَرضُ اللهاث من النفس، هو خروج وهروب على الدوام، ذاكرة مضطربة في هزائم المكان المنتصرة. تتلمسون هَوِّياتكم تحت الدروع الذكورية بيد من ضمادات نصوصية لا فضاء فيها، و الهوية صلصال وطين وأنثى حرة ومقاومة.

أخرستني كلمات وصفه، راكدة تنتسب للمكان عن المكان، أي مرآة تلك "أماكننا"، أي نصوص هي التي تعري فينا خوفا ممسوسا ، لا تعوزه إلا مصادقة الموتى من الحياة.
في البلاد بلادي ومكاني خيال يحيا متذررا على حد سيف وشرعة كاهن، يهرب متنكرا في نصوص جسدية لاتهادن أرواحها، ولا أفكارها، بلاد القناعة فيها أول القهر.
بين خيال منتهب وقناعة مسلوبة، يصبح للطين هاجس الأشكال، فيدفن إفتراضه الطفل. تنقصنا حرية اللغة، الكسولة كالديمومة، بين ذواتنا وقشرة الموت اللغوي فقدا. لغة رقيقة تخرج من فروج إناثنا، وتسامي تائهن في هواءنا، لغة لا تحتجب لذئب ولاتتماهى ظلاما لخصية، لغة لاجزية لمطبقاتها وتورياتها، لغة لا لواقعها عليها سيف وشيخ، هي كل لزومنا لوأد غيابة الطين في معمارنا وصلصالنا.
نصوصنا/طينتنا سردية تواريخ الفقد المشكول الوصف، هندستها أختام السديم الجمهوري و الملكي حولنا سجناً ، بأبدان قيدٍ لقضبانه أثير الملمس وشيخه، وعبادة التمر، في علوم المفقودين في ثنايا مخمل المجلس ، وزمن الفيلة.
نصوصنا، خروج الإسم من خطوط الكف و الرقم، عودة التأكيد المنهوب على الوجود. أي النصوص تلك التي يساءلني الحرف فيها عن فقد المنظور من المعنى، أي تساؤل كهذا، يقف محدقا في جرائم اللون و الرمز في فينا؟
عندما نقع عبيد وصوف حواسنا وبيولوجيتنا الأزلية أيديولوجيا، فطبيعي أن نهاب حرية اللاموصوف، وخيالنا وقع المنهوب منا فينا. حينها يصبح الحب لمنطق النص ضربا من جنون الخيال وتبذير المنطق، متحررا من وطأة القيد و المنفى لغة، حضوره كرم القاعدة المضطرة شذوذا.
منحوتنا الحرف، خيال من نبذٍ معمارية هي نصوص موتى وعماء أيديولوجيا، هو أقصى حضور الألفة المجزوءة من فقد الكل.
قال الحرف مستوثقا من غضب نصه الصامت:
خيال له قوام الرمل، نبذا لاتكتمل سرداً، حيواتكم فيه لاتأكيد فيها إلا على حرية الموت، فلتعودوا لباديء الهوية ومنتهى التجاذب، تلفظوا مائكم، فمتى تلفظتم الآخر كان ومتى تلفظتموه كنتم حرفا من نص حر..أنتم، فالموتى لا يلمسون الموتى ولايتحاورون في الوثنية. نصوصكم/معماركم إنتهاك خريطة من ريح وحبكة بلاحكاية.
ثم وضع حرفه بين خطوط يدي ، وملمس الإسم الإلهي كفاً، وقال:
فيك نبضة قلب تائهة، تنادي حرية المطلق في جسد مغترب نصا.
اعترفت:
أحبها بقدر ما أهوى خرائطها ويغويني فقد اللون فيها بين رمادي بخيل وأسود مفرط في الكرم السلطوي، فتحررني ألوانها المنتهبة رمادا طائرا.
قال: لاتتركها إذن، تغدو حكيا أنثويا، يعوزه ذكورية اللفظ، ليتحرر المعنى من وطأة الهروب، لاتفعل لكي لا ينتصر العدم على العدم، وتعود كيمياء المدينة كيمياء متون رطبة..فقط.
ورحل حاضرا.
فتذكرت حينها مدننا المنهوبة و المحتلة، أتراهم يسمعوننا، وماذا كانت لتقول لنا حروفهم، التي تستجير بدعاء الظلام المتصبب حولها فيمنحنا خرسا تهتز له أعراف الضوء ، وتلفيق تاريخنا للظلام..ظلامنا.

