كنجمة من السماء سقطت بين كفي، أعلم أن سمائنا لا تحبل بهذا الجمال ، لضيق فضائها ..كمزيج من البرونز والليلك أتتني.. من أي مجلس للآلهة سقطت؟ ولمَّ أنا؟ خبأتها من أعين الناس ، لففتها بخطوط يدي ، و قصدت مسجدا و كنيسا ثم معبدا،حارت بها أدياننا، قالوا لي :(ماأنزل الله بها من سلطان). حملت نجمتي ،و قررت أن أطوف بها مدن الملح وجبال الآلهة لعالم بلا خرائط.. حزمت قراءاتي ،رتبت كتبي و كلماتي و موسيقاي و شعري لففتهم جميعا بخطوطها وانحناءاتها وطارت بي كبراق من مستحيل.. مرت كل خصلة من شعرها بمقام صالح فتبعثه من جديد ليقيم دعاءا واحدا :(حرروا اللغة..أطلقوا سراح العشق...إعفوا عن المستحيل). - إلى أين ترحلين بي؟ حسبتك عبئي؟..سألتها. -..بل أنت عبئي .... سنرتحل معا لنغير ثوابت الكون من الشمس و القمر..اللغة.. الحب.. الألوهية النبوة.. العشق.. الموسيقى.. الفن.. الأنوثة.. و الرجولة.. حتى (الـ) التعريف.. بكَ سأكتب لوحاً جديدياً لا يحفظه غيرنا.. سنعيد للأرض عذرية حواء.. سنتمرد..سنعيش خارج أسوار التعاريف..خارج حدود المنطق..ستكون الورود لغتنا..سنثمل وردا ..ونعرق نبيذا..سنتنفس موسيقى..ونسامر النجوم..).
أرعد صوتها في سمائي ليشق قلبي نصفين..وصية ماض و صك إستسلام
كانت أولى محطاتنا (غلغامش).. الذي خرج من مملكته لينحني شامخا كما يجب أن تكون الآلهة، و يمد سور مدينته الخالد بساطا تطأه بقدم من مرمر، قبَّل يديها بخشوع و نهم أثار غيرتي باديء الأمر ولكن خشوعي كان أعلى من حضور الآلهة.
إلتفت إلي قائلا:( طفت أراض سبع و سماء سبع، ماقدر لي خلودك في خطوطها). من سماء لسماء ومن زمن لزمن ،أرى عشاقها في محاريبها ، يتعبدون بلهفة تضيء ألف شمس. هبطنا أرضا كما الجنة، ليخرج علينا في هالة من ضوء و عطر..طاووس إحترف البهاء..قدمتني إليه (طاووس أرغوس). لم أفهم باديء الأمر حتى رد قائلا :(على ذيلي أعين أرغوس التي لا تنام،و التي أثملها هيرمس بنغم إلهي بديع لم ولن يسمع مثله..وقتله فكان ذيلي تكريما له) و أكمل موغلا في عيني: (كانت هي ذلك النغم ). ورحل عنا ليدخل كرنفالا من الألوان في عينيها. إلتصقت بي على ظهر الحلم ، ليجمعنا تيار كهربي يمر بين إنحناءاتنا..فكان آخر البحر أول الجسد.. وخلف ذلك البحر كانت بلاد التوابل..الهند.. إنتشينا بدفء الحياة و شموسها الألف ،إلى أن هبطنا حرماً تتوسطه شمس يطوف حولها أفيال كثر ، فتزلزل الأرض تحت أقدامهم، ولكن ما أن هبطنا حتى علا الصمت ،و سجدت الأرض بأفيالها لتمثال من المستحيل. و إنفتحت الشمس،ليخرج منها (كالي) تتأبطه (راذا)، تعلوهما اللذة و النشوة وإنكسارات الضوء .قوس قزح في بلورات مائية علت جباههم. ( ملحمتنا لن تكتمل إلا بكما،قاموس أنوثة لألف لغة،وغرور رجل إلهي). هكذا قالا...
عادت بي كغزال بين ركبتي نجمة تغتسل خلسة بماء اللذة، حيث المدينة الحلم، هبطنا الكولوسيوم* فجرا و الشمس شاهدنا.. فهتفت جماهيري:( قبل يدها....قبل يدها). وماأن فعلت حتى إكتمل الهلال بدرا ..عرفت حينها أنها خلقتني إلها للرجولة بمفردات أنوثتها فقط .
إن الخارطة الثقافية العربية في الفترة الأخيرة ، ولدى تعاملها مع ثقافة الآخر ، يمكننا القول أنها تنقسم بحسب مفردات ذلك التعاطي إلى:
1. تيار متماهي مع كونية ثقافة الآخر – الغرب ، لا يملك بنية نقدية عقلية موضوعية تميزه عدا عن كونه إستمرارية وتبعية ثقافية وفكرية للآخر ، فما فعله الآخر يجب أن نفعله ، وما أنتجه يجب أن ننتجه وما آمن به يجب أن نؤمن به ، وبالرغم من تعاظم قاعدة ذلك التيار إجتماعيا و إنتشاره ن إلا أنه لايملك نتاجا فكريا يميزه لذاته عدا عن كونه عملية بسترة فكرية أو بالأصح لا يعدو أن يكون مجرد عملية ترجمة ، كما أننا لايمكننا أن ننفي عنه كونه حالة إنفعالية طبيعية للمشهد المهزوم والمفلس سياسيا و ثقافيا وإجتماعيا وحقوقيا وحتى تاريخيا، تلك الحالة الناقمة على الماضي والحاضر، الداعية لإلصاق المستقبل بالآخر ، وتلك الحالة أيضا وإن كانت فكرية فهي لا تعد خروجا عن ثقافة الإستهلاك والصورة كما يدعي أصحابها. فذلك التيار يمثل إستسلاما سهلا أمام سلطة الحداثة الثقافية والفكرية الغربية ، و التخلي عن الكثير من عناصر التكوين الثقافي والهوية الحضارية.
2. التيار الثاني يمثل حالة الرفض والتقوقع القصوى على الأصالة – وفي لفظ أدق الأصولية - ، في صورة بالغة الإدعاء و النرجسية تمثل إمتدادا لذكريات تاريخية بعدت عن أرض الواقع. يدعي هذا التيار أن الفكر العربي – والإسلامي تباعا- في غنى عن أي مصدر إنساني آخر للتفاعل ، فلا فضل –في نظره – للثقافة الغربية على العربية سوى بما تمده بها من عتاد مادي أعمى ، ولكأن ذلك العتاد العلمي المادي لم يأت نتاجا عن تطور ثقافي. فهذا التيار على عكس سابقه يرفض كونية الثقافة الغربية ، ويشدد على مقولة الخصوصية الثقافية و الإختلاف حد فوق الحدود الفصل فوق الحدود الإنسانية ، مما يخلق حسا كاذبا بالعليائية و الأفضلية ، فهو لا يعترف بثقافة الآخر سوى كعدو طامح للسيطرة في إطار الكثير من الصور منها نظرية المؤامرة ، والإستحواذ على دور الضحية وما تسبغه من صبغة البراءة. وذلك التيار الرافض إنما يفرض على نفسه حرمانا قاتلا وعزلة عن تسلسل التطور الفكري الإنساني المعرفي ، لذا فهو الحالة الأشد إفلاسا فكريا . ن وثقافيا، لذا فمن الطبيعي أن يلجأ الكثيرون من أعلام ذلك التيار إلى الإدلاء بدلوهم في كل المجالات بداية من السياسة و الإقتصاد مرورا بالفنون وصولا إلى اللغويات والعلوم الحياتية ، فقط لتوظيف أبجديات الرفض وديباجة المؤامرة.
