Saturday, 11 February 2012

لأسير و شهيد في بلادي

"أكنت أهذي ؟
لا، كل باب يفتح الآن يفتح على صلصال يلد حلماً، وعلى غضب جالس على الموائد و الأسرّة ، يحصي المراثي ، ويعيد تشكيل موازين الحياة.
بلادي ، تحصي مراثيها أيضاً نبؤات المهرجين ، لترتجل الملحمة.
بلادي ، تعدو بين الملاحم و المراثي ، من بداية لنهاية، لتستبدل قناع العاشق بالبحر ، و هرطقة العواصم والمدن الإسمنتية بالحنين الريفي ، هكذا يبدأ نشيد آخر، نشيد الفراشات لا نشيد الحديد.
 لتتنحنح الأرض في مجلسها خشوعاً،
أنا الدليل أخبركم هذا ، و أخبر المياه بحديث الحديد".
________________________________________________________
هكذا قال الشهيد والأسير في بلادي لعروسه ليلة إتزان السماء على أصابعه ، وزنزانته.


Thursday, 9 February 2012

على طاولة عشاء نبوي :مشهد 1

"بقبلة تبدأ الحرب كلها
 بقبلة خفيفة تتمجد رويداً رويداً
وتكتنز
بقبلة يبدأ هذا كله
بقبلة خفيفة تمتليء بصخب رجل و إمرأة
مكانٌ رجل
وزمانٌ أنثوي
باتحادهما استوى الخلق في "ستة أيام"... هكذا ردد رسول السماء
ولكن تذكر... السماء رقيب زمني على أماكننا ، لذا فلن يقول لك رسولها أن
الكون خلق في ستة قُبْل...
تلك لغة السماء دوماً
تنقصها الأنوثة و الصدق
____________________________________________
كان لابد لها أن تقطع سرد عشاءنا النبوي لتقول لي ذلك في لحظة نهبٍ من ذلك النبي الجالس أمامنا على بعد كتاب مقدس ، ووحي ، وسماء خرساء...فتعيد للأنساق إتزانها





Monday, 16 January 2012

ميلودراما ثورية


تدورُ دوائرُ الضوءِ، في فضاءِ المسرحِ المظلم، و الضوءُ محضْ نهبٍ..
الدوائر فقه اللامُعْيَّن..
 مهربٌ لامبدأَّ له في عرفِّ الشكلْ..
تتكشف أجسادٌ/متونٌ عارية، بعضها بلحىً تكادُ تغطي سواءاتِهم من السرةِّ/المولدْ إلى الركبةِّ/المركعْ..
 أو أقصر قليلاً أو أطول قليلاً بمقاييس المعجزة..
والعورةُ بينهما محض اجتهادْ..
نساءٌ مضافاتٌ إليه، عاريات إلا عن الإضافة..
"هو" الغائبُ، ولحضوره زُرقةٌ باهرةُ العتمةِ..
على جانبيِّ المسرحِ مشاعلُ لهبٍ، لنقوشِها تمائمُّ من نسقَّ اللون الأوحد..
وُزعت على وجوه الراقصين،
والثمالة ملامحٌ وتعريفْ..
أغلبهم لا أعينَّ لهم، ومن كانت له فهي مغمضة..
وجوهُهم معرِضُّ إلتباس بين ألمٍ ونشوةٍ وفقدٍ..
تهتزُ أرضيةُ المسرحِ الخشبيةِ تحتَ أقدامْ الجمع الثمل، فتتناثر قطرات سائل أحمر له قوام الحياة من حرفين، على حواف المعنى..
فترتطم بوجوهِّ ملائكةٍ ضلت طريقها بين سقف سماوي، وقاع وثني..
لتختلس الملائكة بينها حديثاً جانبياً عارضاً خارج النصوص المقدسة، وبخل الأنبياء:
أي فواتٍ للأوان يعني الغيبَ ليحضرْ؟

في سقفِ القاعةِ السماويِّ، غيبٌ أسودٌ، يختلسُ النظر و الذنب
 والسوادُّ هاهنا، ملقّن المنشدينَّ سخاءَ الطبائعِ الصامتة...
وإلا ما استّوى غيباً.
يتبادلُ الراقصونَ تمتماتٍ معدنية،
ألقاها إليهم كُّوندورُ الموتِّ المحلق  في الأسماء:
     بإسم الحلباتْ الكٌبرى..
     بإسم الدروعْ المترفةِ في نعمتها ونقمتها..
     بإسم الفلزْ و الزئبقْ..
     ستتبعوننا للأبراجِ اللامعةِ على الأكتاف..
     نحو العويلِ المفدى..
     نحو الأقنعةِ بين جبينكم و الأعياد..
     لـ " يدُلَّ كلُ موتٍ عَلى قاطِنيه "..
     فرحين...
     مقتولين...
     طربين...