Tuesday, 20 September 2011

مشاهداتي (1) : إستحقاق أيلول جريمة لغوية

الإحتلال يقوم بافتراض صيغة من التكافؤ أو الترادف فيما يتعلق بالفلسطيني بين "الصورة" و "الهوية" ، لذا فهو يقدم دوما الفلسطيني على أساس إنه "إرهابي" أو من حضارة أدنى ثقافية / إنسانيا أو صاحب "حياة" تستحق الشفقة -فلا قضية نبيلة لديه يقاتل من أجلها إنما هو يستشهد ويموت ويؤسر ويقاوم لكونه لا يستطيع أن يحيا متوائما مع الآخر "الغير إرهابي" الآخر "المتحضر ، لإرث أدنى من ثوابت دينية وثقافية وحضارية وإنسانية .
وهو ما يعطي حيزا للفلسطيني ، للمقاومة و تغيير حدود الإستيعاب و الخطاب و اللغة و التمظهر ، وذلك بخلق زمنية فلسطينية خاصة لا يمكن الإحاطة بها أو إدراكها إلا بإدراك وتعريف "الذات" الفلسطينية كاملة بين:
"تناقض" الصورة كمنتج حداثي معولم.
و"ثبوتية" تقتل الهوية ، كمخزون حي للإنسان.
وهو ما يجب أن يتم باستخدام خطاب سياسي وحضاري وثقافي وإنساني، يتحرر من أدوات "التخييل" و "التمظهر" و "تعيين الهوية" للآخر ، سواءا الأدوات الايديولوجية و القانونية و الدولية.

إن استحقاق ايلول ، هو نوع من المصادقة -القانونية و الدولية- عن ذلك الترادف الصهيوني -المدعى- بين "صورة" الفلسطيني و "هويته" ، وهو يتفوق على عملية الإخفاء اللغوي القسري للفلسطيني بينهما ، في الجسد السوسيولوجي - وحتى الأنثروبولجي- الإسرائيلي، إلا أن تداعيته أيضا لا يمكن فصلها عن الجسد الفلسطيني فهو صنيع ذلك العقل السياسي الفلسطيني.

إن استحقاق ايلول ماهو إلا جريمة ، لغوية و إدراكية و إنسانية ، تفوقت على جميع ادوات "المابعد كولونيالية" للسيطرة .

Tuesday, 13 September 2011

استحقاق أيلول: إقرأ ...ما أنا بقاريء

(من شأن انضمام فلسطين لهيئة الأمم المتحدة تمهيد الطريق أمام "تدويل" "النزاع" باعتباره أمراً "قانونياً"، وليس مجرد أمر "سياسي". كما سيمهد الطريق أمامنا لمتابعة "ادعاءّاتنا" ضد إسرائيل لدى أجهزة الأمم المتحدة، وهيئات حقوق الإنسان المنشأة بموجب "المعاهدات" ذات الصلة، ومحكمة "العدل" الدولية... كنا نتفاوض مع دولة إسرائيل على مدى عشرين عاما دون أن نقترب ولو قيد أنملة من إقامة "دولتنا"... وماتزال المفاوضات هي "خيارنا الأول"، ولكننا بتنا مضطرين، بسبب "فشل" هذه المفاوضات، إلى التوجه إلى المجتمع الدولي لمساعدتنا على المحافظة على الفرصة "الأخيرة المتبقية" للتوصل إلى نهاية "سلمّية" و "عادلة" للنزاع القائم).

من ترانيم الوثنية السياسية في زمن إله الحديد ورسله، على لوح محفوظ أنزلته سماء عاقر، على عتبات تاريخ مغتصب، في شؤون الدم المسفوك على كتف عاهرة، كانت تلك الصلاة، لانتزاع اعتراف أممي بقانون الجسد المنتهك.
مؤلم ومفجع ومأساوي، كيف ترتكب هكذا مخيلة جرما متخيلا، وتقننه وتسيّسه، وتصلي له. أي خرس تاريخي وصمم ذاك الذي أصابها؟
ألم ير ذاك القلم المسفوح السردية التاريخية لآدم، منذ أن خرج من جنته على يد آلهة وشيطان، ألم يهتز حبره يوما ويسال لزلازل تزور مدنا وقرى لتدمرها، فلا يهجرها أهلها، بل يعيدون بناءها، ويرتقون ظلالها بالضوء والحكاية، في ذات الموقع التراجيدي وعلى نفس ركام الألم؟
ماذا نسمي هذا الشغف بالمكان، حتى في عز الكارثة؟، أوليست السردية أول الفاكهة والأرض والهوية، لغة.
وما يصح على الفلسطيني ينطبق على اليهودي، ألا ترى – تلك المخيلة- إلى حائط المبكى وقد ذاب من القبل أكثر مما حتتّه الدموع؟
إن مخيلة الترانيم الوثنية تلك، وهي تتمنطق بالقانون وجميل السياسة – إن كان لها جميل-، لا تملك من الحياة ما تضخه في عروق ورقة توت "مستحقة" واحدة من "هذه الأرض"، تداري بها سوأتها، تحت سماء خرساء وشيطان بريء.