3. (تيار الثقافة النقدية) وهو التيار الثالث على خريطة الحياة الثقافية في عالمنا العربي ، وهو تيار قائم على الإنفتاح على الآخر و إستيعابه وإمتصاص نتاجه ومن ثم تفنيده وتنقيحه ، بمعنى أن لا يتماهى ملتصقا بثقافة الآخر نتيجة لحالة إنفعالية رافضة وناقمة بغض النظر عن خواصها وقابليتها للتطبيق بحسب تفرد كل مجتمع وثقافته وهويته ،وفي نفس الوقت هولا يرفض الآخر جملة وتفصيلا وينغلق على نفسه . وما يمكن ملاحظته أن هذا التيار إنما يعاني حالة من الرفض والهجوم من التيارين السابقين ، الأول بتهمة الرجعية و التخلف ، و الثاني بتهمة التغريب ، في حين أن ثقافة النقد هي الثقافة الأصح و الأكثر إنتاجية من ثقافة لا تتعدى كونها تطورا بكتيريا يعيش متطفلا على مضيفه لا يتميز ولا يتطور لذاته وبقاؤه معلق ببقاء مضيفه ، و أخرى هي حالة ديناصورية تتجه نحو الإنقراض مالم تتطور.
" كونوا قطاع طرق وفاتحين مالم تستطيعوا أن تكونوا مهيمنين أو مالكين ، أنتم رجال المعرفة ، قريبا ستمضي العهود التي كان يكفيكم فيها أن تعيشوا مختفين في عمق الغابة مثل الأيائل ! وأخيرا ستضع المعرفة يدها على كل ماحولها ، سترغب في أن تسود وتملك ، وستسودون معها وتملكون"
فريدريك نيتشه
إن فكرة (السيد و العبد) التي كنت المحور الأكثر بروزا وديناميكية في فلسفة نيتشه كانتفاتحة للكثير من الأفكار التي نراها مزدوجة المرجع لدى التعامل مع ثوابت الإنسانية كالأخلاق و الثقافة و المعرفة والحريات والتي تختلف فرديا وليس طبقيا كما لدى الفلسفة النيتشويه. فنيتشه الذي كان يرى في إنتشار المعرفة و الثقافة بين العامة في أوروبا إنما هو بداية إنهيار للحضارة الأوروبية ، لما في ذلك من إقتسام للحريات والواجبات و المراتبمما سيعمل على ترويض الإنسان وليس أنسنة الوحش بداخله .
فنيتشه صاحب مقولة (إن الرب قد مات ) الخالدة يرى في إقتسام المعرفة و الحريات بين البشر قضاءا على الجانب الحر الطبيعي في الإنسان وهو الجانب الفاعل فيه والأكثر إنتاجية ، وهي ذات الحجة التي عارض فيها نيتشه أفلاطون الذي طرد الفنانين من مملكته الفاضلة ، حيث أن نيتشه يرى وجوب عدم سيطرة العقلفي الحياة الإنسانية بهذا الشكل الغير متناهي، لأنه بذلك سيطغى ويدمر الجزء الإنساني الطبيعي الخارج من رحم الطبيعة و المساق بالشهوات و النداءات الفسيولوجية وحب السطوة ، وهو الجزء الأغزر إنتاجا فنيا وإبداعيا .
فنيتشه الذي نادى بأفضلية الجنس الأبيض وتميزه ، وكون ذلك الجنس هو صاحب النتاج الثقافي الأنقى والأفضل والأكمل على إعتبار أن الثقافة بكل ميكانيكياتها ترتبط إرتباطا وثيقا بالخواص الجسدية والفسيولوجية لأصحابها فالجنس الأوروبي والآري تحديدا ومثال ذلك الأغريق هو المثال الأكمل والأجمل فسيولوجيا لدى لذا فهو الاقدر على إنتاج حضارة وثقافة عظيمة على غرار الإغريقية مما يضع على عاتقه – من وجهة نظر نيتشه – فرض ثقافته الأقوى والأفضل والانقحوهي ههنا ثقافة السيد على ثقافة العبد وهو الآخر الملون صاحب الثقافة الأدنى ‘ لذا فالمعرفة لدى نيتشه لاتعدو كونها جزءا من العملية السياسية لفرض السيطرة المعرفية وإدماج الآخر الأدنى (العبد) في عجلة التطور والتنقيح التي يقودها الأوروبي ذو السيادة.
أما المفكر إدوارد سعيد والذي تناول في العديد من كتبه وحياته الأكاديمية وأبحاثه مناقشة إحدى أهم العمليات المعرفية في التاريخ وأبعادها السياسية ألا وهي الإستشراق والذي تنأى عن كونها عملية صافية النوايا لتقديم الشرق للغرب وتكاد أن تكون جزءا من العملية السياسية وسلاحا إمبرياليا يوظف المعرفة ضمن سياق سياسي ليس إلا ، فالإستشراق لدى سعيد هو إلقاء الضوء على الشرق بغية تطويعه إمبرياليا وثقافيا للغرب ، فالكثير من صور المعرفة الأدبية بالشرق قدمته ضمن إطار مايريد أن يراه الغرب لا كما هو عليه ، مثال ذلك رواية (قلب الظلام) للكاتب جوزيف كونراد والتي إستحوذت من دراسات سعيد النقدية والسياسية نصيب الأسد ، والتي كانت مثالا واضحا – لدى سعيد – لتطويع المعرفة كأداة سياسية ، وما نتج عن ذلك من حركات أدبية وطنية مضادة وصلت لوصف تلك النوعيات من المعرفة الموجهة سياسيا ، بأنها إنتاجات لا يجب أن يقرؤها الأفارقة والعالم لأبعادها الإمبريالية وليس لأبعادها الفنية وغناها المعرفي الذي يفترض أن يكون بريئا وبعيدا عن السياسة وخادما للفكر فقط.
لذا فالمعرفة لدى إدوارد سعيد في أطروحاته لاعلاقة لها بكينونة الفكرة أيا كانت بقدرما لها علاقة بقيمة توظيف الفكرة سياسيا و إمبرياليا ، فالرابط بين المعرفة و القوة من وجهة نظر إدوارد سعيد عملية ديناميكية وصلت حد إنتاج بعض المؤسسات العلمية والمفترض بها أن تكون مؤسسة بحث موضوعي جاد وحيادي ولكنها مؤسسات وظيفتها إعمال المعرفة لبسط القوة ، مثال ذلك كان (التجمع الملكي الجيوغرافي) في لندن والذي جاء على لسان مديره عالم طبقات الأرض والجيوغرافي رودني مورشيسون : (مهمة التجمع ليست إكتشاف أفريقيا بقدر ما هي مهمة عسكرية).
يقول إدوارد سعيد : ( إن وجود علاقة وثيقة مابين السياسة والإستشراق ، أو لنضع الأمر بشكل اكثر إحتراساإن الإحتمال الكبير لإستخدام الأفكار المستنبطة حول الشرق من الإستشراق لأغراض سياسية هو حقيقة هامة لكنها حقيقة حساسة جدا فهي تثير أسئلة حول النزوع الطبيعي للبراءة أوالذنب ، حول النقاء من التحيز في البحث العلميأو تواطؤ التجمعات التي تمارس الضغوط في ميادين مثل دراسات السزد ودراسات المرأة ، وهي بالضرورة تستفز شعورا بالقلق في ضمير المرء حول التعميمات الثقافية والعرقية والتاريخية وحول إستخداماتها وجدواها ودرجة الموضوعية فيها ونواياها الأساسية ).
بعد هذا الإستعراض السريع للإزدواجية العلاقة ما بين المعرفة و القوة ، أو الثقافة و السياسةمن وجهة نظر الفيلسوف الألماني نيتشه و المفكر إدوارد سعيد ، إلا أن كلا من الأطروحتين في نظرنا قد تجاهلت عامل الزمن ، وهو أحد العوامل الهامةبجانب الكثير أيضا منه الإقتصاد والحريات والأديان والتعليم والمؤسسات المدنية مما يصل بنا لمنظومة العولمة والتي لن تكفيها ساحتنا للعرض ههنا إلا تباعا في مقالات مقبلة .
وبالعودة للزمنوتحديدا زمن إنتقال المعرفة وإرتباط ذلك الزمن بالعامل السياسي وإلتقاء الثقافات وليس صراعها، أجد نفسي أعود لذكر أحد أهم النظريات في عصرنا الحديث وهي نظرية المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي التي ذكرها في نص نشر عام 1973 موضحا مسار الإنسانية في ثلاثة مراحل، و التي أوردها أنا هنا بكثير من الإيجاز:
1. في المرحلة الأولى (ماقبل التاريخ) كانت الإتصالات بطيئة للغاية وتطورات المعرفة تسير بشكل أبطأ ، حيث كان كل جديد أمامه مايكفي من الوقتلينتشر حول العالم، قبل أن يأتي جديد آخر ، لذا فقد كانت المجتمعاتالإنسانية تملك الدرجة ذاتها من التطور، و الكثير من الخصائص المشتركة.
2. أثناء الفترة الثانية كان تطور المعارف أسرع من إنتشارها لبطء وسائلالإتصالات ، فأصبحت المجتمعات أكثر فأكثر تمايزا في كل المجالات وقد دامتتلك الفترة من السنين آلافا فيما نسميه بالتاريخ
3. الفترة الثالثة تتقدم أثناءها المعارف و العلوم بصورة متسارعة ،وإنتشارها من هنا إلى هناك يسير بشكل أسرع ، لدرجة أن المجتمعات الإنسانيةستجد نفسها أقل فأقل تمايزا ، ولديها من نقاط الإلتقاء و التشابه الكثير والكثير.
أما تعريف "الثقافة" كما وردت في كما ورد في كتاب عالم الأجناس البريطاني السير إدوارد بيرنت تايلور (الثقافة البدائية) والذي نراه منطقيا جدا ومبسطا :
الثقافة هي كل مركب يشمل المعرفة والعقيدة والأخلاق والقانون و العادات وأية إمكانات أو ممارسات يكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع ).
وإنطلاقا من هذا التعريف وبإعمال نظرية أرنولد توينبيفي تواصل الثقافات و المجتمعافي زمن الفضاء المفتوحوالعالم – القرية ، يمكننا القول أن عناصرنا وموروثاتناالثقافية و المعرفية ستكون بسبب المماهاة مابين الحضارات عرضةللنقد والتفكير مرارا وتكرارا لتجد لها مكانا على قائمة البقاء ، وبالذات بعد أن إنفصل التواصل الإنساني عن الآلة السياسية والنظامية(وليست الإقتصادية بعد) بشكل كبير فاصبح لأغلبنا نفاذة يحادث العالم منها وينشر فكره وآراءه .
إن حاجتنا لتنقيح موروثاتنا الثقافية والمعرفيةوكسر قاعدة الأصاله لصالح التحديثتحت قاعدة النقد و النقد الذاتي وقبول الإختلافهو ضرورة بقاءقاعدتها الفكرة الأصلحوالأكثر تماشيا مع الفكر الإنسانيوتفاصيل الراهن والتاريخ.
إن تحرر المعرفة بشكل كبير عن ركب السياسة ، ولو بشكل غير مكتمل يعطينا فرصة سانحة وقوية للتفاعل مع الحضارات وليس الصراع ، إلا أن ذلك لا يعني عدم وجود حضارات يتهددها الفناء وليس الصراعإنها الحضارات التي عزفت عن التواصل مع الآخر وإلتصقت بالتأصيل حد تجاهلها لنداءات التحديثوالتواصل مع الذات والآخر ضمن مرجعية العقل و الصلاحية، كما أيضا هي الحضارة أو الثقافة التي أخذت من الآخر كل شيء في إمتصاص بعد عن النقد والتنقية على أساس تفردها عن ذلك الآخر.
وللوصول لتلك المرحلة من التفاعل الحضاريوالثقافي و المعرفي المنتج يجب :
التعامل مع المعرفة بحكم أنها تسيرحسب قاعدة النشأة والتطور بالتراكم ، لذا فهي تنشأ وتتطور بالتعامل مع المنظومات والأفكار المختلفة بدون تجاهل هويتها المميزة لها.
إن المعرفة و الثقافة تنمو بالحوار والتبادل ، وقاعدة أي حوار النقد والمساءلة والذين ينتجان من ثقافة الإختلاف وإحتواء الآخر.
إن الفكر و الثقافة ليسا بنيةمعرفية مغلقة تتناسل فيما بينها كالمستعمرة المغلقة ، بل هي تعبير عن المحيط التاريخي و الواقعي ، بكل مافيه من مترادفات ومتضادات ، لذا فالثقافة و الفكر يكتسبان قيمتهماالحضارية من قدرتهماعلى تمثيل اللحظة التاريخية و التعبير عنهاتلك اللحظة التي تحتوينا نحن و الآخر ، ومن ثم تغييرها للأفضل.
وللحديث بقية....
Sources:
1.BEYOND GOOD AND EVIL by FRIDRICH NIETZSCHE.
2.THE GENEALOGY OF MORALS by FRIDRICH NIETZSCHE.
3.ORIENTALISM by EDWARD W. SAID
4.CULTURE AND IMPERIALISM by EDWARD W.SAID
5.
الأنا والآخر مجموعة مقالات بإشراف د. محمد عابد الجابري.
The resulting images – the caricatures of the inscrutable Orients , the mysterious east , the evil and terror of the Arab world- why they were necessarily created?
I think ignorance played a big role. There was an hostility that prevented what I would call the normal exchange between cultures. One of the things that is quite amazing is that there is a rather stubborn continuity between European views of Islam in the twelfth century and European views of Islam in the eighteenth, nineteenth and twentieth centuries: they simply don’t change. First of all, I argue there's no such thing as Islam, pure and simple; there are many Muslims and different kinds of interpretations of Islam-that was the subject of another book, called COVERING ISLAM. There's tendency always to homogenize and to turn the other into something monolithic, partly out of not only ignorance but also fear because the Arab armies came into Europe and were defeated in the fourteenth and fifteenth centuries. So there is that long standing sense. Then of course they are part of the monotheistic trilogy. Islam is the latest of the two other great monotheistic religions, Judaism and Christianity, and there is a sense in which the closeness of Europe of the Arab and Islamic world is a source of great unease. Nothing is easiest for people to deal with something that is different than the portray it as dangerous and threatening and to reduce it ultimately to a few clichés. That’s what's really appalling, that the whole history of this creation of the orient involves a continuous diminishment, so that now, for example, in the western press, the things you read about Islam and the Arab world are really horrendously simplified and completely belie the two or three hundred years of close contact between Europeans and to some degree Americans on the one hand and the Arab and Muslims on the other. It's as if they have always been standing on opposite side of some immense ditch and all they do is throw rotten food at each other.
And that's not changing?
No, I think it's actually getting worse*. At times of crisis, such as during the Gulf War and also on a continual daily basis in the media in America, the clichés are getting less interesting and less forgiving and less "true". The correspond les to any conceivable human reality. Islam in the west is the last acceptable racial and cultural stereotype that you can fling about without any sense of bad manners or trepidation.
Why do you think that is?
There are many reasons for it but I think the main one is that there's no deterrent. No western, or let's say North American person, knows very much about Islamic world*. It's out there, it's mainly desert, a lot of sheep, camels, people with knives between their teeth, terrorists, etcetera. The cultural heritage, the novels and other books that appear in English, are never paid attention to. There's nothing to prevent people here –in the united states- from saying what they wish. On the other hand the Arab and Muslims have not really understood the politics of cultural representations in the West. Most of the regimes in the Arab world are basically dictatorial, very unpopular, minority regimes of one sort or another; there are not interested in saying anything about themselves because it would expose them to justified criticism. The myths about America and the west in the Arab world are equally clichéd: All Americans are oversexed and they eat too much. The result where there should be humans presence there is vacuum, and where there should be exchange and dialogue and communication, there is a debased kind of non-exchange.
* * * *
(from: POWER, POLITICS AND CULTURE: Interviews with EDWARD W.SAID)
إن المراقب للساحة السينمائية العالمية ، لا يمكنه تجاهل ظاهرة تبدو واضحة على سطح الحركة السينمائية العالمية وهي الأفلام التي تدور في فلك : هتلر – النازية – المحرقة – الحرب العالمية وطبعا اليهود ، ولا يمكننا إلا أن نربط العامل الزمني لظهور هذه الأفلام بهذا الزخم وإعتلاء إدارة جديدة قمة العمل السياسي في المكتب البيضاوي ، تلك الإدارة التي إتخذت لنفسها بعدا صوتيا جديدا في التعامل مع الآخر العربي – الإسلامي. وسبب إختياري لوصف البعد الأوبامي الجديد في الإدارة بالبعد الصوتي ، كونه لم يخرج بعد من رحم الصوت ليتجسد على أرض الواقع ، حتى بعد سكوت التهليل والتصفيق وفض المائدة الرمضانية في البيت الأبيض ، ليظهر لنا سيد الأفعال لا الأقوال السيد نتن ياهو ، ليفتح الباب أمام عملية الإستيطان في القدس ضاربا بعرض الحائط أصواتنا ، المشغولة بالإحتفال بمسرحية الإنتخابات الفلسطينية الكرتونية التي لم تتعد مسرحية عرائس بأيد إسرائيلية وأختام عبرية. هذا من ناحية ، أما الأخ الفلسطيني الآخر الحمساوي والذي لم يفق بعد من حالة الغباء السياسي المزمن وعصور الجاهلية الأولى فلايزال مشغولا بالحجاب ليفرضه على المحاميات وطالبات المدارس وكأنه بذلك سيحل مشكلة الفقر و البطالة والحصار بقميص عثمان الذي إرتدته حماس لا ينزعنه غير إله إحتجب في السماء السابعة.
وبالعودة لحديثي عن السينما ، والذي حركه فيلم (INGLOURIOUS BASTERDS) ، والذي يدور في نفس الفضاءات السالفة الذكر ولكن بإتجاه عكسي يميزه بشكل أو بآخر ، ففي أحد المشاهد نرى مجموعة من الناس يساقون كرها إلا أحد المباني وتغلق عليهم الأبواب ومن ثم تضرم النيران في المكان لتلتهمهم ، ليصور لنا المخرج العبقري كونتين تارنتينو تفاصيل التمسك الإنساني بالحياة والصراخ والطرق العنيف على الأبواب ، ولكن المفاجأة تكمن في ان هؤلاء الضحايا نازيون ، وليس كما ظننت وظن الجميع يهودا.
وقد علق تارنتينو على الفيلم قائلا : يعجبني ان قوة السينما هي التي تتصدى للنازيين ، ليس بالشكل المجازي إنما بشكل واقعي .
ومن ثم تصف مجلة النيوزويك الأمريكية الفيلم : في فيلم كونتن تارينتينو عن الحرب العالمية الثانية الطيبون هم الذين يتصرفون كالمجرمين ...يالها من فكرة رهيبة.
وطبعا إستوقفتني هذه العبارة والتي وكعادة الإعلام الأمريكي ، لم تخرج عن كونها حكما مسبقا ظالما وغير موضوعي بل يعاني في نصه حالة من الإزدواجية فكلمة (الطيبون) وتقصد اليهود تعتبر حكما يقضي بثبات تلك الطيبة في حين أنهم (يتصرفون كالمجرمين) ، لتصبح الفكرة حينها (رهيبة) ، لأتسائل ههنا : أي جزء هو الرهيب تحديدا وصف اليهود إجمالا (بالطيبين) أم (كونهم يتصرفون كالمجرمين ) على أرض الواقع؟
لأجد الإجابة المنطقية تاريخيا وواقعيا ومنطقيا أن وصف اليهود إجمالا بالطيبة يكمن وصفه مجاملة ب (الرهيب).
من المؤلم أن يصل حد تزوير التاريخ إلى هذا الحد من الدعر ، ففي حين أنني لا أنكر المحرقة ولا أنكر الحق اليهودي الأدبي في التباكي ولعب دور الضحية ، إلا أنني أستنكر الإحتكار الإسرائيلي لهذا الدور دونا عن الغجر مثلا أو الألمان الذين ذاقوا نيران الأتون النازي بدورهم. ذلك الإحتكار الذي حول المجني عليه جانيا ، وجعل إنتقامه إستحقاقا الشيء الغير مقبول عقليا ومنطقيا وتاريخيا وحتى إنسانيا لأن الجريمة لا تقوم بجريمة مساوية لها في المقدار ومختلفة معها في الإتجاه و الزمان و المكان وحتى الضحية ، لتقهر شعبا آخر ووطنا آخر لأن شعبا ثالثا في وطن ثالث وتاريخ ثالث قد أجرم في حقهم. فالإستحواذ الإسرائيلي على دور الضحية ، قتل لديهم الحس الإنساني بمأساة الشعوب الأخرى ومعاناتهم وجعل من الستة ملايين يهودي - إن صح الرقم - ثمنا لابأس به لوطن ليس لهم . كما أن ذلك الإحتكار قد ربى لدى الإسرائيلي حسا زائفا بمراقبة التاريخ فمن يجرؤ على البحث و الإنتقاد والتساؤل عن صحة الهولوكوست إنما هو عدو للسامية كما حدث مع المؤرخ الإنجليزي ديفيد إيرفينغ. وتطور ذلك الحس ليصبح رقيبا على الإنسانية وحب الحياة ، لنرى أن الإسرائيلين يعتبرون من خروج العرب ذريعة للإدعاء بغياب حس الإنتماء للوطن ، متجاهلين برعونة الجهل والخيانة العربية عوامل من أهمها توحش عصابات اليهود وعودتهم لعصور آكلة لحوم البشر والنكبة العربية والبندقية الإنجليزية والذين جميعا وقفوا حراسا على الحياة- الوطن.
وهنا يحضرني ، خطاب السيد باراك أوباما في القاهرة والذي شهدت حينه وسائل الإعلام الإسرائيلية على الإنترنت حالة تصادم بين اليهود-الإسرائيلين من جهة والأمريكيين الذين وعوا أخيرا لضرورة السؤال القائل ماسر هذا الدعم الأمريكي المطلق للكيان الإسرائيلي؟ ذلك الصدام الذي جعل اليهود وكعادتهم يلجؤون لبطاقة الإتهام الجوفاء الدائمة (معاداة السامية) ، مصورين السيد أوباما بكوفية ياسر عرفات.
قد يستغرب البعض حينما أقول أنني لا أخفي سعادتي بحالة التصادم تلك ، وجهود الجوقة الإعلامية والسينمائية اليهودية لبث ترانيم سلامهم الدامي في المحافل الدولية ، لأن ذلك التصادم سيدفع الكثيرين للتساؤل عن الحقيقة والبحث عنها في فضاء المعلومة والإنترنت و التاريخ والواقع ليجدوا أن فلسطين هي أرض لشعب أصبحت فاتورة الإنسانية لشعب لم يكونوا بلا أرض.
ولكنني أيضا أرى من الضروري ذكر متلازمة العار العربي ، حينما أتذكر مخرجنا العبقري رحمه الله العقاد الذي طالته يد الإرهاب ، حينما إقترح على صاحب شركة ال 100 مطرب ومطربة الأمير الوليد بن طلال تمويل أحد الأفلام التي تتحدث عن بطلنا صلاح الدين الأيوبي والقدس تحت الحكم الإسلامي بمشاركة البعض من رجال الأعمال العرب والأجانب ليرد صاحب السمو رافضا بحجة أنه مشروع غير مربح . لأجد نفسي لا إراديا أبحث لسمو الأمير عن حجة تتناسب والعقلية العربية الإستهلاكية لأجد : مقياس النجاح لدى البعض هو هيفاء وهبي. ونكون فعلا بمعية أمثاله قد أصبحنا: INGLOURIOUS BASTARDS (وللتصحيح المطبعي ههنا معنى) وهنا تحضرني عبارة على لسان بطل فيلم تارنتينو هانز لاندا: يمكن للوقائع أن تكون مضللة. __________________________________________________________________ على هامش المقال أعلاه لا أملك سوى أن أشكر وأبدي إعجابي برموز السينما الأمريكية والعالمية كين لوتش وجين فوندا ودفيد بايرن وجون جريسون ، الذين وقعوا عريضة إعتراض ومقاطعة لمهرجان تورنتو الدولي للأفلام والذي خصص للحديث عن إسرائيل – تل أبيب ، وأصدر نعيي للعرب وفنانيهم الذين شاركوا بخجل بفلمين إثنين عن فلسطين ، فحينما يسألني أحد أين هي الحركة الفنية العربية عن منابر العالم وعرض القضية ، أجيب أنهم إعتزلوا العالم وقاطعوه لعل الله يبدل الزمن بآخر أو ان يقاتل عنهم ، ولحين حدوث ذلك سيتفرغون لهيفاء وهبي تحت لافتة المقاطعة. ___________________________________________________________________
بعض الافلام عن الحرب العالمية وهتلر و المحرقة والنازية:
- THE PRODUCERS BY MILL BROX 1968 - LIFE ID BEAUTIFUL ROBERTA PIENNINII 1997 INGLOURIOUS BASTERDS BY QUENTIN TARNTINO 2009 - DEFIANCE 2008 – - VALKYRIE 2008.
الفن في ابسط تعاريفه هو لفظ يجمع جميع المحاولات و الأنشطة الإنسانية لمحاكاة الواقع و الحياة.
أختلف مع أفلاطون الذي وضع الفن في أسفل مراتب الإنتاج الفكري ، حينما إعتبره مظهرا لمظهر من مظاهر الحقيقة ، أي أنه لاينتج حياة بل يعيد إنتاج أحد مظاهر الحياة ، ومن هنا كان إعتبار أفلاطون للفن أنه لايمثل شيئا على مستوى الحقيقة ، وبعد مناقشة الفن في الكتاب العاشر من مملكته الفاضلة توصل لطرد الشعراء و الرسامين منها. الكثيرون تحت حجج حماية المقاييس الإجتماعية والأخلاقية والدينية ، يبررون الإنتقاص من قيمة الفن وضرورته على إمتداد التاريخ بل ويصل بهم ذلك حد المطالبة بمنعه أو منع البعض منه او رقابته، والتاريخ يشهد من الدعوات الظلامية تلك الكثير ، والتي تعاني من قصور تعريفي بالقيمة الحياتية والفكرية والتاريخية للفنون ، ونظرة قاصرة لتأثير إفتقار مجتمعاتنا للثقافة الجمالية والفنية والوعي الإنساني البسيط بقيمة مظاهر الحياة والتي تضاهي الحياة ذاتها قيمة.
إن تعاطي أفلاطون و من ورائه الكثير من الجهات والأفكار الرقابية مع الفن ، هو تعاطي مادي بعيدا عن الحاجة الإنسانية لجمالية التخيل وسمو الخيال الوصفي وإستخدام عضو مختلف عن باقي الأعضاء الإنسانية الخمسة ، وتأثير ذلك على الحقيقة وتعاطينا معها ومع إنسانيتنا . فكما قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (الجميل هو مايروقنا ، والسامي هو مايثيرنا )، فالعواطف موجودة في الذوات وليست في الحقيقة أو الحياة الصلبة بل وتختلف بإختلاف الذوات، وجمالية الفن تبقى مشروطة بالذوات فتأثير الفن يختلف عن الحياة ومظهرها ليس كذبا إنما تخيلا في فضاء مفتوح ، للفرد فيه حرية الترجمة والتعاطي مع الخيال . لذا فمهاجمة الفنون –إن صح التعبير- لا تعدو كونها إنتقاصا من قدرة الخيال الإنساني وحريته وسموه وإرجاعها لحواس خمس بتسلط خيال وعقل آخر .
لذا وجب وضع الفن كحالة ندية أمام جمالية المظهر الحياتي – الحقيقي وضرورته ، ولفظ (جمالية) ههنا أكبر من إستيعابنا القاصر في الغالب له ، فحتى للألم جمالية تستشعر ، تستحق أن يصورها الفن أيا كانت . فمثلا الحقيقة والواقع يقولان : مجتمعاتنا العربية تعاني حالة من الفقر و الفساد السياسي و الإجتماعي وما إلى ذلك . هنا يظهر دور الفن ليرصد ويلقي الضوء على مظاهر تلك الحقيقة ويسجلها مهما كانت فاسية وصادمة فهي موجودة وستظل موجودة وتعامينا عنها لن يخفيها. فالفن يكسر القواعد والتابوو ويتعدى خطوطنا الحمراء ويضخ دماءا جديدة في شراييننا ، ليشعرنا أننا لا نزال نستطيع ممارسة الفعل الأبسط في الحياة وهو أن نحيا بكل مظاهر الحياة. ومن ثم نستطيع التعامل مع الحياة.
* * * كان لمحمود درويش يوما سؤال يقول : ( هل لشعب يملك شعراء كبار أن يسيطر على شعب لا شعراء له؟؟ وهل لشعب أن يكون قويا بدون أن يكتب شعرا؟؟؟) وذلك تعقيبا على شعر هوميروس الشاعر الإغريقي الذي روى ملحمة طروادة من طرف الحصان.
فلما الشعر؟ ولما كانت له كل هذه السطوة؟ إن الشعر هو فن اللغة ، واللغة هي أداة التعبير الأولى التي إخترعتها الإنسانية لتعبر عن نفسها وتتواصل ، اللغة هي الميراث الأكبر لأي حضارة كانت ، وهي أيضا مفاتيح مظاهرها الحياتية ومن ثم الفنية ، فمن الشعر خرج الأدب والرسم والنحت والمعمار والغناء و الرقص وحتى الحروب ، إذن فنحن لن نفهم فنوننا إلا بقدر ماتتشكل هي كائنات لغوية - شعرية في خيالنا ومن ثم فنا ، إذن فكل الفنون تعتبر مشروعا شعريا ، وكما أن الشعر لغة / فالفن لغة.
الفن يؤسس للتاريخ ، ولن يكون للبشر تاريخ إلا بالقدر الذي تتكشف فيه الحقيقة ومظاهرها أمامهم ، وبإستقرارها ومظاهرها في جميع فنونهم. لذا برزت ضرورة الفن كحاجة لابد منها تاريخيا وإجتماعيا وثقافيا وحضاريا وحتى فرديا.
* * * وبالعودة لسؤال محمود درويش نرى ان التاريخ يظل ناقصا في كامل حضوره ، لأن الشاعر الطروادي لم يحضر بعد ليكمل تاريخه من الجانب الآخر للحصان.
فلنبحث عن فنوننا ليضيء بنا تاريخنا ولكي لا نقف أمام الحكاية يوما غير مكتملين ننتظر شاعرنا الذي قتلناه.
أيها العالم ... أعلن من موقعي الضئيل فيك... وأنت المشغول عن نفسه بنفسه.. أني راحل.. سأزرع حلما في حفنة ضوء وأحملها... وأرحل.. لأزرعها في زمن غير زمنك... وساصعد سلما للسماء... للستائر المسدلة.. وأبدل آلهتك ... وأرحل..
* * * * * *
أيها العالم ... المشغول بشياطينه... المشغول بإنسه.... وآلهة تطارد شياطينها.... وشياطين تطارد إنسها... وإنسا يطاردون بعضهم بعضا قرابين آلهة... آلهة مشغولة عنهم... آلهتك... وأرض لا تزال بعذرية الحلم الأول... إني راحل....
* * * * * *
أيها العالم.... سأتمرد على كل أشجارك... لا أريد معرفتك ولا خلودك... ساتمرد على آلهتك وتفاحها.... سأخرج عن نصوص التحريم و الوصايا العشر... أيها الحلم ... إني راحل...
* * * * * *
أيها العالم... إني راحل... سأخرج من تجاعيد وجهك... وحزن عينيك... وكذب أساطيرك... لن أجالس جلاجامش على باب التيه... يحادثني عن الخلود... سأرحل...
* * * * * *
أيها العالم ... لن أستمع لآدم... يحدثني عن تفاحته... خارج الكتب المقدسة.. وطعم الخطيئة الأولى... سأرحل...
* * * * * * أيها العالم ... سأرحل... سأعود لزمان الغراب الأبيض... قبل أن يقتل قابيل هابيل... ولن أردعه... فإن لم يقتله هو.. فسأفعل أنا... ولن أنتظر الغراب... وسأرحل...
* * * * * *
أيها العالم... سأرحل... وسأعيد للزمن عذريته الأولى... وسأتمرد على تعاريف الآلهة... وزمن الآلهة... أيها العالم .. سأرحل...
* * * * * * أيها العالم... سأرحل... على ورقة بيضاء وقلم... سأرحل... سأخيط بحروف من لازورد سقف السماء... وسأرحل... ولن أنتظر أحدا يعود من البياض... ليقول لي لي كيف هو الله... ولا تنتظرني... فلن أعود ...
من الممارسات الرقابية المتكررة في مجتمعنا العربي من قبل بعض المؤسسات و الأفراد مثقفين كانوا أم لا ، و التي جاءت كنتاج طبيعي للصمت النظامي (العسكري الفكر) من ناحية وتفشي الممارسات الرقابية المستبدة من قبل جميع السلطات الثقافية و الدينية و السياسية من ناحية أخرى ، كانت محاسبة الكتاب و الشعراء و الروائيين على أعمالهم بإعتبارها تمثيلا لتوجهاتهم وأفكارهم ، التي متى خرجت عن حدود الديباجة السلطوية بأنواعها وجبت محاسبتهم هم و أفكارهم . وذلك تطبيقا لقاعدة الفعل و رد الفعل ، وهي ههنا فرض لخيال السلطة فوق سلطة الخيال ، وذلك للوصول لحالة من الصفرية برد فعل لفعل ما ، في حين أن ذلك لاينطبق على الإنسان لأنه كائن (لاصفري) فكريا . لأن الخيال الإنساني عموما وللشاعر والروائي و الكاتب خصوصا لايلبث دوما أن يخرج ويحيد كثيرا عما أريد له ان يكون وأن يكتب حتى بالنسبة لكاتبه ، فالشعراء وا لروائيون في كثير من الأحيان يجدون أنفسهم إلى جانب أبطالهم على المسرح الورقي لا يعلمون ماذا تحمل لهم أوراقهم المقبلة في عالم من ورق وهم فيه كائنات حبرية يعيشون يومهم بورقته ليس إلا ، على حلبة السلطة الوحيدة فيها هي سلطة الخيال و التي لا يمكن أن تكون خيالا مالم تخرج عن المألوف ‘ لذا فنحن دوما نجد للشعراء و للكتاب و للروائيين قبل البدء في أي عمل الفني ترتيبا ما للأحداث و الأفكار والتسلسل فيما بينهم جميعا سرعان ما يتغير لأن كل كائن حبري يتمتع بإستقلاليته داخل العمل الفني ممايعطيه القوة لفرض منطقه أيا كان. بل وفي كثير من الأحيان – لتحري الدقة –، فالشاعر و الروائي لا يعدو أن يكون كاتبا لدى أبطاله يسجل أحداثهم ، يملوون عليه رؤآهم ويحاورونه و يحاورهم ، يختلفون و يتفقون ، ويتواجهون ويهربون ، ويحتدون كثيرا بل أن بعض الشخوص ينتفضون على دكتاتورية القلم و الخيال على الورق.. عالمهم فينسحبون إلى البياض ، وكل ذلك في النهاية هو إضافة لزخم العمل الفني. وذلك مايفسر في كثير من الأحيان ظهور أجزاء لاحقة للعمل الأصل ، كمحاولة إسترضاء للشخوص الغاضبة و الثائرة من ناحية وإستفادة من تجاربهم في البياض من ناحية أخرى. ولا أنكر ههنا العلاقة مابين الخالق و المخلوق ، أو القلم و الورقة في رمزية العمل الفني و كاتبه ، فالكاتب يستحضر نفسه في جزء من نواياه الإبداعية في العمل الفني ، وليس بنفسه و شخصه بقدر ماهي تجارب وقناعات ، إيمان و إنتماءات و إشارات ضمنية ، ولكن ذلك سرعان ما يتحطم على بياض الورق لأنها طريقة إنسانية وليست أدبية للتخيل ، لذا فهي لا تنجح فنيا ‘ فمعيار نجاح العمل الفني هو قابليته للطرح تحت العديد من الترجمات و الشروح ، وذلك لان المباشرة ، تقتل الخيال وتقلل من جمالية الخروج عن النص ، والإنتقال من دائرة المتوقع إلى المستحيل ، مثال ذلك و الذي يطرق باب عقلي دوما هو غناء الحوريات في ملحمة هوميروس الخالدة الأوديسا ، و اللائي كن يغنين لرجال ومقاتلي أوديسوس العظيم بطل الملحمة ، ليهرعوا إليهم في البحر فيقتلهم ذلك الهادر ، فالجمالية ههنا تكمن في أن لكل فرد من هؤلاء المقاتلين زوجة أو حبيبة أوعشيقة أو حتى حلما حمله له ذلك الغناء الحوري الإغواء مناديا له و مطالبا بحضوره ، فالغناء واحد ولكن لكل مقاتل منهم خياله وأفقه وحلمه وحبيبته ، ولأن هوميروس كان خائفا على رجاله ومقاتليه فقد أمرهم أن يسدوا أذانهم بالشمع ، فيظل الخيال حبيسا داخلهم ولا يطالهم ذلك الخيال الآخر المغوي. لذا فمن التعسف الرقابي محاسبة الخيال على الخيال ، والشاعر عن الخيال ، فهو – الشاعر – لم يتعد خطوطا حمراء بل الخيال فعل ،والخيال كائن أسطوري الحضور واقعي التأثير نال من سطوة الخلود مالن تقتله حراب الرقابة ، فأوديسوس الرقيب لم يسلم هو من الخيال ، إلا عندما أنقذه رجاله الذين راقب خيالاتهم و غفل عن خياله من أن يقتله البحر الهادر.
إن متلازماتنا الرقابية السياسية منها و الثقافة و الدينية ماهي إلا سرطان أصاب إنسانيتنا الحضارية و الثقافية والتاريخية و الكونية في كينونتها الأولى و الأخير : الخيال ، في زمن ماعاد للشمع فيه من ذلك التأثير .
رابط المقال على صفحات : قوميون عرب: http://arabnationalists.org/index.php?option=com_content&view=article&id=232%3A---2----&catid=1%3Alatest-news&Itemid=50
" قانون الفعل و رد الفعل لا ينطبق على المواهب الفكرية ، لأن الفكر يجب أن ينأى بنفسه عن أن يكون مجرد "رد" لفعل، بل الرد هو من خصائص القوى اللا فكرية كالمؤسسات العسكرية" إرتأيت أن أبدأ مقالي ههنا بالعبارة السابقة ، و التي أرى أنها خير وصف على ما سيرد تباعا في ما يختص بالعملية الفكرية في بلادنا ، بداية من تعاريفنا الموتورة و المجحفة للحرية ، و التي نتجت من إستيعابنا الغير مكتمل لل"فكر" ، وأثر ذلك في تقبلنا للإختلاف و التغيير مرورا بالكثير من الآليات المفرخة لمظاهر (عسكرة الفكر) كالرقابة بجميع صورها والسلطة الثقافية و الدينية و السياسية. إن سيطرة الفكر الثوري - وسيتضح مدى مغالطة التسمية – لأغلب نواحي الحياة في بلادنا لما يزيد عن الربع قرن في أفضل الأحوال ، إنما ساعد على تسرطن الفكر العسكري وأحادية القطب في كثير من مؤسساتنا و منشأتنا وصولا للأسرة و هي اللبنة الأولى و الأهم في المجتمع ،مع أننا فعليا و تاريخيا لم نتخط المرحلة الوسطى من الثورة ، ألا وهي العسكر ، فالثورة لاتقف أبدا على كتف رجل عسكري مهما كان كتفه لامعا ، إنما هو يقدمها و يرحل ، ولكن ذلك لم يحدث في بلادنا - على الأقل ليس بعد - ، فقد أغوته بجمالها ، و ثار الثائر على ثورته ، وتوقف بنا الزمن على عتبات مرحلة الامرحلة ، و عاد بنا لعصر الجواري و ملك اليمين ، لتصبح الثورة حينها جارية لدى عسكرها ، تشكر له مواقعته لها كل عام مرة على رؤوس الأشهاد ، ليثبت لهم فحولة ماكانت لتكون له ، وعذرية أدمت صاحبتها بآدابها و فنونها وثقافتها و شعرها و نثرها ..وحتى أهلها ، ليتناثر كل ذلك دما على وجوه الحاضرين وتاريخهم ، وتغرق صرخاتها بين صرخات المحتفلين في طقوس عصور الوثنية الأولى . وكانت تلك البداية لحلقة مستمرة من مسخ جميع مسلمات الحياة الإنسانية ، فدخولنا عصر عسكرة الفكر ، أصبحنا لانتعامل بغير لغة الأوامر و النواهي و أحادية السلطة بدل إنسانيتها ،فلا مكان للصحة و الخطأ ، فقد تم إحتكار الصواب ، ليصبح التفكير تكفيرا ، وتصبح العلاقة الفكرية هي منظومة إقصاء و ليست إستقصاء. أصبحت الحرية الفكرية حقا مكتسبا ، يستوجب شكر و لي النعم ، لمباركته الفعل الإنساني الأول والأكثر بدائية و أصالة بأوراق ثبوتية تحمل إسمه أو إسم أحد زبانية فكره بحبر أزرق فوق كل الألوان ، ذلك الفعل هو إرادة أكل التفاحة.....بحرية. إن ما تشهده ساحات وطننا العربي الثقافية و السياسية و الدينية ، من إقتصار الفكر ليكون فقط فعلا أو ردا لفعل فقط ، ما هو إلا نفي لأهم أساسيات الفكر وهي الحرية المطلقة وجعله متحركا على مستوى أفقي واحد ، في حين أن الفكر لا يتحرك سوى في الفضاء كاملا ، ولكن ذلك المستوى الأحادي إنما وجد ليضع الفكرة كما الفرد عرضة للقبول أو الرفض برد مناسب للفعل ، وليس الصحة أو الخطأ. وهنا يظهر دور المؤسسات الدينية و الثقافية و السياسية ، و التي تمنح صكوك الغفران للأفكار و الأفراد، وتصم الكفر و الفسوق بالبعض الآخر، لإسباغ الغضب الإلهي عمن خرج عن خط الفعل ورد الفعل......فعلهم. وكأن الفعل- الفكر يستقي صفته من فضاء الرد على على فعل آخر، يعطيه شرعيته بكينونته كفعل أول لا بتميز الفكر و حريته وتفرده الحر، لتكن حينها الفكرة معرضة للقبول أو الرفض ، ومن ثم المباركة أو الرمي بالكفر و فجور و العصيان في تمثيل أوقح ما يكون للألوهية ، فأصبحنا في دار عبادة كبير كبر الوطن بحضور وكلاء آلهة العصور الوثنية تراقب إيمان كل مصلي تحت المحراب ...ودعاءه وفكره. إن سلطة الرقابة ماهي إلا وضع لأبجدية محددة للفكر لاخروج عنها ، هي إنتقال السلطة الدينية و السياسية و الثقافية لحالة من الإستبداد تطوف بكعبة الفرد لا الفكرة. وكأن خروج الفكرة عن تلك الأبجدية هو هرطقة ، إن بربرية تلك الظاهرة تكمن في أنها إختصار لجميع الهويات والإمكانيات و القدرات و الإختيارات و التجارب و الإنتماءات والأفكار الفردية السابقة و اللاحقة للفرد في فكرة تقبل أو ترفض ، فيقبل هو بكل كينونته المتجددة أو يرفض بهم جميعا. ألم يتساءل واضعوا تلك الأبجدية عن حالة نزيف الأدمغة التي يعاني منها عالمنا العربي؟ الم يتساءلوا عن علاقة تلك الأبجدية الهيروغليفية بحالة الصمم الثقافي و السياسي و حتى الديني لدينا؟ ألا يرون علاقة بينها و بين تزايد إنتماءاتنا الإستهلاكية ، فقط؟؟ أليست تلك الأبجدية هي أهم جنود عصر الوثنية السياسية التي تغرق فيها بلادنا وثقافتنا و ديننا وحتى هوياتنا بل و الأهم على الإطلاق. إن فرض خيال السلطة فوق سلطة الخيال و منهجية وأبجدية التفكير السلطوي وليس الفردي ‘ فوق العقل الجماعي بإسم حماية الدين و الثقافة و السياسة ، هو تحدي بالغ القبح والسفه و السفور لكثير من المباديء المؤسسة لكل تلك العناصر ، فالدين يقوم على الإجتهاد و التفكر ، و السياسة تقوم على إحترام حرية الفرد وإختياراته سواءا أقلية أو أكثرية ،والثقافة تقوم على التميز الفردي وديناميكيته الفاعلة و المؤثرة في الهوية الثقافية الجمعية؟؟ في زمن مسخ الوعي الجماعي للأمة بتلك الأبجدية المحدودة و القاصرة ، لانستغرب حالة الرقابة الفردية على مستوى الأفراد ، ليصبح كل مواطن في هذه الأمة شرطيا للرقابة ، مطبقا أبجديتها ومصدرا لأحكامها يقبل ويرفض ويرمي بالكفر ويسبغ الإيمان ،ويعتمد المصائر و الأحكام ، لا عن إقتناع بصحة أو خطأ الفكرة بقدرما هو تطبيق أعمى لأوامر أيقونات السلطة و الرقابة وأبجديتهم ، مما ينقل المجتمع الإنساني من كونه تجمعا لمجموعة من الأفراد لكل فرد تميزه و كينونته الحرة المستقلة وإختياراته المستقلة بناءا على مجموعة من الأفكار و التجارب و الإنتماءات إلى مجموعة من شرطيي الرقابة وجلاديها مهمته مراقبة الإنسانية حينما تخرج عن الإرادة السلطوية –الفردبة الشخص أو الحزب في الغالب- ومعاقبتها ، لتصبح أوطاننا معتقلات كبيرة اسوارها حدودها يطارد عسكره من حلت به متلازمة الإنسانية الأولى و هي الحرية و الإختلاف. بل ان في كثير من الأحيان ، و بإستخدام الكثير من الايقونات الدينية و السياسية و الثقافية تلجا تلك السلطة و الرقابة بطريق مباشر او غير مباشر إلى توظيف بروتوكولات ظلامية وذلك بتمييع التعاريف و الخطوط الفاصلة ما بين شقين تحت بند المجهول أو الشبهات ، فمثلا ، وكما إعتدنا في أفلامنا - والسينما من أصدق المرايا – أن نجد من ينعت الليبرالية أو العلمانية أو أي توجه فكري بالكفر و الفسوق والإلحاد ، في حين أن الكثير من حملة تلك الابواق لا يملكون اولى حلقات المعرفة وهو التعريف الأكاديمي و العلمي الصحيح لأي فكر كان ، بل ويعتمدون على الكثير من الإطلاعات الإنتقائية و العناوين الرنانة ليصدر حكما بالغ العنف على الكثير من الأفراد و الأفكار و التي لايمكن إنكار مساهماتهم في زخم الحياة الإنسانية. وهنا يجول في خاطري سؤال سبقني إليه أدونيس عن السلطة و الرقابة والإستبداد الديني بالذات: لماذا يسكت أهل المعرفة و الحكمة في الإسلام عن مثل هذه الممارسات المتزايدة و العنيفة ، قولا و عملا ، و الآخذة في تحويل التجربة الإسلامية الكبرى لمجرد تجربة سياسية عسكرية في الحكم و الهيمنة وتحويل النص القرآني إلى مجرد فقه سلطوي وعزله تبعا لذلك عن الحياة والإنسان ، وعن الفكر و العقل؟. وهو الدين الذي بدأ ب(إقرأ) مفتاح الفكر. وللحديث بقية
رابط المقال على صفحات موقع قوميون عرب: http://arabnationalists.org/index.php?option=com_content&view=article&id=229%3A---1-------&catid=1%3Alatest-news&Itemid=50
ليست هذه أول رسالة أكتبها إليك ، ولن تكون الأخيرة... لم أرك ، ولم تراني .. ولن أراك , وستراني...فأمثالك يسمون خارج تعاريف الموت... كم أشتاقك... فهل تكفيني دموعي لأصل إليك؟؟ لأرتقي لك قوس قزح سلما من أثير.... فوق حدود الزمن ، وتعاريف الكلام... داخل الأسطورة ، وحفيف الحلم... أرتقي إليك... في" ياء" إنتمائنا لها.. في أديانها الثلاث... في خيولها البيضاء... في جبينها العالي... في ظل الله... مابين بحرها ونهرها... في خطوط كف يدي... مع إدوارد سعيد.. مع حايكة غسان كنفاني... غارقا في حبر ناجي العلي... في "عباءة جدي المعلقة كخيمة من ريح ..ومن حلم"...
ليست أولى رسائلي إليك ولن تكون الأخيرة ، لم أرك وتراني.فأمثالك لا يمسهم الموت...كما لم تمسسنا الحياة...بعدك.إسمح لي أن أقرأ كلماتي بصوت عال ... ف"عربيتي" ليست بعذرية "عربيتك"..لتصلح لي أخطائي ولتكن بعدك أنت لغتي و حروفي... أمام فوهة الوقت... قرب بساتين مقطوعة الظل...ظلك. أنتظرك لتعرفني طعم قهوة أمي.. وخطوط كفي أبي... لنسمو إلى الله... أنتظرك لأشم رائحة الخبز الأول ، والحنين الأول... أنتظرك لنركض بحرية في أحرف ثلاثة (و) (ط) و (ن)... إن لم تتسع لنا فلن تتسع لغيرنا... أنتظرك لنرتقي سماء الأسطورة ...من وحل الواقع ... والحصار...
فكل نبض فيك ليس في...يوجعني.. ويرجعني ، من زمن خرافي .. فيوجعني دمي.. ويوجعني الملح.. ويوجعني الوريد... معك ستظل امي تبحث عن نساء أجنبيات في ملابسي الداخلية.. أشيب أنا وتظل هي معك...
بك لا حيرة للون بين الحنطة و الضوء... وبعدك...لا لون.. بك سأحك حرفا بحرف لتولد نجمة... سأقرب حرفا من حرف لأسمع صوت المطر .. وهسيس القيامة... سأضع حرفا على حرف لأجد إسمك مرسوما... كسلم قليل الدرج ... إلى الله...