تكتملُ دوائرُ الإشكالِ العاريْ وضوحاً
والحضورُ محضْ عماء..

بين الحضورِ و المَسرحْ، يَّجْبُ الدم مسافات التأويل..
ولكن يغيبُ الترجمان.

شواهدُ قبورٍ سرديتُهم..
تبويب النهائي رخاماً..
كي لايَروا أنقاضَهم..
يحتضنُونها..أنقاضهم..
ولاتنفضُ الدهشةُ عنهم..
العدمَ الساحرْ و ألقَّ الموتِ الرخامي..

يظهرُ نسرُ زيوس كبير الآلهة
من خلفِ الستار الأسودْ،
عارياً منْ الجبلِ
ومن أوامرِ الآلهة..
وعلى طرفِ منقارهِ بقاياً منْ كبدِ برومِيثيوس
ليتبع إيقاعَ الدم
المسجى في مديحِ العسكر
ونشيدِ المْوتى

تبددونَّ بعضكم ببعضٍ
فيجفُ منيُّ قصائدِّكُم والدمْ
فتغدونَ ظلاً معلقاً
في مديحِ الفلزْ
وأملُ الأنبياءِ المهدرْ في اكتمالْ الرسالة
وسقوط الغيب






Friday, 6 January 2012

بين فقدين...(لأنوثة منتهكة القيمة، وذكورة منتصبة المهانة)

أيا نجمة مهجورة بين غمازتينا..
أيا فقداً بين الهراوة و الرصاصة..
ياملمس الحلم...
ومجاز الحرية فينا...
هانحن هاهنا نقف على عتبات مؤقتنا،
وديمومتك
ننظر في كتاب الماء
علّنا نجد نصاً..
أو رباً..
أو رؤىً..
تشرح لنا "أنا"نا،
تركع بنا أمام نهديك والهراوة

خوفنا المتناثر بين سوءات نحملها كالريش
محاريث موت
نبدلها موتاً بموت
ووصايا أنبياء
فرحين،
نحمل نصوصنا على أكتافنا ، زاد نقصٍ
طريقا لسماء لاترى مصائرنا إلا بين فرجين/ضميرين
كل بصيرة للماء كانت إلا الحياة، و (الحياة مجاز الماء)
والإنسان محض ماء
فكان إيقاع الموت، إيقاعنا

***********************************
 
أومضت للظلام فكانت برقاً
يزف إلينا إلتباساتنا العذرية،
وقالت:
مروا بي، كسفح الحلم المنتهك، فأسير برؤياكم على سطح الماء
مروا بي، فأنا النشيد و العلم
أنا المدى، والتباسكم الوجودي لم يكن يوما أكثر مجازاً وحريةً
...إلا الآن
فلتخلعوا عنكم أثواب قوس قزح، و أقنعة المطر
في بلاد القحط
هاأنا على صهوة دمائكم
أتدلى من حافة السيف و التعريف
كلي "تناصكم"، و أنتم إيقاعي
نهاراً منثوراً على عتمتكم
هباتي، صرخات قمح يفتق الأرض وطناً
أنيني حدود رئاتكم
نهداي حفلة الفلز أمام البراءة
فماذا تنتظرون
وسماؤكم خرساء
وأنبياؤكم جدب
....وصمتت
 
*************************************
 
قال: تمهلي ياشاهدة قبري
ريثما أختار ترجمان النص المقدس وكاهنه
أخطه على جسدك الرخامي ذو الزرقة السماوية
في حضور أبهة الآلهة وشياطينها
تمهلي، علي أفصل للموت دياثة أكثر واقعية
لا تقلقي على مجازك، فبياننا أكثر تورية
إيقاعنا صمتك
تمهلي، علَّ شيخنا يحضر ليؤول فنجانك الدامي
فأنت فقد الطعم
ونحن فقد البصيرة
إنتظرينا، بين فقدين..
غمازيتنا الضاحكتين
 
 
على صفحات عرب الـ48:
http://arabs48.com/?mod=articles&ID=88203

Sunday, 1 January 2012

الله محض شعر : تأملات في الشعر

الله محض شعر

إذا كانت اللغة معيار حضارة الأمم، ومخزونها الإدراكي والتفاعلي اللذان يعطيانها فضاءها الحضاري المؤثر والفاعل تاريخياً، فالحيز الشعري هو الفن اللفظي/ اللغوي الأكثر تماساً وتماهياً مع سيرورة تلك الأمم وأفرادها. ومهما خيّل إلينا أننا نحيا عصر «النثر»، و«الرواية النثرية»، فيجب علينا أن نعي أن الانفصال بين تلكم الأنواع ومحركاتها الشعرية الأولى (الأصل/الجذر)، بما تمثله من اعتراف وتحريض وسحر وعبادة وهيام، مستحيل التمام، وإن كان ذلك لا ينفي تأثير مختلف العوامل السوسيومعرفية على سيرورة الشعر، كالأنوثة والحداثة والقصيدة وغيرها، حيث يمكننا تتبع تلك التأثيرات في الكثير من التمفصلات التاريخية بين مختلف صنوف الشعر (أولاً)، ومع علاقة الشعر بالصنوف والفنون الأخرى (ثانياً).

الشعر سمة الأصالة في كل فن معبر عن الإنسان يعتمد الكلمة، فإن كانت كل الفنون تطمح إلى الحالة الموسيقية -حسب فالتر باتر– فإن ذلك الجنوح لا يتم إلا عن طريق الشحنة الشعرية/الموسيقية الكامنة في تلك الفنون، فصناعة الرواية مثلاً سميت: POETICS OF THE NOVEL، فإن عزلتَ عن الفنون جانبها الشعري/الموسيقي سقط عنها إبداعها، وتماهيها مع التوق الإنساني للحقيقة.
«كل الفنون صور للحقيقة، إلا الموسيقى، فهي الحقيقة نفسها»- شوبنهاور.
فما أن تعلّم الإنسان «الأسماء كلها»، حتى كاد الشعر أن يكون ألوى تمظهراته الصوتية/ الموسيقية المنطوقة التعبيرية عن ذاته، وعن إدراكه للطبيعة للمحيط (والمسافة بين الذات والموضوع)، فكان على منطوق القول/الصوت أن ينفصل عن الحاجة الانسانية –وإن أثّرت في التكوين اللغوي- ليصبح الشعر حينها أشبه بمس من قوى سرية غامضة تحرك الإنسان، وتمنحه القيمة -فيما هو خلف البحر- من معانٍ جديدة للحقيقة، وتطاير الرؤى خلف السماء الأخيرة، مستخدمة من جماليات وشائجية تربط الإنسان بجذوره في الماء والشمس والقمر والتراب، فكانت الموسيقى والشعر، ضوء وظل.





 وكانت الأسطورة الشعرية ظلّها قوام تفكير الإنسان وقياسه، فهي التي «توحي إليه بدوام الصلة بينه وبين القوى المحيطة به، تلك الآلهة التي راح يعطيها أسماء وصفات مستقاة من تجربته وأحلامه وشعره.
لذا فإن كانت «الصورة الشعرية بروزاً متوثباً ومفاجئاً على سطح النفس»، فتراكُم الصور الشعرية يعطيها فضاءها السردي تاريخياً، لذا كانت على امتداد الحضارات كلها مدونات الإنسان الملحمية والبطولية والتأملية، وتراثه القصصي نظماً شعرياً بدايةً من جلجامش ومآسي إيسخيلس وسوفكليس ويوريبيدس والإلياذة والأوديسا والكوميديا الإلهية وغيرها الكثير مما لا يتسع له المتن هاهنا. وذلك لما للشكل الشعري وتورطه الفني المتنوع من تجاوز وتعالٍ عن مسرود الفردي اليومي المجرد، إنما لشموليته وتسامي معانيه وتجاوزها حيز النسبي، فهو يمس الهوية الجامعة للوطن والأمة والإنسان، بالشعر يتخطى الإنسان نفسه... لمصاف الآلهة.

 «شعب بلا شعر... شعب مهزوم»- محمود درويش.
يسوقنا ذلك للتساؤل، ها تندفع البادئة الشعرية، أو الصورة الشعرية لاندفاع داخلي؟ أهي صدىً للماضي؟
بحسب باشلار، فالصورة الشعرية لا تخضع لاندفاع داخلي، وليست صدى للماضي، هي وهج الصور المترددة للماضي البعيد الأصداء، ولكن من هنا يصعب -بحسب باشلار- معرفة على أي عمق سوف يتم إرجاع هذه الأصداء الماضوية أو تلاشيها أو ارتباطها بتفاصيل الراهن. ولذا فهو يرى أن الصورة الشعرية لها فرادتها وطزاجتها المعبرة عنها، مما يعطيها هوية ودينامية خاصة بها، وأنطولوجيا شعرية آنية ومباشرة لا يمكن تمام الإمساك بكثافتها إلا لحظياً، ونعرِّفها بميتافيزيقيا الخيال الشعري.
إن البادئة الشعرية والصورة الناتجة عنها، تضعنا بعيداً عن شرارتها الأم/الجذر أمام العديد من الأسئلة، فكيف تستطيع الصورة الشعرية خلق زمنية منفصلة وخاصة وجامعة في آن، تبدو على قصرها وكأنها تكثيف للنفس الإنسانية؟ كيف لها أن تحدث أثرها في عقل وقلب ووعي المتلقي، قافزة فوق حواجز الحس «السليم»  و«خصوصيات» المعرفة، ومدارس الفكر المختلفة والمنظمة له، والقانعة برساختها أمام أي شيء إلا الشعر؟

 وإن قيل أن الإحالة إلى الذات الشعرية كفيلة بمعاونتنا على فهم آلية تكوين الصورة الشعرية (البادئة الشعرية) وتشريحها، كالتحليل النفسي مثلاً، إلا أنها تغفل طبيعة الصورة الشعرية باعتبارها حالة حوار «تنويعاتية» وليست  «تكوينية»، مع الذات والمحيط.
كتب بيير - جان جف قائلاً: «الشعر روح تتفتح شكلاً»، هي هنا القوة العليا والكرامة الإنسانية وفضاء الوجود الإنساني الأسمى، وكأن القصيدة الشعرية نبض جديد في الجسد الإنساني، لتذكره على الدوام أنه في سعي للاكتمال مع الروح الأعلى: الله.


______________________________________________

رابط المقال على صفحات "فلسطين الشباب":
http://www.filistinashabab.com/index.php?option=com_k2&view=item&layout=item&Itemid28&id=934

Wednesday, 21 December 2011

في شبقية الجنس السياسي

هاهم الجبناء يفرون نحو السفينة...
يعاشرون آلهتهم...
على صفحات الكتب المقدسة...
ينزعون آيات /ورقا من توت عن جموح الهرمون فيهم...
ويسجدون بعد كل انتصاب للدياثة و الجسد المنتهك..
رافعين فوهة فروجهم للقوادة..
ويرددون: ها نحن ذا..
نعبد ماتعبدون...
نسجد لما تسجدون...
ونقبل ما تدوسون...
وربنا ملك يمينكم...
وأوطاننا محض أسرة لشهواتكم...
وعرضنا أمراضكم الجنسية...
أتقبلون بنا مقرئي آيات الحديد على فرج ذاهب ..
وفرج آتٍ...

أنظر و البيان محض تورية...
ماذا تخبئون بعد؟
______________________________________

تعليقا على ارتماء السلفيين على قضيب إسرائيل.

Sunday, 20 November 2011

قراءة في الأمل الثوري

لعل من أهم مايبث في قلبي الأمل فيما يتعلق بالربيع العربي ، تميزه من حيث:
1.الوعي الذي يتمتع به الشارع والميدان ، والذي فاق نخبا سياسية وثقافية و إعلامية ودينية لاتزال تتعامل مع الثورة بمبدأ الكراسي الموسيقية، أو الراعي الذي كان يعزف نايه ليخرج الفئران من القرية (قصة من التراث الألماني)ن فالمجلس هو الراعي ، والنخب هي الفئران، فيقودهم للماء و الغرق ، بنعمة الموسيقى.
2.بلادنا لعقود رزحت تحت نير الفكر السلطوي العسكري الديكتاتوري ، وهو فكر في أصله ذكوري أبوي ، حضور المرأة في الساحات يحرر فيَّ شخصيا إنتمائي للضمير المؤنث ، في "المدينة" "الحرية" "الأم" "الجنة" النار" "القيمة"، في حين أنني "إنسان" ، ولذا فثورة اليمن الأقرب لقلبي في هذه النقطة.
3.مقدار الحرية التي يتمتع بها الثوار في الميدان ، أن تواجه الموت وجها لوجه ، هو نوع من التحرر لا نملكه إلا في القصص و الروايات ، وهو نوع من الحرية لايوهب ، إنما ينتزع.
4.جزء من النهضة الحضارية يتمثل في العودة للأصل الشعري اللغوي للإنسان ، فأصل الحضارة من اللغة و الشعر، الإلياذة و الأوديسا وغلغامش والأدب السومري و البابلي ، وغيرهم الملاحم الإنسانية البطولية الأولى نظمت شعرا في السرد ، وهو تماما مايحدث في ساحاتنا العربية ، اللغةالشعرية الجامعة وزمنيتها هي التي حمت الميدان وكل ميدان تحرير في دمشق الياسمين و اليمن و البحرين و القاهرة (جميلتي) والأسكندرية

Wednesday, 9 November 2011

لا للمحاكمات العسكرية

الجلاد لم يولد من الجدار ، ولم يهبط من الفضاء ، نحن الذين خلقناه، نعم نحن الذين فعلنا ذلك ، وبإصرار أبله، تماما كما خلق الإنسان
القديم آلهته؟ خلقناه، في البداية ، رغبة في النظام السهل، ثم تواطأنا معه لإخافة الصغار و الغرباء والأعداء ، إلى أن أصبحنا نتساءل عن مدى قدرته ، ومدى الحاجة إليه ، وعند ذلك بدأنا ننظر إليه بحذر و نصمت ، ثم بدأنا نخاف منه ونعلن إلى أن وصلنا إلى الإمتثال و الطاعة والرضا ، و أخيرا التسليم!
ومثل الإله ، بعد أن خلق و إستقل و ابتعد. ثم أخذ يخلق لنفسه رموزه وشخوصه وطريقته في التعامل مع الآخرين ، أصبح وحده الذي يمنح البركة ، ووحده الذي ينزل العقاب. وكل من يتساءل أو يعترض فهو الآبق المارق الهرطوق، وهكذا توالت التقديمات له ، ثم الأضاحي و النذور، ومنه نطلب المغفرة ثم الرضا فالبركة، ومن لا يمتثل أو من يختلف فلابد أن يقاطع ، ثم يرجم، ثم يحجر عليه ، وهكذا ولد السجن! 

(2)

وتماما مثلما سخر الإله هذا الكم الهائل من الملائكة لكي تتجسس على البشر، وتنقل إليه ليس فقط ماحصل، وإنما ما يدور في القلوب و العقول من رغبات و أفكار ، وقبل أن تصبح فعلا، هكذا تعلم الأقوياء أنهم بهذه الطريقة وحدها يمكن أن يحموا أنفسهم ، وأن يواجهوا أولئك الذين يريدون هدم ماشيد خلال فترات طويلة! ولذلك بدل السجن الواحد أقيمت مئات السجون ، وبدل قوي واحد وجد أقوياء كثر بهذه الطريقة توالت السجون  واتسعت و امتدت ، فطغت على المدن وتجاوزتها إلى ما ورائها، وتزايدت إلى درجة بنى كل انسان لنفسه سجنا صغيرا يذهب إليه يوميا ، وبمحض رغبته ، للتعبد والتعود، ولكي ينتهي من هذا الواجب  الذي يثقل ضميره!

(3)

حين وصلت الأمور إلى هذا الحد قال الناس: وصلت النار إلى بيوتنا! وبذلوا كل مايستطيعون من أجل إطفاء  النار و إرضاء الذين أوقدوها... لعل الحظ يسعفهم فلا تصل إلى بيوتهم، ولكن الريح  باتت قوية وعصية على أي ترويض ، وهكذا بدأت النار تصل إلى كل البيوت. وأغلب الأحيان بشكل مفاجيء ، لأن لا أحد يحزر على الزوابع أو يتحكم بها.(4)لابد أن أتوقف، يجب أن أصبح حجرا ، أو صندوقا فارغا ، أو أتحول إلى قنفذ يعرف جيدا كيف يخبيء نفسه لحظة الخطر، وإذا تجرأت أكثر مما ينبغي فلابد أن أتعلم كيف يتحول الإنسان إلى مخلوق أخرس أو فاقد للذاكرة، وإذا إضطررت للكلام فعلي أن أتكلم كالخرفين الذين هدتهم الأيام ومتاعب العمر ونقص التروية!

(4)

الآن حان الوقت لكي نضرب بعضنا بعضا، ليس من أجل إقتسام المكاسب، فهذه غير موجودة، و إنما من أجل إستمرار الوهم، و أنت تعرف أن الثور الأبيض بدأ أكله يوم ذبح الثور الأسود! 

(5)

هل أنا الذي رأي كما قال جلجامش؟أغلبنا رأي وجميعنا نعرف، لكن الخرس اصابنا و الجبن هدنا، ولذلك لابد من الطفل الذي رأي عري الملك فصرخ، لابد أن ،صرخ ، أن نحتج.. 

الآن هنا...عبدالرحمن منيف

Wednesday, 2 November 2011

السمسم

فلنتفاوض كسيدين.
إجلس هنا أمامي ، فأنا جالس ومعي ما تريد،
وحدق فيَّ كما ينبغي لخصم أن يحدق ، ثم ضع على المنضدة ما تحتوي جيوبك:
الحديقة أولا . إنني أرى الجذور تخترق السترة، و التراب يعفر قميصك. هنا على المنضدة... الحديقة أولاً.

ثم هات السحابة تلك ، التي تبلل حواف القبعة، وتتدلى خصل باردة منها بين خصلات شعرك. وهات القوس قزح، ذاك ، المائل على صدارتك المذهبة، هاته..هنا على المنضدة.

لا، لا تكن شاحبا، ولنتفاوض كسيدين ، فمعي ما تريد.
إجلس أمامي ، وضع على لمنضدة ذلك البهاء الذي أتعب مديحي..هاته وهات المساء المتدلي على صدرك كربطة عنق..

  مثقلا بالدماء ، مائلا كقوس يمتد من الذهب المسبوك بزنازين أجدادي،  إلى المديح الكذاب على عتبات صباحاتك..هكذا يتمدد ظلك على وطني، وبعون صوتك وسمعك يأخذ الوقت طريقه إلى الكلام الأخير..

أصارحك بالسنونوة الميتة على رأس شارعنا...
أصارحك بأنين الباب لصاحبه...أنا الجالس هنا، أمام صحن الرجل الذي قتل في الباب فلم يلمس وجبته...

أميري يا عافية الظلام، تسلل من الفضيحة إلي..

ولتخرس أمام البهاء الذي ينثر السمسم على أرغفتنا.


من وحي سليم بركات...

Sunday, 30 October 2011

من هوامشي (4): فراسخ الخلود المهجورة بين موتنا وحيواتنا (والموت جمع بصيغة المفرد).


لقد أربكنا أن مايتفوه به موتى المصادفات يستعصي على فهمنا ، وحيرنا أن الرجل الشاحب و الشاب يصغيان إلى المجادلة الصاخبة بين الحلقات البشرية، هناك، ويهزان رأسيهما موافقين، أو يتذمران، مما يجعلنا نقترب أكثر من أولئك القتلى، فأدركناهم، يتخاصمون في اختيار القضاة.
كانوا على أهبة المرافعة عن ميتاتهم. وكان واحدهم إذا شَهَّدَ الآخر ليدعم كلامه خذله الآخر، مرافعا عن نفسه فقط، حتى انقسمت الحلقة الواحدة على كيانها، فتنافر المجتمعون، مهددين، قبل أن تعقد المحاكمات أو مايشبه محاكماتٍ. ثم تواجهوا خبط عشواء، رافعا كل شخص إلى من يواجهه، في كفيه، الشطايا التي قتلته، وكأنما تجري مقارنات، وحساب فروق في الأوزان. وكان واحدهم إذا أعيته حجته، وبراهينه من الشظايا المعدنية، ضرب الرمل بعقب قدمه، فينبثق الدم ساخنا، وهو يشير، بعد ذلك، بأصابعه إلى ما إنبثق من السائل الأحمر داعما به حججه .
كان على قتلى كثيرين أن ينتسبوا إلى هذه الجهة مرة، أو إلى تلك الجهة كرة أخرى، بحسب ما يترجح من كفتي الميزان. أي تحديدا، ما من غلبة إلا للموت. أما انتصار الأحياء فمؤجل بنعمة الإرث الهائل من غدٍ مهزوم سيلي غده المهزوم في تعاقب هندسي حتى يومكم هذا ، وذاك.


من وحي "أرواح هندسية" لسليم بركات