صلاة كتلك بمحراب روما القديمة/الحديثة، تسفك التاريخ لصالح إتاوة إيروسية فاحشة وكاذبة، وتنتهي بالأخوين اللدودين إلى عناق عار وجاف، بعد اقتسام جسد المرأة، وسريرها.
أما توقفت تلك الترانيم الأيلولية، على العتبات الصلصالية لزمان يصر على ألا يكون إلا "أيلولا أسودا"، مضرّجا بالعويل، و النهب، و حنين البدايات للبدايات، قبل أن تُمس عذرية التعاريف، بقضيب التأويل، ألم تتساءل قبلا:

ألم يكن ذلك "الانتصار"أقل كلفة بعد خمسة حروب وانتفاضتين، وأجساد وأحلام تطأها القبور والهوية؟
أي انتصار يتضور جوعا هو ذاك، انتصار الميلودراما على بطاقات البريد، حين يصبح العنوان سرابيا بامتياز على سفح جغرافية خطية: "على يسار المسرح المهجور سوسنة و شخص غامض، وعلى اليمين دولة مدنية وعصرية"؟، أما اكتفينا من متلازمة منطقية عربية بامتياز جعلت منّا قاعدة شاذة لا تستوي بدونها عموم القاعدة، كحتمية العلاقة بين المركز و الهامش.
أي إله، يقبل نسبية البراغماتية، قرابين لمطلقه المقدس، أي عدالة تلك التي تنزع عن الفلسطيني ظله، بقناعة إجبارية، وتاج من رماد، ليقول: وداعا حيفا، وداعا طبريا، وداعا أيها الشاطيء السماوي، وداعا عكا، وداعا لكل زيتونة عتيقة ومتعبة، من الحكاية، وداعا لفلسطين الماضية إلى يهوديتها إلى الأبد... بكوفية؟
ويخرج من برتقال يافا الحزين... حزينا.
أي وطن هذا الذي يمهره الذئب بدم الغزال، أي "عدل" ذاك من لغة تخون معناها؟، هو ليس "نزاعا" حين تشبثت الجهات بوجهة البراعم، هو ليس "ادعاءا" حين صعدت الصرخة سلالم النبات، هي ليست "دولة" تلك التي تباركها إبادة هوية، ومنفى وطني لها.. مخيلة يحاكمها كرسي وصولجان، بتهمة معاداة الأسطورة ويقظة زائدة بهوية ووطن.
لن ابدأ وطني/دولتهم من ظلام وفلز، فتلك أرضي وأرض سمائي، ولست مكلفا إلا من الغياب بكتابة أسماء حضورها الجغرافي والثقافي والحضاري والإنساني، كتابة تحررها ذكورية اللغة وأنثوية الحكي، ذكورية البرتقال وأنثوية الأرض، هما كل ما أعرف، فلست إلا ما أعرف، ولو لغويا.

ناهضا في ثيابي الآجرية يحدني شمالا موجها وجنوبا برتقالها، وشرقا سماء وضاءة، وغربا سيف من "ضاد"، بها أطمئن لنبضي الصلصالي تحت قشرة الدم، فأعري خطابا سياسيا أفرط في خفته اللاهوتية، وزئبقية البوصلة.
استكثرت علينا "كافا" مهما تشابهت تظل شبهة لا تلامس النور، فلا يعوّل عليها، لدولة لن تصبح كـ "وطن".أي ترجمة للبازلت ننتظر، لنص ثوبه اللغة، وجسدنا المعنى، حرا من سطوة الأركيولوجيا، في زمن ربيعي تصوغه النون الفلسطينية العربية، في منتصف الـ"أنا" وعلى بداية ونهاية الـ"نحن"، إلى بلد لاحدود له، وغينة لا تختنق.
"اللغة التي ورثناها، بلا انتظام، قد بلغت حد الإشباع في وصف مالا يقترب من وصف حالتنا الجديدة. ولكنها هي تلك اللغة، وما يشير إلى هويتنا وإلى شكل وجودنا ونسيجه. وفيها لا في الواقع الطارئ، نعثر على دفاع الجسد عن الروح، وعن حاجة الروح إلى جسد".

أيا لغة من الأرض، وللأرض، هي مخطوطة كتبها الله بحبر سري والشمس والعشب والماء حبر فاقرأ!. ولا تقل لي ما أنا بقارئ.
ميز بين الموج و الطمي، بين الأفعى و الأقحوان، لتكفر بإله الحديد، وجبريله.

_______________________________________________________________________________
رابط المقال على موقع عرب الـ48 الإخباري:

رابط المقال على صفحات المركز الفلسطيني للتوثيق و المعلومات: