في مجتمع الاعلام المعولم تتراجع الفكرة و الحجة و الحقيقة لصالح قيم أخرى كالعرض و الأداء و المسرحة و الطقس و الحدوثة ، فضلا عن الصورة الطاغية على المشهد ، لتتغلب الخدمة دوما على المنتج.
كل ذلك أدى إلى فقدان الأمن الثقافي و الرمزي ، الذي كانت تتمتع به الهويات الثقافية ، بسبب:
1.تصدع الحواجز بين الدول و المجتمعات ، لصالح تذرر الإنسان القيمي إلى الإنسان البيولوجي.
2.اجتياح/استحواذ الرمز و الصورة والفكرة و نمط العيش ، للنفوس و العقول المطمئنة (؟؟؟) و المستحوذة (؟؟؟) على عقائدها وتقاليدها.
وهو ما يفسر تغّول الاتجاهات اليمينية (دينيا وسياسيا ووجوديا وثقافيا...وغيره) ، مستخدمة وموظفة الرمز على حساب الفكر. وهذا التغول لا يقوم من دون الإفراط (اجتياجا و استحواذا) في مشاهد الحداثة السائلة ، كالرمز و الصورة ، مما يولد حالة من انعدام الاستقرار والتوتر و انعدام السيطرة ، مما يفقد الهويات حصونها الرمزية (لابالمنطق الموضوعي إنما بالرمزي أيضا) ،وأمكنتها المسيجة و مناطقها الحميمة ، كل ذلك على حساب الفكر الموضوعي لصالح الرمز العابر ، ولا يسلم من هذا الفقد المنطق التاريخي ولا اللساني تعبيريا
سأحلُمُ ، رُبَّما اتسَعَتْ بلادٌ لي ، كما أَنا واحداً من أَهل هذا البحر ، كفَّ عن السؤال الصعب : (( مَنْ أَنا ؟ … هاهنا ؟ أَأَنا ابنُ أُمي ؟ )) لا تساوِرُني الشكوكُ ولا يحاصرني الرعاةُ أو الملوكُ . وحاضري كغدي معي . ومعي مُفَكِّرتي الصغيرةُ : كُلَّما حَكَّ السحابةَ طائرٌ دَوَّنتُ : فَكَّ الحُلْمُ أَجنحتي . أنا أَيضاً أطيرُ . فَكُلُّ حيّ طائرٌ . وأَنا أَنا ، لا شيءَ آخَرَ /
Friday, 5 August 2011
Saturday, 30 April 2011
بيان من د.عبدالله البياري تعقيبا على قرار الهيئة الوطنية للدفاع عن الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني
ردا على بيان الهيئة الوطنية لحماية الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني ، و الصادر بتاريخ (27 /نيسان ابريل /2011) ، بشأن "تجميد عضوية د.عبدالله البياري" :
نظرا لما تشهده الساحة العربية من أحداث ثورية ، على العديد من الأصعدة ، لايسعني هنا إلا أن أذّكر غافلا أو جاهلا ، أو (...) ، أن الثورة -العربية- هي طقس "رفض" و "حسم" ، أي أن الثورة لاتعرف أنصاف الحلول و التعاريف ولا منطقة "الرمادي" ، الثورة العربية الحالية هي المشهد التصحيحي الوحيد على مدى زمني ليس بقليل، فالثورة التي تشهدها ساحاتنا العربية إنما هي تصحيح لغوي- إصطلاحي لمعنى الثورة في خارطتنا الإدراكية ، و عقلنا الجمعي الذي تم تشويهه على مدى القرون الماضية بفعل الكروش و الكراسي النظامية. وهنا أقدر حداثة العقل العربي نسبيا بالحرية والثورة حتى ولو كانتا حرية وثورة "لغوية" ، ولكن ضمن حدود.
حول بيان تجميد عضويتي ، وبعيدا عن عواره القانوني ، يبدو أن من صاغه ، خفي عليه أن دكتور عبدالله البياري هو الإسم الوحيد الذي تم طرحه في إقتراع سري عام ، ونجح بالأغلبية ، وذلك في المؤتمر التأسيسي للهيئة في دمشق ، أواخر العام الماضي (2010) ، في ظل لغط كبير شاب أحداث ذلك المؤتمر، وسببه أوضح من نار على علم .
ولأن بيان التجميد ، يعتمد على لغة أنأى بنفسي عن إستخدامها ، لغة بنيت على "التجني" و "الإدعاء" وهي أوصاف أكثر أدبا وأقل صدقا من "الزور" و "البهتان" و"الكذب" إلا أنني أستخدمها لسبب سيتضح في المتن تباعا .
وحول الوارد في بيان "التجميد" ، يتوجب عليّ الإشارة للتالي:
أولا : فيما يتعلق بما ورد من أنني قد استخدمت "لوغو" الهيئة ، سواءا بإذن أو بغير إذن ، فذلك قول لا يكفيه بعده عن الصحة و مجانبته الصواب ، إلا أنه قول –وأزيد- غير أخلاقي على الإطلاق ، وذلك لأنه في حالة إرسال أي مادة تحت شعار أو "لوغو" الهيئة ، يجب أن يتم ذلك عن طريق "الجروب" الخاص بالهيئة على الفيس بوك ، إلى جميع أعضاء الجروب ، ولكن يبدو أن من ساق هذا القول ، لم يبذل الجهد الكافي في البحث في "تطريز" تفاصيل استخدامي ل"اللوغو" ، حيث أن كل المواد التي تم إرسالها من الجروب معنونة باسم الهيئة وتحت "اللوغو" الخاص بها إنما هي مواد ثقافية وفكرية وفلسفية ، أي أنها كانت إما : أفلام ، كتب ، دوريات ، جرائد ، مقالات ، محاضرات ، نقد أدبي و غيره (وهو الخط الأهم بالنسبة لي من العمل السياسي) ، وكل تلك المواد لا يوجد بها عامل الحشد وغيره –كما كان الإدعاء كذبا - ، كما يمكنني تزويد من أراد بتفاصيل تلك المواد ، وتواريخ إرسالها و أسمائها بل وبمواعيد إرسالها ايضا ، ولكن يظل الطريق الأسهل لذلك أن يفتح كل من أراد التحقق من ذلك ، صندوق بريده على الفيس بوك.
أما المرة التي أعتقد أنها المقصودة باستخدامي ل"لوغو" الهيئة ، هي المرة التي نشرت فيها صفحة عن الثورة السورية ، على صفحة الجروب ، وهنا يجب توضيح التالي للأهمية :
صفحة الجروب هي صفحة مفتوحة لجميع الأعضاء (أعضاء الجروب ال2000 ويزيد وليس فقط أعضاء الهيئة) إلى تاريخ تلفيق الإدعاء السابق في حقي طبعا) ، وهي –كانت- مفتوحة ليتم النشر عليها من قبل أعضاء الجروب من دون أن تعبر تلك المواد المنشورة عن موقف الهيئة وهو ما يكفله حق أو زر الإلغاء و الحذف لمديري الجروب (الآدمن). أي أن تلك الصفحة التي نشرتها أنا (د.عبدالله البياري) على صفحات الجروب ، هي رأي شخصي منشور تحت إسمي الشخصي و ليس تحت إسم الهيئة أو "اللوغو" الخاص بها ، أي أنه رأي شخصي ، لا يملك أحد إنتزاعه مني إلا بالمنطق و الفكر وليس بغيره ، وتظل مساحة الإتفاق و الإختلاف موجودة ، و الأهم الإحترام ، أو هكذا كان .
ثانيا : فيما يتعلق باستخدام صفحتي على الفيس بوك للتعبير عن مواقفي ، فيبدو أن الداء "الدكّاني" قد تسرّطن فيما يتعلق بالتعامل أولا مع الهيئة ومنه إلى الجروب ومنه –بخبث- إلى صفحات الأعضاء الخاصة على الفيس بوك ،ولا أعلم إلى أين التورم بعد (؟!!) ؛ وبناءا عليه أصبحت صفحتي "الخاصة" على الفيس بوك ، منبرا للهيئة ، أو رفّا في "الدكان" ؛ يجب أن استأذن صاحبه قبل أن أنشر اي شيء عليه ، في حين ان صاحب ذلك الإدعاء – ايا كان- تجاهل أن صفحتي على الفيس بوك إنما هي تعبير شخصي عني لست ملزما بأن أستأذن أحدا قبل أن "أعبر" عن نفسي بما ينشر. بل يمكنني أن أتخيل وبوضوح أن صاحب ذلك الإدعاء – أيا كان أيضا- يتوقع أن أي "طلب إضافة" يردني في الفيس بوك إنما هو حق له هو أن يبت فيه ، أتمنى الا يتطور الموضوع أكثر فاكثر فأصبح مضطرا يوما ما أن أتعاقد معه شخصيا كوكيل حصري لخدمات الفيس بوك .
ثالثا : عن موقفي من الأحداث على الساحة السورية ، فأيا كان موقفي ، لا أعتقد انه يسوّغ الخطاب التخويني و الإتهامي القائل بتنازلي عن الثوابت الفلسطينية ، وذلك لأن الثوابت ليست معروضة في دكان احد ، وهو خطاب على علّاته و أمراضه ، أكثر ضحالة من أن يرد عليه ،إلا أنني –ومع ذلك – أصر على الإحتفاظ بحقي في تبرئة ساحتي من تلك التهم الباطلة والمعطوبة أخلاقيا ، بكل الوسائل القانونية و الأخلاقية اللازمة ، مع التذكير على أن الطبيعة إذ نصت "أن لكل فعل رد فعل" ، فلايجب أن ننسى أن الفعل و رد الفعل تفاعلهما صفري في النهاية ، وأنا –والكثيرين من أعضاء الهيئة- لا تجمعني بالصفرية إلا علاقة ضدية ، كما الثرى و الثريا ، وتأكيدا لذلك أضيف أن الفعل ورد الفعل من نفس الجنس ، لذا أرفض أن أتنازل عن ضديتي مع الثرى ، وأرفض التعاطي مع خطاب لايمتلك أرضية اخلاقية من الممكن أن التقي معه أو ضده .
رابعا : أعلن أنا د.عبدالله البياري ، عن تضامني مع المطالب المشروعة للشارع السوري الأبيّ في مواجهة الماكينة الأمنية ، و الإعلامية السورية (المضللة) ، و أعلن عن موافقتي للوارد في بيان المثقفين الفلسطينيين و التالي نصه :
“يدين الموقعون على هذا البيان، من العاملين في الحقل الثقافي في فلسطين، والنشطاء في مؤسسات المجتمع المدني، أعمال القتل التي يمارسها النظام السوري ضد المطالبين بالحرية والكرامة في سوريا، ويعبّرون عن تضامنهم مع أشقائهم السوريين، الذين يناضلون من أجل أن تكون سورية دولة ديمقراطية حقيقية ولكلّ مواطنيها، تُصان فيها حقوق المواطنة والكرامة وحقوق الإنسان في التظاهر والتعبير، وتمارس فيها الديمقراطية والتوزيع العادل للثروة وتُحترم فيها التعددية السياسية والثقافية، وآليات الانتقال السلمي للسلطة عن طريق صناديق الاقتراع.
“إن المشاريع القومية لا تستطيع أن تقوم بدورها إلاّ إذا كانت ديمقراطية حقّاً وحقيقةً، يشارك فيها أبناء وبنات الشعب بالتساوي في ظلّ دولة القانون، ولا كرامة للأمّة من دون الحفاظ على كرامة المواطن الفرد، ولا معنًى لحق تقرير مصير الشعوب إذا لم يكن مدخلاً لحق الفرد في تقرير مصيره الشخصي، ولن تستطيع سوريا إستعادة دورها العروبي الرّيادي ثقافيّاً وسياسيّاً إلاّ إذا استعاد المواطن السوري حريّته وكرامته.
“كما يرفض الموقعون على هذا البيان الزج باسم فلسطين والقضية الفلسطينية الذي يقوم به النظام السوري لتبرير قمعه الشعب. إن استخدام اسم فلسطين والقضية الفلسطينية من جانب النظام لتبرير قمع الحريّات في سورية يلحق الضرر بفلسطين وقضيتها. كما نذكِّر أن في سجل النظام مواقف كثيرة دفع الفلسطينيون ثمنها بالدم والدموع.
“مصير الشعوب العربية واحد والمواطنون العرب في كل مكان متضامنون في مسعى الحرية والكرامة وفي انتزاع حقوق أساسية عديدة سلبتها منهم أنظمة صادرت حرياتهم وانتهكت حقوقهم. ومن هذا المنطلق يوجه الموقعون على هذا البيان التحية إلى أبناء سورية وبناتها في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخهم. سورية الحرّة والديمقراطية لن تكون إنجازاً مجيداً يضيفه السوريون إلى تاريخهم وحسب، بل ستكون إضافة إستراتيجية ومعنوية وسياسية كبيرة إلى حاضر ومستقبل العالم العربي، وإلى رصيد فلسطين وقضيتها العادلة.”
رابعا : أعلن أنا د.عبدالله البياري ، عن تضامني مع المطالب المشروعة للشارع السوري الأبيّ في مواجهة الماكينة الأمنية ، و الإعلامية السورية (المضللة) ، و أعلن عن موافقتي للوارد في بيان المثقفين الفلسطينيين و التالي نصه :
“يدين الموقعون على هذا البيان، من العاملين في الحقل الثقافي في فلسطين، والنشطاء في مؤسسات المجتمع المدني، أعمال القتل التي يمارسها النظام السوري ضد المطالبين بالحرية والكرامة في سوريا، ويعبّرون عن تضامنهم مع أشقائهم السوريين، الذين يناضلون من أجل أن تكون سورية دولة ديمقراطية حقيقية ولكلّ مواطنيها، تُصان فيها حقوق المواطنة والكرامة وحقوق الإنسان في التظاهر والتعبير، وتمارس فيها الديمقراطية والتوزيع العادل للثروة وتُحترم فيها التعددية السياسية والثقافية، وآليات الانتقال السلمي للسلطة عن طريق صناديق الاقتراع.
“إن المشاريع القومية لا تستطيع أن تقوم بدورها إلاّ إذا كانت ديمقراطية حقّاً وحقيقةً، يشارك فيها أبناء وبنات الشعب بالتساوي في ظلّ دولة القانون، ولا كرامة للأمّة من دون الحفاظ على كرامة المواطن الفرد، ولا معنًى لحق تقرير مصير الشعوب إذا لم يكن مدخلاً لحق الفرد في تقرير مصيره الشخصي، ولن تستطيع سوريا إستعادة دورها العروبي الرّيادي ثقافيّاً وسياسيّاً إلاّ إذا استعاد المواطن السوري حريّته وكرامته.
“كما يرفض الموقعون على هذا البيان الزج باسم فلسطين والقضية الفلسطينية الذي يقوم به النظام السوري لتبرير قمعه الشعب. إن استخدام اسم فلسطين والقضية الفلسطينية من جانب النظام لتبرير قمع الحريّات في سورية يلحق الضرر بفلسطين وقضيتها. كما نذكِّر أن في سجل النظام مواقف كثيرة دفع الفلسطينيون ثمنها بالدم والدموع.
“مصير الشعوب العربية واحد والمواطنون العرب في كل مكان متضامنون في مسعى الحرية والكرامة وفي انتزاع حقوق أساسية عديدة سلبتها منهم أنظمة صادرت حرياتهم وانتهكت حقوقهم. ومن هذا المنطلق يوجه الموقعون على هذا البيان التحية إلى أبناء سورية وبناتها في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخهم. سورية الحرّة والديمقراطية لن تكون إنجازاً مجيداً يضيفه السوريون إلى تاريخهم وحسب، بل ستكون إضافة إستراتيجية ومعنوية وسياسية كبيرة إلى حاضر ومستقبل العالم العربي، وإلى رصيد فلسطين وقضيتها العادلة.”
- كما وأعلن توقيعي على بيان الكتاب والصحفيين والفنانين الأردنيين، وفيما يلي نصه :
نحن الكتّاب والصحفيّين والفنانين الأردنيّين الموقّعين أدناه، نعلنُ انحيازَنا الكامل‘ إلى ثورة أمَّتنا، الحضاريّة، السلميّة، الراهنة، ضدَّ أنظمة الظلم، والطّغيان، والتبعيّة، والتخلف، في شتّى الأقطار العربيّة، من المحيط إلى الخليج. وإنّهُ ليؤلمنا، ويزلزلُ أرواحَنا، أن نرى دمَ أشقَّائنا السورييّن، بالذات، وهو يسفكُ بلا أدنى رحمةٍ، من قبل نظامٍ طالما حَسِبنا انّه عروبيّ، وتحرّري، ومنحاز إلى نهج المقاومة.
"وإنَّنا إذ ندين القمع الوحشيّ، الدمويّ، الذي يمارسه النظام السوريّ، ضد أبناء شعبه الأعزل، لنؤكد على أننا نرفضُ أيَّ تدخلٍ أجنبيٍّ في الشأن العربيّ السوريّ، كما نرى أن سفك الدَّم، هو الذي من شأنه أن يُخلخلَ بنيانَ أوطانِنا الداخليّ، ويضعف قدرة شعوبنا على المقاومة، ويدفع الأجنبيّ للتدخل في شؤون أمِّتنا.
وفي الخاتمة أعلن عن إنسحابي من الهيئة الوطنية للدفاع عن الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني ، وذلك إستجابة للكثير من العلامات و البشائر التي ظلت تتهاوى علي ، وظللت أتعامى عنها ، وعن تواترها ، المنبيء بواقعها الحالي ومستقبلها ، وما كان تاخري في إعلان موقفي هذا إلا تأكدا مما أصبح عيانا .
وإنسحابي من الهيئة إنما يأتي ، فيما أؤمن أنه دفاع عن إنسانية الفرد العربي ضد عقلية تشابه عقلية "موقعة الجمل" المصرية - المباركية . الإنسانية التي أعطت قضية فلسطين ولاتزال ، و هي القضية الإنسانية – أولا ، و العربية – ثانيا بعدها القيمي ، الذي لا يمكنني المقامرة به ، بعقلية ميكافيلية بحتة .
أنا "مع الانسان ضد الغول و البهلوان و الصنم" – عبدالرحمن منيف
د.عبدالله البيّاري
السبت
30 نيسان / أبريل 2011
Sunday, 24 April 2011
في نقد النوسطالجيا (11) : الخاتمة : المرجعية الحضارة / القيمة لا السلطة / القوة
إن ما تشهده الإنسانية ومجتمعها الإنساني كونيا من الثورات والتحولات والانهيارات والإخفاقات والإنجازات، والمطالب الوجودية والعناوين الحضارية، تكشف عن ديمومة حركية وحيوية المحرك الإنساني الأول: الفكر.
وتيار النوسطالجيا ليس بشذوذ عن ذلك الانتماء الفكري الإنساني (مبدئيا)، ومن هنا فأي مقاربة للفكر الإنساني يمكن تطبيقها عليه من حيث أن الفكر يمكن تقسيمه إلى عدة مستويات (أبعاد) فاعلة ومترابطة عضويا، وهي بالترتيب:
1.المستوى الأول: الهوية:
الهوية بكل تعاريفها ومقارباتها، هي ما يعطي للحيز الوجودي حدوده وتفاصيله ودوره، بما هي ازدواج والتباس، أي أنها –بعبارات أخرى- ليست كائنا أو كينونة صافية ثابتة، تتساوى / تتماهى مع ذاتها، إنما الهوية هي عملية "إدراك" و"مساءلة"، و"تحول" و"انفتاح"، أي أنها بقدر ماهي مركبة وملتبسة، فهي سوّية ومفتوحة على تعدد الأبعاد والوجوه، وديمومة القراءة الذاتية ومنها للتحول، ذاتيا وعلاقاتيا، مع الذات والآخر.*1.
لدى التعامل مع "الهوية"، يجب تذكر –على الدوام- أن "الهوية"، إنما هي نقيض الثبوتية والجمود، إلا في حالة الموت بجميع صوره منها الحضاري والسياسي وليس الجسدي فقط - أو التعبير الراديكالي المختزل عن الذات، وفي جميع تلك الحالات فالتعبير عملية معطوبة-. وبما أن "المرجعية" باعتبارها مصدرا من مصادر التعريف الذاتي للهوية –وليس الوحيد أو هكذا يجب أن تكون- فإن القول بثبوتيتها وجمودها إنما هو حكم على الهوية كعنصر فاعل على الساحة الإنسانية فيما عبر عنه مالك بن نبي عامل مؤثر في "التحليل النفسي للثقافة"، ومن ثم حالة من الموت الفكري.
لذا فالمرجعية هي "أداة" لفهم الإنسان والكون والمحيط والعالم والمجتمع الإنساني والغيب، وليس الإنسان والعالم والمجتمع الإنساني والكون أدوات إثبات لتلك المرجعية، وهذا بناءا على أن ازدواجية العلاقة بين الطرفين (الإنسان – المرجعية) هي علاقة بنيوية مبنية على الحركية الدائمة لا ثبوت طرف لصالح الآخر، حيث:
- الإنسان: حركية فكرية.
- المرجعية: حركية استيعابية (تنتهي بالتفسير والاحتواء).
ومن هنا فالقول إن المرجعية هي أقرب ما يكون لـ"إطار" تعريف، إنما هو قول ينتفض نقيضا على نفسه وعلى الادعاء بالاستيعاب، فتلك المرجعية – الإطار، وما يقتضيه القول الإلهي بكمالها الإلهي المطلق، يجب لذلك أن تتحرر من تفاصيل تفترضها تفاصيل الخطاب الوصفية لها كإطار:
أولا: القصور في "الإستيعاب" لما وقع خارج إطارها، فالاستيعاب – ومن ثم المواجهة – هو فقط لما يقع ضمن فضائها المحدد بالإطار – إطارها، والإطار مهما اتسع فلن يحتوي إلا الصورة.
القصور في الاستيعاب مع أن الأصل في الفعلين (داخل وخارج الإطار) إنما هي أفعال جذرها الإنسان ونماذجه الفكرية أيا كانت، وهنا يصبح الفعل الإنساني – فكريا واقعا ضمن فضاء تلك المرجعية بالاستيعاب والمقاربة والقياس، أي أنها أداة بقدر شرحها للعالم والكون والغيب والإنسان، من منظور بذاته إلا أنها تحتويه أولا وأخيرا.
ثانيا: لوصف "المرجعية" بالـ"إطار" منظور أيديولوجي يختزل أي مقاربة موضوعية لها باعتبارها فعلا أيديولوجيا، تستلزم قاعدته "شذوذا" حيويا لصحة تلك القاعدة المرجعية. بلفظ آخر، لا تستوي تلك المقاربة من دون وجود طرفين لا تعدو "المرجعية" أن تكون تعريفا رأسيا للعلاقة بينهما: "مع" أي داخل الإطار، و"ضد" وهم القاطنون خارج ذلك الإطار، أي أن الإطار وجوده لايعتّد به لذاته ولا لقدرته الإلهية –المدعاة- على الاستيعاب، إنما هو من يعطي للـ"نحن" والـ"هم" صفتهما.
هنا تولدت الكثير من الأعراض المرضية الأيديولوجية، كالرفض الجهوي، وهو الرفض الذي تحدده الجهة: خارج الإطار، والذي لا يعد رفضا – كمقاربة موضوعيا، بقدر ما هو إثبات وجود وعلاقة طرفية مع الآخر وليست علاقة موضوعية على أرضية فكرية (أرضية تضمن حق القبول والرفض الموضوعي)، وإن استند على خطاب مطعم بالكثير من الأدوات السوسيولوجية الصحيحة، الذي يعتمد على منطقة اللامنطق وليس تحليله.
ثالثا: ولأن أي ثابت أيديولوجي – مقدس كما في الحالة بين أيدينا -، يستلزم ربطا عضويا بين السلطة والمعرفة، وهو – الربط- أولى أدوات الأيديولوجيا، نشأ هناك نوع من التراتبية السلطوية (الهيراركية)، داخل تلك الحدود الثابتة والمؤطرة، وهو ما يتجلى واضحا على الساحة السياسية، من القول بأن "الإسلامي" أفضل من "المسلم"، فقط لأنه اعتبر العمل السياسي وحدة تعبيرية أيديولوجية فرضها على الآخر هو نوع من التقرب لله، وإحقاق شريعته في الأرض، فتحول الدين من منهج روحاني قيمي إلى منهج سلطوي أو أقرب ما يكون برنامج حزبي.
ولذلك الطقس السلطوي الهيراركي المتدثر – كذبا- بالدين في تاريخنا السياسي العربي إرث متراكم، ولكنه يظل شاذا على العقل السياسي العربي – الإسلامي جذرا- والذي أثبت انفتاحا على الآخر – أي آخر، بشكل متميز. من ذلك الإرث –دوما- الحيلة الأيديولوجية الأولى التي تمثلت في رفع المصاحف على أسنة الرماح، وتلاها للمثال لا الحصر: عندما ربط الأمويون بين طاعتهم والاستسلام لهم، وبين "الإسلام" ربطا لغويا، وعلى الساحة الحالية نجد الكثير ممن يستخدم نفس الربط، وهنا يحضرنا مقولة أبي ذر الغفاري الشهيرة: "عجبت لمن لا يجد قوت يومه ولا يشهر سيفه"*2.
إن المقاربة الأكثر دقة – من منظورنا- لفكرة "المرجعية"، إنما تحول تلك الأخيرة من حالة التماهي والتطابق التام مع "الهوية"، بما يضمن موتها وشلّلها، إلى "أداة" لفهم ديناميكية وعلاقاتية العالم والكون والمجتمع والإنسان، وليست أداة تثبيت أو تقرير له، لما في ذلك من أدلجة ما لا يؤدلج.
وتلك المقاربة، قد اعتمدت نفس اسلوب القياس التمثيلي "الأليغوريا أدبيا"، الذي اعتمد المرجعية باعتبارها "إطارا"، فالمرجعية هي أقرب ما يكون إلى "مركبة فضائية" منها يستمد "رائد الفضاء" الحياة ليعيش في ظروف لا تتناسب وإياه ولا توفر له أساليب الحياة وشروطها، ولا يستطيع حينها –رائد الفضاء- الابتعاد عن تلك المرجعية – المركبة، إلا بما تسمح له هي من "أدوات"، باعتبارها مصدر الحياة في تلك الظروف بعينها.
ولكن ضمن حدود الأرض، تصبح المركبة – المرجعية أداة لتحصيل وتقنين المعرفة (ماديا وروحانيا) وتقديمها ضمن النسق الإنساني كاملا بما تمثله الأرض من أرضية مشتركة لكل البشر وليست استحواذا لفريق دون آخر المتمركز ذاتيا، وذلك باعتبار سمو ما تقدمه المرجعية من إجابات مختلفة تتعلق بالكون والإنسان والعالم والغيب.

المفارقة بين "الإطار" و"المركبة":
ولأن الكينونة البشرية – إنسانية في بذرتها وستأتي الإشارة للأساس الإنساني الفردي في متن المقال- تحتوي على عنصري الوعي واللاوعي، متلازمين معا، فالفعل الإنساني لا بد له أن يتلقى شيئا مفهوما له – ضمن تفاصيل الحاجة الملموسة النسبية -، بما يمكنه من الاستدلال على ما يفوق إدراكه، والعقيدة الشاملة – بمرجعيتها المدّعاة – يجب عليها أن تلبي حاجة هاذين الجانبين من دون تصنيف لما هو خارج وداخل إطارها، فتصبح حينها كاملة الاحتواء للجذر الإنساني كاملا، وإلا حولت إثباتا لنسبية الملموس لا إثباتا لإطلاق غير الملموس، مؤديا إلى تحول تلك التلبية والاستيعاب، إلى فجوة قيمّية إستحواذية، مؤسسة لمشهدين أيديولوجيين سلطويين وليسا حضاريين هامين:
1. الغاية تبرر الوسيلة وبالذات إذا كانت غاية تحقق القيمة الضدية (مؤمنون وكافرون / خير وشر...إلخ).
2.داء الإصطفاء.
إلا أن لتلك الفجوة القيمّية الضدية مستويين:
أولا: نسبي: يتعلق بقضايا المعرفة نفسها، لا بأدلجتها، واستحواذها وفصلها المستحيل عن النسق الإنساني، ذلك الفصل الذي لا يستطيع إلا أن يكون فصلا رأسيا، في حين أن المعرفة الإنسانية وإن تمت "نمذجتها"، إلا أن حل تلك النمذجة بهذا الشكل الانفصالي لا يزيد الفكر الإنساني إلا تمركزا وزيادة في منسوب الأيديولوجيا، في حين أن المعرفة الإنسانية، هي نتاج تشبع القيمة الروحية بمظاهرها المادية كأجوبة لتساؤلات فكرية مبررة لا تقف أما موانع، ولا يمكن أن تكون مظاهرا اصطفائية.
ثانيا: المطلق: المتعلق بالأسئلة الوجودية الكبرى، وهو لا يتحدد بالأجوبة الشافية عن أسئلة مثل اصل الإنسان والوجود والخلق ومصير الإنسان، مهما ادعى أي دين حيازتها، بقدر ما يتحدد بارتباطه بالمستوى الأول ليصب في النهاية في البعد الأهم من المرجعية: القيمة.
ومن هنا يمكن القول إن "الهوية " وإن كانت مرتبطة عضويا بالمرجعية، فديناميكية المرجعية وليس ثبوتها وتصلبها وقدرتها على التصنيف الرأسي الأيديولوجي، لا بد لها أن ترتبط بالقيمة كعامل مؤثر ويؤثر في المرجعية كعنصر محدد للهوية.
وهنا تحضرنا قاعدتان فقهيتان هامتان: فيما يتعلق بالمرجعية: "لا إنكار في مختلف فيه" و"من وسع علمه قلّ إنكاره"، وللقاعدتين أهمية خاصة لاحتوائهما على توصيفات ديناميكية حركية تنسف ثبوتية الإطار وصنميته: الإختلاف وتوسع العلم.
المستوى الثاني: المنطق:
بمعنى أن الخطابات المتصلة بإنتاج المعارف حول الواقع، ليست مجرد أجهزة برهانية أو آلات منطقية أو حتى براهين قاطعة، أو إجراءات، إنما هي ضمن أجساد معرفية ونماذج معرفية.
وهنا تكمن الإنتاجية المعرفية والفكرية (الثقافية في المجموع)، والتي يجب أن تتحرر من الربط العضوي الأيديولوجي، بين النموذج المعرفي وإجراءاته (أولا) وتراتبية العمل بتلك الإجراءات (ثانيا)، وذلك التحرر يضمن الفصل بين الإجراء واستخدامه واستحضار النموذج المعرفي، محولا الإجراء إلى أداة، بلفظ آخر: تعطيل العقل الكلي (أهد أهم مميزات العقل الأيديولوجي).
بمعنى آخر، فإن استحضار عبارة مثل: "اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أهل الجحيم"، كمنهج وهدف فكري، هو استحضار يجعل من المخالفة – لمجرد المخالفة هدفا، فتصبح العلاقة مع النسق الإنساني هي علاقة إما "مع" وإما "ضد"، ولا يخفى على أحد مدى قصور هذه المقاربة وإن ادعت الفكر منهجا. كما أن الوصفية القيمية (أهل جحيم) تستلزم ربطا عضويا بـ(أهل النعيم)، فتصبح المقاربة الفكرية هي مقاربة مستحيلة، فمن يرتضي أن يقارب فكر (أهل الجحيم)!! من متلازمات "داء الإصطفاء" الكاذب.
أي أن القبلة الفكرية هنا –وكأي قبلة أيديولوجية- لا تتحدد لذاتها بل تتحدد بمدى مخالفتها (أو بالأصح تضادها) مع القبلة الفكرية لهؤلاء "أهل الجحيم"، أي أن الخطاب المتناول لـ"المرجعية" هنا يفعل ذلك ثبوتيتها كخط مستقيم وصراط فيصل بين "نعيم" و"جحيم" لا لذات تلك المرجعية واستيعابها... فالفرق بين النعيم والجحيم واضح، ولا مجال للمقاربة.
قد يرى البعض أن استحضار و/أ وتوظيف خطاب مطّعم بالكثير من الإجراءات التي تنتمي لنموذج معرفي بذاته، إنما هو استحضار لذلك النموذج، ووجهة النظر تلك على وجاتها – ظاهريا-، تعريها حالة الجدب الفكري وغياب الابداع، لارتباط العقل القياس – في هذه الحالة- عضويا بالنموذج المعرفي للآخر – أهل الجحيم -، فيصبح النقد حينها هو نقد أيديولوجي لا يستوي إلا باستحضار فشل النماذج المعرفية الأخرى ككل، وليس لنجاح النموذج المعرفي ذاته*3، فيحول الاختلاف الحضاري هدفا بذاته ولو كان اختلافا من باب إثبات الوجود الأجدب. (من دون المساس بالعناصر الهوياتية المعبرة حضاريا).
وشهد التاريخ الأمثلة الكثيرة من مفكرينا الذين رفضهم العقل الجهوي الأيديولوجي على مدى تاريخه القديم والمعاصر والحديث، وإشهار سلاح التكفير كمشهد صراعي أثبت العقل أنه سلاح الجاهل والفقير، وإن طعّمه بقراءاته المشلولة للنصوص الدينية والتاريخية، وقد تمت الإشارة لعقلية التكفير وارتباطها بالمصلحة والمادة في جزء آخر من الدراسة*4.
المستوى الثالث: البنية:
إذا كان الواقع الانساني ككل واقعا متحولا ومتغيرا، فالمعارف المنتجة حوله لا بد لها أن تكون كذلك ايضا، بل إنها لا تقبض عليه، وإنما تسهم في استقرائه وتحويله واستشرافه، ومن هنا فالأفكار الفاعلة (بإجراءاتها ونماذجها) ليست قوالب محضة (على عكس فكرة الإطار)، بقدر ما هي شبكة متعددة ومركبة من العلاقات تسهم في تحويل الواقع، بقدر ما تنفتح على التحوّل (عكس الدوران في فلك الثبوتية المؤطرة)، ومن هنا فمصداقية الفكرة الخصبة بل وحتى "المقدسة"، على فتح إمكان للتبادل والتفاعل والتحول والتجاوز، على سبيل إعادة التركيب والبناء بلغة التحويل الخلاق، لا باعتبار ثبوتية نص لا يمكنه إحتواء الحقيقة المطلقة، مع تعطيل "السؤال الحر".
وتلك البنية فيما يخص النوسطالجيا – على الساحة الحالية – يعري عورتها الأيديولوجية، حالة الاستيراد المطلق لمنتجات ما فتئت أن "أكلت آذاننا" بخطابها الدائم الرفض لها باعتبارها إجراءات من نماذج "أصحاب الجحيم"، في حين أن تلك الإجراءات "التي يشيطنها ذلك العقل الأجدب" هي التي يستخدمها العقل الأيديولوجي في صراعاته للسلطة، تبعا لقاعدة نسبية – سياسية بحتة: "الغاية تبرر الوسيلة"، ولكن الدين ليس نسبيا.
المستوى الرابع: الفاعلية:
الفاعلية تبنى على ديمومة مساءل البنية، ضمن متغيرات تفاصيل الزمان والمكان، فالفاعلية هي الجزء البراغماتي والخلاق والمنتج، فالأفكار ليست كائنات فراغية لا أبعاد لها، إنما هي "إمكانيات للتداول"، تحتاج لمعالجات خاصة، لا يحددها التنظير أو القيم المطلقة للفكرة فقط، إنما تحررها من قيود الاستحواذات الأيديولوجية، وتفعيل عنصر أخلاقي هام: "القيمة الإنسانية"، وهي القيمة التي تحددها الفردانية كبذرة للجماعة وليس العكس، وإلا تحولت "القبيلة" إلى "القبائلية" و"الطائفة" إلى "الطائفية" و"المذهب" إلى "المذهبية" *5، وما يكشفه الفرق الاصطلاحي من شحنات موجبة محايدة وغير منحازة في الأولى، وسلبية انحيازية قائمة على الإقصاء والتمييز في الأخرى.
من هنا كانت المقاربة للنوسطالجيا باعتبارها "فكرا"، يجب – في منظورنا- أن تتم من خلال تلك المستويات الأربعة: الهوية / المنطق / البنية / الفعالية، مع التركيز على أن العلاقة الرابطة بين تلك المستويات لست علاقة فراغية، إنما هي علاقة:
1.هرمية: تبدأ من القاعدة الأعرض (الهوية) للقاعدة الأضيق (الفاعلية).
2.عضوية: أي أن الإرتباط بين تلك القواعد أو المستويات هو إرتباط عضوي تفاعلي، فشل الأول (الهوية )، ينتهي بفشل ما بعده. (كما يعري لنا واقعنا).
إن الخلل العضوي والهرمي في المستويات البنائية السابقة، يتمظهر في الكثير من شواهد ساحتنا الفكرية العربية، باعتبار تراكبية وتداخل العلاقة بين العروبة والإسلام تداخلا حيويا لا يستوي من دون الإسلام كعنصر ثقافي وقيمي وفكري وحضاري (وليس فقط سلطوي) هام جدا في القياس النقدي، ومن تلك التمظهرات:
الاستقراء التاريخي:
الاستقراء التاريخي، لمجريات التاريخ السياسي العربي – الإسلامي تحولت بفضل الكثير من العوامل *6 لاستقراء "خرائطي"، لمجموعة من الجزر السلطوية وليست القيمية في "أرخبيل" سلطوي، العلاقة بين جزره علاقة مكانية – مادية - سلطوية وليست زمانية –قيمية- فكرية. بكلمات أخرى أصبح الارتباط التاريخي ارتباطا "تراكميا" بدأ من "المدينة" و"مكة" وصولا إلى "الأندلس" و" بـ"البصرة" و"الكوفة" و"دمشق" و"القاهرة"، و"القيروان"، وغيرها وليس ارتباطا "تعاقبيا بين كل تلك الجزر، مما يعني التورط الفكري والحضاري مع الآخر ومنتجه. هنا نشير للإرث الخلدوني التاريخي، حيث ذكر ابن خلدون في كتابه:
" أما بعد فإن فن التاريخ، في ظاهره لا يزيد عن أخبار الأيام والدول والسوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطوف بها الأندية، إذا عضها الاحتفال (...) وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق..."
أشار الإرث الخلدوني فيما يتعلق بالتاريخ، لنوع من الربط العضوي بين "العمران" و"التاريخ"، ولكن ولأن عطبا عضويا و/أو هرميا في علم الأفكار متى تأدلجت، يؤدي لحرمان "التاريخ" من أرضيته المعرفية، وتحويلها إلى أرضية " سردية"، تنقسم إلى نصفين منفصلين وثابتين: تاريخ"هم" وتاريخ"نا"، والفيصل بينهما حد السيف.."المرجعية"، وهي تمظهرات أيديولوجية، لا تعد أدلجة المعرفة (وفي ألفاظهم أسلّمتها)، هو نوع من أنواع الإنفصال عن التاريخ والنسق الإنساني، وهي مظاهر لا تظهر غلا في عصور الضعف والانحطاط، بينما في عصور ازدهار الحضارة العربية والإسلامية في الأندلس للمثال، كانت الملكة الإسبانية إيزابيل التي تمت برعايتها محاكم التفتيش بـ"تطهير" الأندلس من الإرث العربي، كان فستان زفافها مطرزا بحروف عربية.
وبالعودة لذلك الاستقراء للتاريخ، فذلك "التأريخ" ليس له أن ينتج "معرفة"، أو أن يفسر الأحداث بالأسباب، إنما هو يقرأ التاريخ في فلك "إقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم" وما يستلزمه ذلك من إثبات الفروق القيمية، وللتأريخ هنا أن يعظ وللحاضر أن يتعظ، بما يؤسس للإطار فقط فاصلا بين "الجحيم" و"النعيم" وأهلهما، وتصبح العملية التاريخية إنما هي سرد مسطح يقفز على تفاصيل تاريخية وحضارية خلقت لكل حضارة ونموذج تمايزه وفعاليته وإنتاجيته ضمن تفاصيله، وهو ما يعرف بالخطاب التاريخي الأيديولوجي*7، وهنا يتحول "التأريخ" إلى مفهوم "حكائي" يدور في فلك الناقل وموقفه لا المنقول وسببه، كل ذلك على حساب "العمران" البشري كعلم، لصالح مادية الملموس العمراني كمنتج، لا مسببه. إن التأريخ هو علم "بكيفيات الوقائع"، وليس مجرد "إخبار"، وتلك قضية معرفية أساسية لها علاقة بتحديد المفهوم العلمي للتاريخ، فالخبر من حيث هو مادة "المعرفة التاريخية" –ومشهدها الملموس- يسمح ويستلزم السرد، أما الواقع فهو كمادة للمعرفة التاريخية، لايسمح بالسرد لأنه في بنيته المعقدة ليس حدثا، بل علاقة، أو مجموعة شبكية مركبة من العلاقات، التي هي بالقطع أكبر من المرجعيات المؤطرة، لوقوع أجزاء منها داخل وخارج المنظومة التعريفية الثابتة للإطار، لذا فهي أكبر من ثنائياتها الثابتة وأبعادها.
إن تلك المركزية الذاتية الأيديولوجية المعطلة في عملية الاستقراء التاريخي، تتمركز متخذة من ذاتيتها مركزا للفعل الإنسان وهي أحد أهم تجليات "داء الإصطفاء" الميكافيللي، محولة من تلك المركزية الثابتة، مركزية قيمية، وتصدر منها خطابها الأيديولوجي المتعالي، بهدف الحفاظ على جميع التراكيب العقائدية الدوغمائية الهادفة لتبرير وتنميط الأيديولوجيا، وإختصار وعي المؤمن في السلطة كالطريق الأول للقيمة*8، والسلطة هي دوما منتج إجتماعي (أي أنه وليد المجتمع: أكثر من فردين – طرفين حاكم ومحكوم ) وذلك يبرر القراءة الخلاصية الدائمة للخطاب الأيديولوجي، في حين أن الحضارة هي فعل إنساني.
إن الانتقال من الحيز السلطوي لفكر النوسطالجيا للحيز الحضاري، يجب أن ينطلق من الحيز المجتمعي السالف الذكر إلى الحيز الإنساني، وهنا تظهر قيمة "الفردانية الإنسانية" كعنصر مفكك للأيديولوجيا، هو انتقال للفكر من مجال التطبيق ضمن (الأنا والآخر) التي تحولت سلطويا إلى (النحن والهم)، إلى مستوى إنساني قيمي، وهو منشأ الحضارة ولنا في الفكر الإسلامي الكثير من شواهد تلك القيمة الفردانية في خلق الحضارة، ورسولنا الكريم الذي كان إنسانا فردا في مواجهة جمع كامل (الإنسانية قاطبة) وقس عليه جميع الرسل من قبله، وكذلك الكثير من أدبيات التعامل الإنساني في المخيال الجمعي الإسلامي حضاريا كقوله (ص):
(لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فشرطية الإيمان ومن ثم تراتبية الفرد – الأصل، ومن بعده الآخر، هي تراتبية لم تأت اعتباطيا في ظل عدم تحديد "الأخوة"، لتصبح أي أخوة إنسانية، فلا ثمرة – جمعية من غير بذرة فردية، أي أن "الإنسان هو الحل" وليست الأيديولوجيا.
فتلك النزعة الفردانية التي أسس لها الإسلام وإن كانت تخضع للفلسفة القرآنية التي تبتغي رضا الله في كل الخطوات الإنسانية الفردية إنما تجعل مع العلاقة الذاتية مع الله هي علاقة فردية قبل كل شيء، فيقول تعالى:
(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)، وذلك مع الإشارة لإلغاء الدين الإسلامي للوسطاء بين الله وعباده، وبأن (كل نفس بما كسبت رهينة) (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. من يعمل مقدار ذرة شرا يره).
ويقول أرنولد توينبي عن دور النزعة الفردية في بناء الحضارات:
"إذ لكل انسان مواهبه الخاصة وشخصيته المميزة، والإبداع البشري هو دائما نتيجة لجهد فردي معين، وهذه القدرة الفردية الخلاقة هي رأس المال الوحيد الذي يملكه الأنسان، والمجتمعات التي أعطت الفرد الفرص الضرورية للقيام بعمل منتج هي المجتمعات الأكثر تقدما وتطورا، وعندما تقيد هذه الفرص بمطالب سياسية أوعائلية، فمعنى ذلك شلل القدرة الإبداعية للأفراد، والانسان الذي يمتلك مواهب شخصية ممتازة يستطيع استخدام هذه المواهب بطريقة أخلاقية خيرة كما يستطيع استخدامها للإضرار بمصالح الآخرين، وهذا يعني أن النزعة الفردية يمكن أن تؤدي إلى نتائج ضارة بالمجتمع إذا لم توضع تحت السيطرة الأخلاقية ]القيمة الإنسانية كما يطرحها الكاتب[ ويبدو أن الغرب قد أطلق العنان لهذه النزعة فكانت نتائجها سلبية على حساب الصالح العام وعلى صعيد العلاقات الإنسانية"، وهنا تظهر المسؤولية الأخلاقية كواجب إنساني وليست كاستحواذ ايديولوجي*9.
في النهاية يجب أن نشير إلى ضرورة التركيز على الواجب الإنساني، باعتباره أصل الإنسانية وليس الأيديولوجيا فيما يتعلق بالدراسات المتعلقة بالنصوص الدينية، والتي نقسمها إلى:
أولا: القراءة الإيمانية أو اللاهوتية، وهي قراءة ذات أدوات أرثوذكسية هيراركية، تعطل العقل لصالح النقل، وتضيق حيز التأويل، لتبقي العقل الفردي حبيس الدوغمة المغلقة، لصالح تمظهر الجماعة سلطويا لا حضاريا، وتلك القراءة تستلزم نوعا علاجيا من الفكر التفكيك أو بالمصطلح الفوكوي "الحفر المعرفي"، من خلال مناهج كشف القيمة، وهذا سينتهي بنا إلى القراءة الثانية وهي قراءة يتحول فيها النص من المركزية الاهوتية إلى مركزية إنسوية، ضمن حيثيات النقد التاريخي والتحليل الألسني المتعلق باعادة إكتشاف المعنى والقيمة كمرجعية ديناميكية وهي قراءة تطبيقية تركز وتنطلق من مسؤولية الإنسان الحضارية.

___________________________________________________
رابط المقال على صفحات عرب ال48:
http://www.arabs48.com/?mod=articles&ID=80672
الهوامش:
1. الآخر هنا هو متسع بقدر ما من الممكن أن يحتويه الآخر: العالم الإنسان الكون والله والمحيط.
2. بما معناه.
وهنا تظهر لنا مدى الجهل المؤدي في النهاية إلى التطابق مع قراءات المستشرقين للإسلام، باعتباره أيديولوجيا، ففي النهاية كلها أيديولوجيات، في حين أن الدين أسمى وأعلى من عقول البعض وقراءاتهم السلطوية.
3. وهنا تظهر القراءة الانتقائية والأيديولوجية الجاهلة للتاريخ وكأنه علم سردي لا ينتج معرفة ولاهو علم علاقات.
4. التكفير عقلية ميكافيلية:
إن أيدولوجيا التكفير وبالرغم من استنادها إلى إرث تاريخي عقدي، تستمد منه طاقته الدافعة، إلا أنها لا تستطيع البتة إنكار حقيقة داعرة الوضوح بالشبقية السلطوية الباحثة عن شرعية "الرمز"، ذلك الرمز الذي جعل الحياة الرمزية إنما هي تعويض عن الحياة الاجتماعية لا ترجمة لها أو تعبيراً عنها، فشرعية "الرمز" المدعاة، والشبقية السلطوية لاستلابها تفترض خرساً في الرمز يستلزم وكيلاً عنه، يتحدث باسمه، وباسمه يتصرف وعنه ينوب.
في الأسس التكفيرية:
تنبني عقلية المُكفِر على عنصرين أساسيين يعطيان بنيته التكفيرية حيزها وماهيتها الثابتة وهما:
1. عنصر سياسي: يرتبط بجمل المصالح الاجتماعية التي تمثلها فكرة التكفير وتمنحها الشرعية والسلطة.
2. عنصر معرفي: يتعلق بالبديهيات غير المفحوصة التي تشتغل في وعي المكفر والتي غالباً ما يلجأ حيالها لسلاح التكفير وهو السلاح الأكثر عدمية أخلاقية.
5. بحسب تعبير المفكر عبدالله الغذامي في كتابه: "القبيلة والقبائلية أو هويات ما بعد الحداثة" – المركز الثقافي العربي – بيروت والمغرب - 2009.
6. وذلك بفضل عوامل كثير، منها: تقديس التاريخ الأيديولوجي، داء الاصطفاء، الغرق في قدسية السلطة متى كانت توكيدا لعلاقة بين "أصحاب نعيم" و"أصحاب جحيم"، على حساب موضوعية الفكر الإنساني وفصل القيمة عن السلطة.
7. من أمثلة ذلك: وصف المعتزلة بأنهم مجرد فريق ثوري خارج عن الملة، لم يقدموا شيئا للفكر الإسلامي، وكذلك التعامل اللغوي – الديني مع لفظ "فتح" فيصبح الفتح الإسلامي: من فتح الصندوق – اشتقاقا وإدخال النور على ذلك الصندوق المعتم، وما في ذلك من حكم قيمّي رأسي (عتمة ونور) على الآخر المفتوحة بلاده، والتاريخ العربي -الإسلامي أثبت عوار هذه النظرة المتعالية الأيديولوجية واختزاليتها الحضارية.
8. كالادعاء بأفضلية الإسلامي على المسلم، ويصبح المتبع منهج إسلامي سياسي هو أقرب لله من المسلم المؤمن لمجرد قبوله بتلك الأيديولوجيا معبرا دينيا عن صورة السلطة، ولا عزاء للحضارة إذا ما اختصرت في الكرسي والكرش.
9. يجب الإشارة هنا إلى الإرث المعتزلي متمثلا في حي بن يقظان مثالا لا حصرا.
وتيار النوسطالجيا ليس بشذوذ عن ذلك الانتماء الفكري الإنساني (مبدئيا)، ومن هنا فأي مقاربة للفكر الإنساني يمكن تطبيقها عليه من حيث أن الفكر يمكن تقسيمه إلى عدة مستويات (أبعاد) فاعلة ومترابطة عضويا، وهي بالترتيب:
1.المستوى الأول: الهوية:
الهوية بكل تعاريفها ومقارباتها، هي ما يعطي للحيز الوجودي حدوده وتفاصيله ودوره، بما هي ازدواج والتباس، أي أنها –بعبارات أخرى- ليست كائنا أو كينونة صافية ثابتة، تتساوى / تتماهى مع ذاتها، إنما الهوية هي عملية "إدراك" و"مساءلة"، و"تحول" و"انفتاح"، أي أنها بقدر ماهي مركبة وملتبسة، فهي سوّية ومفتوحة على تعدد الأبعاد والوجوه، وديمومة القراءة الذاتية ومنها للتحول، ذاتيا وعلاقاتيا، مع الذات والآخر.*1.
لدى التعامل مع "الهوية"، يجب تذكر –على الدوام- أن "الهوية"، إنما هي نقيض الثبوتية والجمود، إلا في حالة الموت بجميع صوره منها الحضاري والسياسي وليس الجسدي فقط - أو التعبير الراديكالي المختزل عن الذات، وفي جميع تلك الحالات فالتعبير عملية معطوبة-. وبما أن "المرجعية" باعتبارها مصدرا من مصادر التعريف الذاتي للهوية –وليس الوحيد أو هكذا يجب أن تكون- فإن القول بثبوتيتها وجمودها إنما هو حكم على الهوية كعنصر فاعل على الساحة الإنسانية فيما عبر عنه مالك بن نبي عامل مؤثر في "التحليل النفسي للثقافة"، ومن ثم حالة من الموت الفكري.
لذا فالمرجعية هي "أداة" لفهم الإنسان والكون والمحيط والعالم والمجتمع الإنساني والغيب، وليس الإنسان والعالم والمجتمع الإنساني والكون أدوات إثبات لتلك المرجعية، وهذا بناءا على أن ازدواجية العلاقة بين الطرفين (الإنسان – المرجعية) هي علاقة بنيوية مبنية على الحركية الدائمة لا ثبوت طرف لصالح الآخر، حيث:
- الإنسان: حركية فكرية.
- المرجعية: حركية استيعابية (تنتهي بالتفسير والاحتواء).
ومن هنا فالقول إن المرجعية هي أقرب ما يكون لـ"إطار" تعريف، إنما هو قول ينتفض نقيضا على نفسه وعلى الادعاء بالاستيعاب، فتلك المرجعية – الإطار، وما يقتضيه القول الإلهي بكمالها الإلهي المطلق، يجب لذلك أن تتحرر من تفاصيل تفترضها تفاصيل الخطاب الوصفية لها كإطار:
أولا: القصور في "الإستيعاب" لما وقع خارج إطارها، فالاستيعاب – ومن ثم المواجهة – هو فقط لما يقع ضمن فضائها المحدد بالإطار – إطارها، والإطار مهما اتسع فلن يحتوي إلا الصورة.
القصور في الاستيعاب مع أن الأصل في الفعلين (داخل وخارج الإطار) إنما هي أفعال جذرها الإنسان ونماذجه الفكرية أيا كانت، وهنا يصبح الفعل الإنساني – فكريا واقعا ضمن فضاء تلك المرجعية بالاستيعاب والمقاربة والقياس، أي أنها أداة بقدر شرحها للعالم والكون والغيب والإنسان، من منظور بذاته إلا أنها تحتويه أولا وأخيرا.
ثانيا: لوصف "المرجعية" بالـ"إطار" منظور أيديولوجي يختزل أي مقاربة موضوعية لها باعتبارها فعلا أيديولوجيا، تستلزم قاعدته "شذوذا" حيويا لصحة تلك القاعدة المرجعية. بلفظ آخر، لا تستوي تلك المقاربة من دون وجود طرفين لا تعدو "المرجعية" أن تكون تعريفا رأسيا للعلاقة بينهما: "مع" أي داخل الإطار، و"ضد" وهم القاطنون خارج ذلك الإطار، أي أن الإطار وجوده لايعتّد به لذاته ولا لقدرته الإلهية –المدعاة- على الاستيعاب، إنما هو من يعطي للـ"نحن" والـ"هم" صفتهما.
هنا تولدت الكثير من الأعراض المرضية الأيديولوجية، كالرفض الجهوي، وهو الرفض الذي تحدده الجهة: خارج الإطار، والذي لا يعد رفضا – كمقاربة موضوعيا، بقدر ما هو إثبات وجود وعلاقة طرفية مع الآخر وليست علاقة موضوعية على أرضية فكرية (أرضية تضمن حق القبول والرفض الموضوعي)، وإن استند على خطاب مطعم بالكثير من الأدوات السوسيولوجية الصحيحة، الذي يعتمد على منطقة اللامنطق وليس تحليله.
ثالثا: ولأن أي ثابت أيديولوجي – مقدس كما في الحالة بين أيدينا -، يستلزم ربطا عضويا بين السلطة والمعرفة، وهو – الربط- أولى أدوات الأيديولوجيا، نشأ هناك نوع من التراتبية السلطوية (الهيراركية)، داخل تلك الحدود الثابتة والمؤطرة، وهو ما يتجلى واضحا على الساحة السياسية، من القول بأن "الإسلامي" أفضل من "المسلم"، فقط لأنه اعتبر العمل السياسي وحدة تعبيرية أيديولوجية فرضها على الآخر هو نوع من التقرب لله، وإحقاق شريعته في الأرض، فتحول الدين من منهج روحاني قيمي إلى منهج سلطوي أو أقرب ما يكون برنامج حزبي.
ولذلك الطقس السلطوي الهيراركي المتدثر – كذبا- بالدين في تاريخنا السياسي العربي إرث متراكم، ولكنه يظل شاذا على العقل السياسي العربي – الإسلامي جذرا- والذي أثبت انفتاحا على الآخر – أي آخر، بشكل متميز. من ذلك الإرث –دوما- الحيلة الأيديولوجية الأولى التي تمثلت في رفع المصاحف على أسنة الرماح، وتلاها للمثال لا الحصر: عندما ربط الأمويون بين طاعتهم والاستسلام لهم، وبين "الإسلام" ربطا لغويا، وعلى الساحة الحالية نجد الكثير ممن يستخدم نفس الربط، وهنا يحضرنا مقولة أبي ذر الغفاري الشهيرة: "عجبت لمن لا يجد قوت يومه ولا يشهر سيفه"*2.
إن المقاربة الأكثر دقة – من منظورنا- لفكرة "المرجعية"، إنما تحول تلك الأخيرة من حالة التماهي والتطابق التام مع "الهوية"، بما يضمن موتها وشلّلها، إلى "أداة" لفهم ديناميكية وعلاقاتية العالم والكون والمجتمع والإنسان، وليست أداة تثبيت أو تقرير له، لما في ذلك من أدلجة ما لا يؤدلج.
وتلك المقاربة، قد اعتمدت نفس اسلوب القياس التمثيلي "الأليغوريا أدبيا"، الذي اعتمد المرجعية باعتبارها "إطارا"، فالمرجعية هي أقرب ما يكون إلى "مركبة فضائية" منها يستمد "رائد الفضاء" الحياة ليعيش في ظروف لا تتناسب وإياه ولا توفر له أساليب الحياة وشروطها، ولا يستطيع حينها –رائد الفضاء- الابتعاد عن تلك المرجعية – المركبة، إلا بما تسمح له هي من "أدوات"، باعتبارها مصدر الحياة في تلك الظروف بعينها.
ولكن ضمن حدود الأرض، تصبح المركبة – المرجعية أداة لتحصيل وتقنين المعرفة (ماديا وروحانيا) وتقديمها ضمن النسق الإنساني كاملا بما تمثله الأرض من أرضية مشتركة لكل البشر وليست استحواذا لفريق دون آخر المتمركز ذاتيا، وذلك باعتبار سمو ما تقدمه المرجعية من إجابات مختلفة تتعلق بالكون والإنسان والعالم والغيب.
المفارقة بين "الإطار" و"المركبة":
ولأن الكينونة البشرية – إنسانية في بذرتها وستأتي الإشارة للأساس الإنساني الفردي في متن المقال- تحتوي على عنصري الوعي واللاوعي، متلازمين معا، فالفعل الإنساني لا بد له أن يتلقى شيئا مفهوما له – ضمن تفاصيل الحاجة الملموسة النسبية -، بما يمكنه من الاستدلال على ما يفوق إدراكه، والعقيدة الشاملة – بمرجعيتها المدّعاة – يجب عليها أن تلبي حاجة هاذين الجانبين من دون تصنيف لما هو خارج وداخل إطارها، فتصبح حينها كاملة الاحتواء للجذر الإنساني كاملا، وإلا حولت إثباتا لنسبية الملموس لا إثباتا لإطلاق غير الملموس، مؤديا إلى تحول تلك التلبية والاستيعاب، إلى فجوة قيمّية إستحواذية، مؤسسة لمشهدين أيديولوجيين سلطويين وليسا حضاريين هامين:
1. الغاية تبرر الوسيلة وبالذات إذا كانت غاية تحقق القيمة الضدية (مؤمنون وكافرون / خير وشر...إلخ).
2.داء الإصطفاء.
إلا أن لتلك الفجوة القيمّية الضدية مستويين:
أولا: نسبي: يتعلق بقضايا المعرفة نفسها، لا بأدلجتها، واستحواذها وفصلها المستحيل عن النسق الإنساني، ذلك الفصل الذي لا يستطيع إلا أن يكون فصلا رأسيا، في حين أن المعرفة الإنسانية وإن تمت "نمذجتها"، إلا أن حل تلك النمذجة بهذا الشكل الانفصالي لا يزيد الفكر الإنساني إلا تمركزا وزيادة في منسوب الأيديولوجيا، في حين أن المعرفة الإنسانية، هي نتاج تشبع القيمة الروحية بمظاهرها المادية كأجوبة لتساؤلات فكرية مبررة لا تقف أما موانع، ولا يمكن أن تكون مظاهرا اصطفائية.
ثانيا: المطلق: المتعلق بالأسئلة الوجودية الكبرى، وهو لا يتحدد بالأجوبة الشافية عن أسئلة مثل اصل الإنسان والوجود والخلق ومصير الإنسان، مهما ادعى أي دين حيازتها، بقدر ما يتحدد بارتباطه بالمستوى الأول ليصب في النهاية في البعد الأهم من المرجعية: القيمة.
ومن هنا يمكن القول إن "الهوية " وإن كانت مرتبطة عضويا بالمرجعية، فديناميكية المرجعية وليس ثبوتها وتصلبها وقدرتها على التصنيف الرأسي الأيديولوجي، لا بد لها أن ترتبط بالقيمة كعامل مؤثر ويؤثر في المرجعية كعنصر محدد للهوية.
وهنا تحضرنا قاعدتان فقهيتان هامتان: فيما يتعلق بالمرجعية: "لا إنكار في مختلف فيه" و"من وسع علمه قلّ إنكاره"، وللقاعدتين أهمية خاصة لاحتوائهما على توصيفات ديناميكية حركية تنسف ثبوتية الإطار وصنميته: الإختلاف وتوسع العلم.
المستوى الثاني: المنطق:
بمعنى أن الخطابات المتصلة بإنتاج المعارف حول الواقع، ليست مجرد أجهزة برهانية أو آلات منطقية أو حتى براهين قاطعة، أو إجراءات، إنما هي ضمن أجساد معرفية ونماذج معرفية.
وهنا تكمن الإنتاجية المعرفية والفكرية (الثقافية في المجموع)، والتي يجب أن تتحرر من الربط العضوي الأيديولوجي، بين النموذج المعرفي وإجراءاته (أولا) وتراتبية العمل بتلك الإجراءات (ثانيا)، وذلك التحرر يضمن الفصل بين الإجراء واستخدامه واستحضار النموذج المعرفي، محولا الإجراء إلى أداة، بلفظ آخر: تعطيل العقل الكلي (أهد أهم مميزات العقل الأيديولوجي).
بمعنى آخر، فإن استحضار عبارة مثل: "اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أهل الجحيم"، كمنهج وهدف فكري، هو استحضار يجعل من المخالفة – لمجرد المخالفة هدفا، فتصبح العلاقة مع النسق الإنساني هي علاقة إما "مع" وإما "ضد"، ولا يخفى على أحد مدى قصور هذه المقاربة وإن ادعت الفكر منهجا. كما أن الوصفية القيمية (أهل جحيم) تستلزم ربطا عضويا بـ(أهل النعيم)، فتصبح المقاربة الفكرية هي مقاربة مستحيلة، فمن يرتضي أن يقارب فكر (أهل الجحيم)!! من متلازمات "داء الإصطفاء" الكاذب.
أي أن القبلة الفكرية هنا –وكأي قبلة أيديولوجية- لا تتحدد لذاتها بل تتحدد بمدى مخالفتها (أو بالأصح تضادها) مع القبلة الفكرية لهؤلاء "أهل الجحيم"، أي أن الخطاب المتناول لـ"المرجعية" هنا يفعل ذلك ثبوتيتها كخط مستقيم وصراط فيصل بين "نعيم" و"جحيم" لا لذات تلك المرجعية واستيعابها... فالفرق بين النعيم والجحيم واضح، ولا مجال للمقاربة.
قد يرى البعض أن استحضار و/أ وتوظيف خطاب مطّعم بالكثير من الإجراءات التي تنتمي لنموذج معرفي بذاته، إنما هو استحضار لذلك النموذج، ووجهة النظر تلك على وجاتها – ظاهريا-، تعريها حالة الجدب الفكري وغياب الابداع، لارتباط العقل القياس – في هذه الحالة- عضويا بالنموذج المعرفي للآخر – أهل الجحيم -، فيصبح النقد حينها هو نقد أيديولوجي لا يستوي إلا باستحضار فشل النماذج المعرفية الأخرى ككل، وليس لنجاح النموذج المعرفي ذاته*3، فيحول الاختلاف الحضاري هدفا بذاته ولو كان اختلافا من باب إثبات الوجود الأجدب. (من دون المساس بالعناصر الهوياتية المعبرة حضاريا).
وشهد التاريخ الأمثلة الكثيرة من مفكرينا الذين رفضهم العقل الجهوي الأيديولوجي على مدى تاريخه القديم والمعاصر والحديث، وإشهار سلاح التكفير كمشهد صراعي أثبت العقل أنه سلاح الجاهل والفقير، وإن طعّمه بقراءاته المشلولة للنصوص الدينية والتاريخية، وقد تمت الإشارة لعقلية التكفير وارتباطها بالمصلحة والمادة في جزء آخر من الدراسة*4.
المستوى الثالث: البنية:
إذا كان الواقع الانساني ككل واقعا متحولا ومتغيرا، فالمعارف المنتجة حوله لا بد لها أن تكون كذلك ايضا، بل إنها لا تقبض عليه، وإنما تسهم في استقرائه وتحويله واستشرافه، ومن هنا فالأفكار الفاعلة (بإجراءاتها ونماذجها) ليست قوالب محضة (على عكس فكرة الإطار)، بقدر ما هي شبكة متعددة ومركبة من العلاقات تسهم في تحويل الواقع، بقدر ما تنفتح على التحوّل (عكس الدوران في فلك الثبوتية المؤطرة)، ومن هنا فمصداقية الفكرة الخصبة بل وحتى "المقدسة"، على فتح إمكان للتبادل والتفاعل والتحول والتجاوز، على سبيل إعادة التركيب والبناء بلغة التحويل الخلاق، لا باعتبار ثبوتية نص لا يمكنه إحتواء الحقيقة المطلقة، مع تعطيل "السؤال الحر".
وتلك البنية فيما يخص النوسطالجيا – على الساحة الحالية – يعري عورتها الأيديولوجية، حالة الاستيراد المطلق لمنتجات ما فتئت أن "أكلت آذاننا" بخطابها الدائم الرفض لها باعتبارها إجراءات من نماذج "أصحاب الجحيم"، في حين أن تلك الإجراءات "التي يشيطنها ذلك العقل الأجدب" هي التي يستخدمها العقل الأيديولوجي في صراعاته للسلطة، تبعا لقاعدة نسبية – سياسية بحتة: "الغاية تبرر الوسيلة"، ولكن الدين ليس نسبيا.
المستوى الرابع: الفاعلية:
الفاعلية تبنى على ديمومة مساءل البنية، ضمن متغيرات تفاصيل الزمان والمكان، فالفاعلية هي الجزء البراغماتي والخلاق والمنتج، فالأفكار ليست كائنات فراغية لا أبعاد لها، إنما هي "إمكانيات للتداول"، تحتاج لمعالجات خاصة، لا يحددها التنظير أو القيم المطلقة للفكرة فقط، إنما تحررها من قيود الاستحواذات الأيديولوجية، وتفعيل عنصر أخلاقي هام: "القيمة الإنسانية"، وهي القيمة التي تحددها الفردانية كبذرة للجماعة وليس العكس، وإلا تحولت "القبيلة" إلى "القبائلية" و"الطائفة" إلى "الطائفية" و"المذهب" إلى "المذهبية" *5، وما يكشفه الفرق الاصطلاحي من شحنات موجبة محايدة وغير منحازة في الأولى، وسلبية انحيازية قائمة على الإقصاء والتمييز في الأخرى.
من هنا كانت المقاربة للنوسطالجيا باعتبارها "فكرا"، يجب – في منظورنا- أن تتم من خلال تلك المستويات الأربعة: الهوية / المنطق / البنية / الفعالية، مع التركيز على أن العلاقة الرابطة بين تلك المستويات لست علاقة فراغية، إنما هي علاقة:
1.هرمية: تبدأ من القاعدة الأعرض (الهوية) للقاعدة الأضيق (الفاعلية).
2.عضوية: أي أن الإرتباط بين تلك القواعد أو المستويات هو إرتباط عضوي تفاعلي، فشل الأول (الهوية )، ينتهي بفشل ما بعده. (كما يعري لنا واقعنا).
إن الخلل العضوي والهرمي في المستويات البنائية السابقة، يتمظهر في الكثير من شواهد ساحتنا الفكرية العربية، باعتبار تراكبية وتداخل العلاقة بين العروبة والإسلام تداخلا حيويا لا يستوي من دون الإسلام كعنصر ثقافي وقيمي وفكري وحضاري (وليس فقط سلطوي) هام جدا في القياس النقدي، ومن تلك التمظهرات:
الاستقراء التاريخي:
الاستقراء التاريخي، لمجريات التاريخ السياسي العربي – الإسلامي تحولت بفضل الكثير من العوامل *6 لاستقراء "خرائطي"، لمجموعة من الجزر السلطوية وليست القيمية في "أرخبيل" سلطوي، العلاقة بين جزره علاقة مكانية – مادية - سلطوية وليست زمانية –قيمية- فكرية. بكلمات أخرى أصبح الارتباط التاريخي ارتباطا "تراكميا" بدأ من "المدينة" و"مكة" وصولا إلى "الأندلس" و" بـ"البصرة" و"الكوفة" و"دمشق" و"القاهرة"، و"القيروان"، وغيرها وليس ارتباطا "تعاقبيا بين كل تلك الجزر، مما يعني التورط الفكري والحضاري مع الآخر ومنتجه. هنا نشير للإرث الخلدوني التاريخي، حيث ذكر ابن خلدون في كتابه:
" أما بعد فإن فن التاريخ، في ظاهره لا يزيد عن أخبار الأيام والدول والسوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطوف بها الأندية، إذا عضها الاحتفال (...) وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق..."
أشار الإرث الخلدوني فيما يتعلق بالتاريخ، لنوع من الربط العضوي بين "العمران" و"التاريخ"، ولكن ولأن عطبا عضويا و/أو هرميا في علم الأفكار متى تأدلجت، يؤدي لحرمان "التاريخ" من أرضيته المعرفية، وتحويلها إلى أرضية " سردية"، تنقسم إلى نصفين منفصلين وثابتين: تاريخ"هم" وتاريخ"نا"، والفيصل بينهما حد السيف.."المرجعية"، وهي تمظهرات أيديولوجية، لا تعد أدلجة المعرفة (وفي ألفاظهم أسلّمتها)، هو نوع من أنواع الإنفصال عن التاريخ والنسق الإنساني، وهي مظاهر لا تظهر غلا في عصور الضعف والانحطاط، بينما في عصور ازدهار الحضارة العربية والإسلامية في الأندلس للمثال، كانت الملكة الإسبانية إيزابيل التي تمت برعايتها محاكم التفتيش بـ"تطهير" الأندلس من الإرث العربي، كان فستان زفافها مطرزا بحروف عربية.
وبالعودة لذلك الاستقراء للتاريخ، فذلك "التأريخ" ليس له أن ينتج "معرفة"، أو أن يفسر الأحداث بالأسباب، إنما هو يقرأ التاريخ في فلك "إقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم" وما يستلزمه ذلك من إثبات الفروق القيمية، وللتأريخ هنا أن يعظ وللحاضر أن يتعظ، بما يؤسس للإطار فقط فاصلا بين "الجحيم" و"النعيم" وأهلهما، وتصبح العملية التاريخية إنما هي سرد مسطح يقفز على تفاصيل تاريخية وحضارية خلقت لكل حضارة ونموذج تمايزه وفعاليته وإنتاجيته ضمن تفاصيله، وهو ما يعرف بالخطاب التاريخي الأيديولوجي*7، وهنا يتحول "التأريخ" إلى مفهوم "حكائي" يدور في فلك الناقل وموقفه لا المنقول وسببه، كل ذلك على حساب "العمران" البشري كعلم، لصالح مادية الملموس العمراني كمنتج، لا مسببه. إن التأريخ هو علم "بكيفيات الوقائع"، وليس مجرد "إخبار"، وتلك قضية معرفية أساسية لها علاقة بتحديد المفهوم العلمي للتاريخ، فالخبر من حيث هو مادة "المعرفة التاريخية" –ومشهدها الملموس- يسمح ويستلزم السرد، أما الواقع فهو كمادة للمعرفة التاريخية، لايسمح بالسرد لأنه في بنيته المعقدة ليس حدثا، بل علاقة، أو مجموعة شبكية مركبة من العلاقات، التي هي بالقطع أكبر من المرجعيات المؤطرة، لوقوع أجزاء منها داخل وخارج المنظومة التعريفية الثابتة للإطار، لذا فهي أكبر من ثنائياتها الثابتة وأبعادها.
إن تلك المركزية الذاتية الأيديولوجية المعطلة في عملية الاستقراء التاريخي، تتمركز متخذة من ذاتيتها مركزا للفعل الإنسان وهي أحد أهم تجليات "داء الإصطفاء" الميكافيللي، محولة من تلك المركزية الثابتة، مركزية قيمية، وتصدر منها خطابها الأيديولوجي المتعالي، بهدف الحفاظ على جميع التراكيب العقائدية الدوغمائية الهادفة لتبرير وتنميط الأيديولوجيا، وإختصار وعي المؤمن في السلطة كالطريق الأول للقيمة*8، والسلطة هي دوما منتج إجتماعي (أي أنه وليد المجتمع: أكثر من فردين – طرفين حاكم ومحكوم ) وذلك يبرر القراءة الخلاصية الدائمة للخطاب الأيديولوجي، في حين أن الحضارة هي فعل إنساني.
إن الانتقال من الحيز السلطوي لفكر النوسطالجيا للحيز الحضاري، يجب أن ينطلق من الحيز المجتمعي السالف الذكر إلى الحيز الإنساني، وهنا تظهر قيمة "الفردانية الإنسانية" كعنصر مفكك للأيديولوجيا، هو انتقال للفكر من مجال التطبيق ضمن (الأنا والآخر) التي تحولت سلطويا إلى (النحن والهم)، إلى مستوى إنساني قيمي، وهو منشأ الحضارة ولنا في الفكر الإسلامي الكثير من شواهد تلك القيمة الفردانية في خلق الحضارة، ورسولنا الكريم الذي كان إنسانا فردا في مواجهة جمع كامل (الإنسانية قاطبة) وقس عليه جميع الرسل من قبله، وكذلك الكثير من أدبيات التعامل الإنساني في المخيال الجمعي الإسلامي حضاريا كقوله (ص):
(لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فشرطية الإيمان ومن ثم تراتبية الفرد – الأصل، ومن بعده الآخر، هي تراتبية لم تأت اعتباطيا في ظل عدم تحديد "الأخوة"، لتصبح أي أخوة إنسانية، فلا ثمرة – جمعية من غير بذرة فردية، أي أن "الإنسان هو الحل" وليست الأيديولوجيا.
فتلك النزعة الفردانية التي أسس لها الإسلام وإن كانت تخضع للفلسفة القرآنية التي تبتغي رضا الله في كل الخطوات الإنسانية الفردية إنما تجعل مع العلاقة الذاتية مع الله هي علاقة فردية قبل كل شيء، فيقول تعالى:
(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون)، وذلك مع الإشارة لإلغاء الدين الإسلامي للوسطاء بين الله وعباده، وبأن (كل نفس بما كسبت رهينة) (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. من يعمل مقدار ذرة شرا يره).
ويقول أرنولد توينبي عن دور النزعة الفردية في بناء الحضارات:
"إذ لكل انسان مواهبه الخاصة وشخصيته المميزة، والإبداع البشري هو دائما نتيجة لجهد فردي معين، وهذه القدرة الفردية الخلاقة هي رأس المال الوحيد الذي يملكه الأنسان، والمجتمعات التي أعطت الفرد الفرص الضرورية للقيام بعمل منتج هي المجتمعات الأكثر تقدما وتطورا، وعندما تقيد هذه الفرص بمطالب سياسية أوعائلية، فمعنى ذلك شلل القدرة الإبداعية للأفراد، والانسان الذي يمتلك مواهب شخصية ممتازة يستطيع استخدام هذه المواهب بطريقة أخلاقية خيرة كما يستطيع استخدامها للإضرار بمصالح الآخرين، وهذا يعني أن النزعة الفردية يمكن أن تؤدي إلى نتائج ضارة بالمجتمع إذا لم توضع تحت السيطرة الأخلاقية ]القيمة الإنسانية كما يطرحها الكاتب[ ويبدو أن الغرب قد أطلق العنان لهذه النزعة فكانت نتائجها سلبية على حساب الصالح العام وعلى صعيد العلاقات الإنسانية"، وهنا تظهر المسؤولية الأخلاقية كواجب إنساني وليست كاستحواذ ايديولوجي*9.
في النهاية يجب أن نشير إلى ضرورة التركيز على الواجب الإنساني، باعتباره أصل الإنسانية وليس الأيديولوجيا فيما يتعلق بالدراسات المتعلقة بالنصوص الدينية، والتي نقسمها إلى:
أولا: القراءة الإيمانية أو اللاهوتية، وهي قراءة ذات أدوات أرثوذكسية هيراركية، تعطل العقل لصالح النقل، وتضيق حيز التأويل، لتبقي العقل الفردي حبيس الدوغمة المغلقة، لصالح تمظهر الجماعة سلطويا لا حضاريا، وتلك القراءة تستلزم نوعا علاجيا من الفكر التفكيك أو بالمصطلح الفوكوي "الحفر المعرفي"، من خلال مناهج كشف القيمة، وهذا سينتهي بنا إلى القراءة الثانية وهي قراءة يتحول فيها النص من المركزية الاهوتية إلى مركزية إنسوية، ضمن حيثيات النقد التاريخي والتحليل الألسني المتعلق باعادة إكتشاف المعنى والقيمة كمرجعية ديناميكية وهي قراءة تطبيقية تركز وتنطلق من مسؤولية الإنسان الحضارية.
العالم بستان سياجه الدولة - الدولة سلطان تحيا به السنة - السنة سياسية يسوسها الملك - الملك نظام يعضده الجند - الجند أعوان يكفلهم المال - المال رزق يجمعه الرعية - الرعية عبيد يكنفهم العدل - الهدل مألوف وبه قوام العالم
مخطوط 1936 المكتبة السليمانية اسطنبول الأطروحات السياسية ومبادئها المنسوبة إلى أرسطو كما صاغها ابن خلدون
مخطوط 1936 المكتبة السليمانية اسطنبول الأطروحات السياسية ومبادئها المنسوبة إلى أرسطو كما صاغها ابن خلدون
___________________________________________________
رابط المقال على صفحات عرب ال48:
http://www.arabs48.com/?mod=articles&ID=80672
الهوامش:
1. الآخر هنا هو متسع بقدر ما من الممكن أن يحتويه الآخر: العالم الإنسان الكون والله والمحيط.
2. بما معناه.
وهنا تظهر لنا مدى الجهل المؤدي في النهاية إلى التطابق مع قراءات المستشرقين للإسلام، باعتباره أيديولوجيا، ففي النهاية كلها أيديولوجيات، في حين أن الدين أسمى وأعلى من عقول البعض وقراءاتهم السلطوية.
3. وهنا تظهر القراءة الانتقائية والأيديولوجية الجاهلة للتاريخ وكأنه علم سردي لا ينتج معرفة ولاهو علم علاقات.
4. التكفير عقلية ميكافيلية:
إن أيدولوجيا التكفير وبالرغم من استنادها إلى إرث تاريخي عقدي، تستمد منه طاقته الدافعة، إلا أنها لا تستطيع البتة إنكار حقيقة داعرة الوضوح بالشبقية السلطوية الباحثة عن شرعية "الرمز"، ذلك الرمز الذي جعل الحياة الرمزية إنما هي تعويض عن الحياة الاجتماعية لا ترجمة لها أو تعبيراً عنها، فشرعية "الرمز" المدعاة، والشبقية السلطوية لاستلابها تفترض خرساً في الرمز يستلزم وكيلاً عنه، يتحدث باسمه، وباسمه يتصرف وعنه ينوب.
في الأسس التكفيرية:
تنبني عقلية المُكفِر على عنصرين أساسيين يعطيان بنيته التكفيرية حيزها وماهيتها الثابتة وهما:
1. عنصر سياسي: يرتبط بجمل المصالح الاجتماعية التي تمثلها فكرة التكفير وتمنحها الشرعية والسلطة.
2. عنصر معرفي: يتعلق بالبديهيات غير المفحوصة التي تشتغل في وعي المكفر والتي غالباً ما يلجأ حيالها لسلاح التكفير وهو السلاح الأكثر عدمية أخلاقية.
5. بحسب تعبير المفكر عبدالله الغذامي في كتابه: "القبيلة والقبائلية أو هويات ما بعد الحداثة" – المركز الثقافي العربي – بيروت والمغرب - 2009.
6. وذلك بفضل عوامل كثير، منها: تقديس التاريخ الأيديولوجي، داء الاصطفاء، الغرق في قدسية السلطة متى كانت توكيدا لعلاقة بين "أصحاب نعيم" و"أصحاب جحيم"، على حساب موضوعية الفكر الإنساني وفصل القيمة عن السلطة.
7. من أمثلة ذلك: وصف المعتزلة بأنهم مجرد فريق ثوري خارج عن الملة، لم يقدموا شيئا للفكر الإسلامي، وكذلك التعامل اللغوي – الديني مع لفظ "فتح" فيصبح الفتح الإسلامي: من فتح الصندوق – اشتقاقا وإدخال النور على ذلك الصندوق المعتم، وما في ذلك من حكم قيمّي رأسي (عتمة ونور) على الآخر المفتوحة بلاده، والتاريخ العربي -الإسلامي أثبت عوار هذه النظرة المتعالية الأيديولوجية واختزاليتها الحضارية.
8. كالادعاء بأفضلية الإسلامي على المسلم، ويصبح المتبع منهج إسلامي سياسي هو أقرب لله من المسلم المؤمن لمجرد قبوله بتلك الأيديولوجيا معبرا دينيا عن صورة السلطة، ولا عزاء للحضارة إذا ما اختصرت في الكرسي والكرش.
9. يجب الإشارة هنا إلى الإرث المعتزلي متمثلا في حي بن يقظان مثالا لا حصرا.
Saturday, 2 April 2011
من أوراقي : "تلك"
هي امتداد للظل ، على حساب النور ،"تلك" البلاد ، ما أبشع أن يحيا المرء ضحية مرض إصطلاحي ، لايعي فيه الضوء من العتمة ، يرى الأول ولا يدركه ، وتبتلعه العتمة ، ولا يعترف.
بلاد ضيقة بامتداد ظلها ، تلك البلاد.
حينما تعرت أمامي تلك الفكرة ، شاخصة في ذهني ، عبّرت عن نفسها بكلماتها هي ، لا بكلماتي ، أليست كلمة "تلك" إعترافا بالتورط فيما وصفته الفكرة السابقة –بكلماتها- ؟
أغرق في عتمة الظل ، لا أدرك كنهه ، و أنفضه عني بادعاء كاذب ، مستخدما "تلك"، و كأنني أنا في الضياء و تقبع تلك البلاد في العتمة ، "تلك" العتمة ، و"ذلك" الظل ، ومزيجهما الكاذب حولي يفضحني ، ويفضح فقدا لغويا فيّ ، يزيدني في التورط اللغوي.
أوجه تحيا خائفة من سطوة ظل متشح بمادة أحيانا ، ودين أحيانا وبسلطة أحيانا أخرى.
أرواح تجهد نفسها في الكذب ، و إنتهاك الحقيقة ، تلوك السراب حقيقة ، وتجتره كذبا ، وتطرز له اللغة ، بلاد لا تحضر إلا بقدر الإشارة في ضمير ، يخلق الحاضر سرابا بعيدا بقدر الواقع .
بلاد هي اضيق من حدود الأنوثة ، و الحب ، و اللغة ، بلاد تتمدد ، على قدر إنكماش الحب فيها ، لتصَير اللغة فيها عجزا ، يتمدد ككائن رخو أسود لا معالم له ولا تعاريف ولا صوت ولا أبجديات ، يحيط بأهل "تلك" البلاد ، فيحيلهم "كائنات ظلّية خرساء" معطوبي اللغة ، و الأنوثة و الحب.
اللغة التي و إن نصت على أن التضّاد ، يوضح المعنى ، يظل المعنى الوحيد لها ، أن التضاد هو الواقع و الرمز ، دون أن يحيلنا ذلك لأي معنى غيره ، فتصبح اللغة حينها دورانا في اللامكان كطقس وثني ، دورانا يختزل الإنسانية إلى مجموع حروف صوتية لا تلتقي لتكون معنى ، بقدر ما تتضاد...للتضاد ، وليذهب المعنى إلى الجحيم .
بلاد "تلك" التي تقدم هوية ، سرطانية لا تتماهى مع ذاتها إلا بضدية الآخر ، لاتوضح إلا بقدر ما توهم ، أليست وليدة "تلك" العتمة و الظل ، فيتقدس حينها الظل ، وتنهار التعاريف.
***************
اي الذوّات تتلبسني ، في "تلك" البلاد؟
مهلا.....
اللعنة على "تلك" ، وعلى "البلاد" ،بل اللعنة على "أنّاي" التي لاتملك شجاعة مواجهتي – على الأقل- ، فتلقي على كل ماعداها "الظل و "اللغة" و "البلاد" و "الضمير" اللعنات .
اللعنة على عجز التعاريف و التخيل ، اللعنة على الرمز و الواقع ، اللعنة على المجاز و البيان معا ، المجاز الذي خلقته "تلك" ، و البيان الذي تعريه "البلاد" ...فكلاهما لن يحتويا "تلك" البلاد ، بامتدادها وضيقها.
*****************
أي البلاد "تلك" ، التي لا يملك أحد فيها شجاعة الاعتراف بالضوء إلا الشجر ؟
أي البلاد "تلك" التي ، تدفع أشجارها ثمن أمراض أهلها الإصطلاحية؟
أي البلاد "تلك" التي لاتملك حسما لعلاقة قديمة قدم الله ، بين الضوء و العتمة ، بين النور و الظل؟
أحسد الأشجار ، لشجاعة الإنتصاب دفاعا عني و عن غيري ، دفاعا عن حياتية الضوء ، في بلاد العتمة ، دفاعا عن معنى مهما إشتد التضّاد .
أحسد الأشجار أن إنتصبت دفاعا عن شجاعة "هذه" ، وجبن "تلك" في وصف البلاد.
أحسد الأشجار أن إنتصبت وقوفا ، في ظل ضيق الحب و الأنوثة و اللغة ، أن إنتصبت وقوفا في بلاد أضيق من "هذه" و "تلك" .
Wednesday, 19 January 2011
في نقد النوسطالجيا : (3) : في الفكر : (7) : التكفير عقلية ميكافيلية
في المجتمعات الحديثة، نجد "مواطن" و"مجتمع" و"دولة"، اما في عالمنا العربي، فهناك "مواطن" و"كيانات تقليدية" و"دولة"، إلا أن كل ركن من هؤلاء الأركان الثلاثة يتميز بما يخالف ما يؤسس له المصطلح، فلا المواطنة مواطنة، ولا الدولة دولة، ولا الكيانات التقليدية تقليدية.
يمكن القول إن "الكيانات التقليدية" كالعشيرة والطائفة والجماعة الدينية والقبيلة...إلخ، تقف حائلا بين المواطن و الدولة، إلى أن طغت على الدولة في العصر الحديث، وتلك الدولة دولة ريعية مترهلة ومركزية التي جعلت من مواطنة "مساكنة".
لذا وإن كانت الدولة في أمس الحاجة لإعادة هيكلة للبنية الداخلية لها، وتأسيس للقيم الإحتوائية لها –وليس تلك الإستحواذية –، فذلك لا ينفي -أيضا- الحاجة إلى تفكيك تلك "الكيانات التقليدية " وتحرير كتلها الحرجة، بتحليل للقوى فيها، وذلك للإرتقاء بالمنظومة ككل، إلى الحيز الحضاري خروجا من الدائرة السلطوية التي تشكل سقفا لتلك الكيانات التقليدية بكل ما يعتمل في أحشائها من مرجعيات مقدسة السلطة شبقية العنف.
لدى تشريح بنية كل تجمع بشري، يمكننا رصد وبوضوح ثلاثة تكوينات أساسية*1:
- المؤسسات التقليدية.
- منظمات المجتمع المدني.
- الدولة.
ويشكل التفاعل فيما بين تلك التكوينات الثلاثة، ما يمكن تسميته (رأس المال الإجتماعي)، والذي ينعكس في التضامن والتكامل والإحترام المتبادل في العلاقات السائدة بين الأفراد المكونين لذلك التجمع البشري، على مستوى أفقي، تجمعهم الدولة ككيان ذي مستوى رأسي، لنقطة البداية فيه زاوية لها ظل. وقبل الخوض في تفاصيل (رأس المال الإجتماعي) وتصنيفه، تجب الإشارة للنقاط الثلاث السابقة بالتعريف:
أولا: المؤسسات التقليدية
وهي التكوينات الاجتماعية التي تكون العضوية فيها "غير تطوعية"، أو بمعنى أكثر دقة "إجبارية"، وتتغير تبعا للعديد من التفاصيل الجغرافية والتاريخية والإثنية والدينية والأيديولوجية وغيرها، ومن أمثلتها: عضوية العشيرة والقبيلة والجماعة الدينية والمنطقة...إلخ، وتنبني هذه التكوينات على أساس ما يسمى "النزعة الاستبعادية"، حيث تضم تلك التكوينات هؤلاء الذين تنطبق عليهم الشروط و/أو الشرط للعضوية، وتنغلق أمام غيرهم.
ثانيا: منظمات المجتمع المدني
وهي المنظمات غير الحكومية (وغير الإرثية بالتعبير القانوني)، والتي تملأ الفراغ بين المؤسسة التقليدية والأسرة، وتعمل على تحقيق أهداف أعضائها بطرق سلمية: كالأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات غير الحكومية والأندية وغيرها، وإن كان لتلك المنظمات شروط إنضمام، إلا أنها شروط ليست استبعادية، لا على أساس الجغرافيا ولا اللون ولا العرق ولا الدين، إنما تقوم على أساس مشترك، كأعضاء حزب سياسي معين أو جمعيات موسيقية أو جمعيات حقوقية أو غيرها.
ثالثا: الدولة
وهي الكيان السيادي التعاقدي الأكبر المحتكر للسلطة وممارستها في إقليم جغرافي معين ضمن بروتوكولات سياسية شرطية ذات قنوات تنفيذ وتقنين منفصلة. وعضوية الدولة ليست استبعادية إنما استيعابية (وفي تعبير آخر احتوائية) فيما يعرف برباط المواطنة.
وانطلاقا من تلك الكيانات الثلاثة، قدم "ويليام وولكوك" الباحث السياسي في جامعة هارفارد نموذجا لقياس "رأس المال الاجتماعي" قائما على التفاعل بين تلك الكيانات الثلاثة في مصفوفة رياضية يتجسد فيها "رأس المال الإجتماعي" بنوعيه "العابر" و"الجامع"، وهي أطروحة قدمت من قبل عن طريق عالم الاجتماع الأمريكي الشهير روبرت بوتنام*2:
أولا: رأس المال الإجتماعي - الجامع:
ويأخذ تسميته من كلمة bonding الإنجليزية، والتي تعني اللحمة والتماسك والإندماج في مواجهة "الآخر" المختلف الـ"مستبعد"، ويقصد بهذا النوع من رأس المال الأجتماعي – الجامع، تلك التنظيمات – سالفة الذكر – التي تضم هؤلاء المتقاطعين لا إراديا في عناصر ثابته كالعرق والدين والجنس وغيرهم، وتلك – التنظيمات - تعمل بوصفها "شبكة أمان" اجتماعي، وفي بعض الأحيان، تؤدي عمليات "التكثيف" لرأس المال الإجتماعي الجامع إلى تعطيل عمليات التلاقي والحوار المجتمعي، وهو ما رصدته إحدى الباحثات في محاولات بعض المؤسسات الدينية التي تضم أعضاء أنجلو ساكسون إلى إغلاق الباب أمام انضمام أعضاء جدد ينتمون إلى المجتمع الديني نفسه (المرجعية ذاتها) ولكنهم من جذور أفريقية *3، وتلك الحالة ليست ببعيده عن واقعنا العربي.
ثانيا: رأس المال الإجتماعي – العابر:
ويستمد مسماه من الكلمة الإنجليزية Bridging وتعني الاتصال أو التجسير- من الجسر، أو التلاقي بين أفراد وجماعات من ثقافات مختلفة ومغايرة (وهي ضفاف الجسر المفصولة)، وتلك الكيانات مفتوحة العضوية، تحترم تعدد المشارب والمنابت و الثقافات، وتنطلق من أرضية "المشترط" بلا "استبعاد".
وانطلاقا من التصنيفين السابقين لرأس المال الاجتماعي، فإن التصور الأمثل لوضعية ذلك المجتمع، يتجسد في ارتفاع منسوب كلا النوعين مما يضمن:
1.تماسك الوحدات البنيوية المكونة للمجتمع.
2.الانفتاح بين تلك الوحدات البنائية لكل مجتمع، على أرضية واحدة.
أما ولأن ذلك الوضع هو وضع مأمول، توجب علينا النزول لأرض الواقع، لتتعرى أمامنا الاحتمالات المتعددة للعلاقة بين رأس المال الاجتماعي بنوعيه، ومن تلك الاحتمالات وهو ما يهمنا بالأخص هاهنا:
حالة ارتفاع منسوب رأس المال الاجتماعي – الجامع، و انخفاض رأس المال الاجتماعي – العابر:
حيث تظهر المجتمعات المنغلقة على أعضائها، وتقل الفرص الاجتماعية للتلاقي والتحاور، وفي المقابل يمثل كل حدث اجتماعي وسياسي على الساحة مشهدا من مشاهد الصدام والشماتة والتشفي المجتمعي في ذات الجسد المجتمعي بين الكيانات المختلفة، التي أغدقت على نفسها الكثير من مخيالات التمركز الذاتي، المتمثل في الكيان ككيان أوحد لهوية الدولة.*4
ولكن ما العلاقة بين كل ما سبق، والتكفير كظاهرة في الوعي – المدعى- إسلاميا؟
تاريخنا العربي والإسلامي في عصره الوسيط والمعاصر لا يخفي رابطا قويا بين ظاهرتين:
1.تدهور الدولة المركزية إما بضعف أصاب سلطانها أو مصاب أصاب مركزية حاكم أو/ و شخص مؤسس.
2.ظهور حركات العنف المقدس - التكفير.
ويتضح ذلك الرابط الديني - قناعا والسياسي – جذرا جليا في "حروب الردة" كمثال –مهما اختلفت تأويلاتها- لأول بيان رسمي يعلن ميلاد أيديولوجيا التكفير. وامتدت سرطانات تلك الأيديولوجيا المقدسة، لعثمان بن عفان من قبل معارضيه، وبعده علي بن ابي طالب أمام تيار "المستضعفين"، ممن ينتسبون إلى مرجعية صحابية "ثورية" مقدس مقابل مقدس *5، وأسرفت تلك العقلية في اجترار نفسها إلى أن أنتجت أول حيلة وأقدم حيلة ايديولوجية عدت اختصارا لكل تمظهراتها، وهي حيلة "رفع القرآن على رؤوس الرماح" في رمزية فاضحة تجمع النص الديني – الروحاني – المطلق، و الرماح – العنف – المادي - النسبي، حيث كان شعار الخوارج حينها "لا حكم إلا لله".
وهنا كانت الفواصل بين "الديني" و"السياسي" في أيديولوجيا التكفير ذائبة، بحثا في ظل غياب الدولة على عنصرين إثنين:
- السلطة
- الشرعية
وبالتقدم في سياق التجربة التاريخية، يتبدى لنا تهافت البنية المدعاة معرفية – فكرية – عقدية، لصالح الشبقية السياسية تجاه السلطة والشرعية، مثال ذلك تكفير أبو حامد الغزالي للفلاسفة في القضايا اللاهوتية الثلاثة (قدم العالم، والعلم الإلهي، والحشر والمعاد)، أو تكفير أهل السنة للمتصوفة كالحلاج و ابن عربي، بالتهمة المطاطة التي يسهل ويعاد تعليبها واجترارها: "الحلول" و"وحدة الوجود"، فما فعله الغزالي وابن تيمية و ابن القيم الجوزية في مواجهة "الباطنية" و "المبتدعة"، و الدعوة الصريحة لسفك دمائهم*6 والتي هي حرام حرمة "يومي هذا في...الحديث".
إن ذوبان الفيصل بين "الديني" و"السياسي" في تلك الأحداث يعريه السياق التاريخي لمسار السلطة السياسية، كمثال: الصراع السياسي بين السلطة السنية و المعارضة الشيعية المتنامية وقتها خاصة بعد انفراط عقد الخلافة ووحدة الدولة ومركزيتها، وتوزعها إلى أربع دول: أندلسية – عباسية في المشرق، فاطمية في مصر ومرابطون في المغرب.
كل ذلك، وبمعية مشاهد واقعنا العربي في المائتي سنة الأخيرة، ستتجدد فكرة التكفير وأسسها السلفية الحديثة التي تستفيد من عناصر إجتماعية وعالمية مختلفة، منها:
1.انفتاح فضاء الاتصالات، وسرعة انتقال المعرفة والمعلومة –بعيدا عن صدقيتها وموثوقيتها- في ظل أمية تعليمية ومن ثم ثقافية عميقة.
2.وضع حضاري وسياسي ومدني وحقوقي مزر، يؤسس للتجلي الأبرز لعبارة ماركس الشهيرة*7 وبالذات في شقها الثاني الأقل شهرة، "الدين أفيون الشعوب، ومتنفس المقهورين".
إلا أننا هنا يجب أن نتوقف لنوضح أن الفكر الإسلامي المعاصر يرث عن سابقه الوسيط ذلك التوتر الإشكالي الحاد بين الحقل الدلالي لمفهوم "الاجتهاد"، و الحقل الدلالي لمفهوم " البدعة"، إلا أن الفكر الإسلامي الوسيط وعلى الرغم من كل ما أبداه من إصرار شديد على التأقلم مع متغيرات الواقع وحوادثه، بما يضمن للمقدس (الديني) مرجعيته، لم يكن ليجد نفسه في حالة من الجهد والإرهاق الفكري الحاد الذي يضغط على استعداده أو يهز إطمئنانه واستقراره النفسي، وذلك لأنه كان يتعاطى مع نوازل طبيعية تقع ضمن دائرة (الممكن) الإسلامي، أي في مدار حيز فكري واجتماعي وفلسفي لم يكن عصيا على المقاربة الديناميكية الإسلامية، من ذلك أن الفكر الإسلامي لم يجد صعوبة تذكر (فيما خلا حالة الغزالي وأشباهه) في الانتهال من التراث اليوناني وهضمه وتكييفه مع الثوابت العقدية، ولم يرفضه رفضا جهويا –بادعاء "بناء المفاهيم" – لمجرد إثبات الحضور على الساحة على وزن أنا أرفض إذن أنا موجود، لذا كان في وسع الفكر الإسلامي الوسيط أن يمارس الاجتهاد بوصفه طقسا فكريا طبيعيا، وألا يلق بالا لمن يجحده السلطة أو الشرعية.
ولكن الحال يختلف لدى الفكر الإسلامي المعاصر، الذي باتت عقليته السجالية في مظهرها التكفيري أهم معلم دال على عقلية تطورت من "أنا أرفض إذن أنا موجود" إلى "أنا أكفِر إذن أنا موجود"، فالنوازل التي تقع على رأسه ليست وليدة مجتمعه أو "تقارب حضاري" مقدور عليه، إنما هي حقائق مفروضة عليه من مجتمعات وحضارات أخرى ألحقت به الهزيمة وأضعفت مركزيته ومرجعيته وأدخلت مجتمعاته في دائرة حضارية وفكرية واجتماعية وقيمية جديدة عليه، لذا يتوجب عليه التعاطي مع الممتنع عله يصبح ممكنا. ومن هنا بات "الاجتهاد" مقاومة للعقل السجالي، المستند على مقولات فكرية مسقوفة بتعطيل الزمان والمكان بما يكفل تعطيل التأويل والتفكيك والتركيب لصالح ثبوتية النص هم أصحابها الأول مأسسة حالة الخدر والكسل العقلي والنقدي، لذا باتت تلك المقاومة أصعب من ذي قبل لعديد العوامل:
1.جدب ذلك العقل السجالي وتعاميه عن واقع ديناميكية وتطور العقل الإنساني، في حالة ولا أفضل لتمثيل عقلية قوم نوح الذين أغمضوا أعينهم متى رأوا سيدنا نوح يبني سفينته، مقنعين أنفسهم أنه غير موجود... بمنتهى الغباء.
2. الاجتهاد بالنسبة للتكفريين إنما هو خروج ومروق عن الملة وليس محاولة تقريب.
3. إن رجال "الاجتهاد" لم يكتفوا في اجتهادهم – أصابوا أو أخطأوا – بمعارفهم الإسلامية فقط، بل أدخلوا إلى منظومتهم الفكرية الإسلامية معطيات نظرية ومعرفية جديدة مستقاة من "الآخر".
4. فكر التحديث*8 إنما هو بث حياة في العقل كفعل إنساني أصيل، وهو ما يستفز التيار المتحجر ( النوحي – نسبة إلى قوم نوح) المحافظ (والمحافظ لفظ قاصر عن إجمال الوصف).
إن أيدولوجيا التكفير وبالرغم من استنادها إلى إرث تاريخي عقدي، تستمد منه طاقته الدافعة، إلا أنها لا تستطيع البتة إنكار حقيقة داعرة الوضوح بالشبقية السلطوية الباحثة عن شرعية "الرمز"، ذلك الرمز الذي جعل الحياة الرمزية إنما هي تعويض عن الحياة الاجتماعية لا ترجمة لها أو تعبيراً عنها، فشرعية "الرمز" المدعاة، والشبقية السلطوية لاستلابها تفترض خرساً في الرمز يستلزم وكيلاً عنه، يتحدث باسمه وباسمه يتصرف وعنه ينوب.
في الأسس التكفيرية:
تنبني عقلية المُكفِر على عنصرين أساسيين يعطيان بنيته التكفيرية حيزها وماهيتها الثابتة وهما:
1. عنصر سياسي: يرتبط بجمل المصالح الاجتماعية التي تمثلها فكرة التكفير وتمنحها الشرعية والسلطة.
2. عنصر معرفي: يتعلق بالبديهيات غير المفحوصة التي تشتغل في وعي المكفر والتي غالباً ما يلجأ حيالها لسلاح التكفير وهو السلاح الأكثر عدمية أخلاقية.
وبقراءة متمعنة لتاريخ عقلية التكفير يمكننا القطع بأن إخراج المكفَر ( من وقع عليه فعل التكفير ) من دائرة الأمة (الروحية ) – جماعة المؤمنين، ليس إلا ترتيباً دينياً رأسياً يقصد به في الأساس – بجانب الاستحواذ القيمي – إخراجه من نظام الحقوق والامتيازات المادية والمعنوية. لذا فالتكفير كفعل أيدولوجي لا دين له إلا المصلحة البحتة، ورفع رأس المال الاجتماعي – الجامع الذي يؤدي لتفكيك البنية المجتمعية لصالح الجماعة أو الطائفة. أي أن التكفير وإن لبس لبوساً دينياً فلا يجب أن يصرفنا عن الخلفية غير الدينية التي تؤسس لها عقلية "الغاية تبرر الوسيلة"، وانعكاسها بمنظار السسيولوجيا الثقافية التي تستلزمها مراقبة مجتمعاتنا العربية وتفضح ظواهرها المادية، وصراعات قواها الداخلية الدينية، وذلك سببه يعود لمقاربة أيدولوجية غير أمينة لـ " مركزية الدين في الهوية والثقافة".
لذا نجد أنفسنا في موقع الرفض لمقولة حنة أرندت *9 إن العنف تاريخياً لم يترك مسيرة خطية واضحة تسمح بضبط تطور تصوراته، فبعد صدور عمل ميشيل فوكو عن المراقبة والعقاب، أضحى بالإمكان صوغ عملية تأريخ حاسمة لتكون الإمكانية "الحديثة" للعنف؛ حيث درس طبيعة التحول الذي أصاب عملية "السلطة" من مجيء الدولة الحديثة، بما أنها في الأساس دولة مراقبة، ما صيَّر طبيعة العنف مرتبطة بهذا الطابع الجديد للسلطة حيث أن العنف ارتقى من عنف صريح خارجي إلى آخر متخف داخلي في عملية مراقبة الأفراد *10، باعتبار الفرق بين العنف كمظهر مادي والسلطة كمظهر رمزي، واحتياج الأخيرة لذلك الأساس المشرعن، في تحويل واضح للأسس الدينية – نصياً التي تفصل بين العقيدة والغنيمة *11.
إن الإيمان بحيازة الحقيقة المطلقة هو المنبع النابض لأيدولوجيا التكفير، والذي يعطيها حيزها الوجودي اللازم لحمى زيادة رأس المال الاجتماعي – الجامع على حساب العابر، فقد تميزت الحضارة الإسلامية بإعطاء الحيز الأفقي اللازم لرأس المال الاجتماعي بنوعيه وحضور الدين الإسلامي فيهما بما يتناسب مع تفاصيل الزمان والمكان الحضارية، جاعلة من عقلية " أنا أكِّفر إذاً أنا موجود" تمظهراً للسقوط الحضاري والسلطوي، وليس تماسكاً فكرياً وعقلياً، ومن شواهد التاريخ:
1. مقولة المعتزلة معبرين عن أنفسهم أنهم "أهل عدل"، مقدمين العدل بتعريفهم "توفير حق الغير، واستيفاء الحق منه" *12.
2. " الرشدية اللاتينية " نسبة لابن رشد والتي أسست بحسب وصف مارتن لوثر لفصل سلطة الكنيسة عن علاقة الإنسان وخالقه، معلناً مولد البروتستانتية.
فمن مقولات ابن رشد: "... ومن العدل أن يأتي الرجل من الحجج لخصومه بمثل ما يأتي به لنفسه، أعني أن يجهد نفسه في طلب الحجج لخصومه كما يجهد نفسه في طلب الحجج لمذهبه وأن يقبل لهم من الحجج النوع الذي يقبله لنفسه" *13.
الظل لا يكشف الحجم الفعلي للجسد المعرفي بقدر ما تعري ظلاميته قدر طفولته الفكرية
إن القارئ لأغلب ما يأتي به أصحاب " العنف المقدس – المؤدلج "، لا يخفى عليه جنوحهم للدفاع عن ممارستين شاذتين:
1. ممارسة السياسة في الدين: بإخضاع الإسلام إلى متطلبات السياسة والمصلحة والصراع.
2. ممارسة الدين في السياسة: من خلال بناء موقع قوي فيها باسم "المقدس".
ومن هاتين النقطتين تتولد الحاجة للعنف – التكفير بحثاً عن شرعية بتلك الممارسات، وسلطة ممارسة المظهر القيمي الذي لا يستوي بنيانه من دون حضور "المدنس" الذي يقابل "المقدس".
فإن كان " الفكر الإسلامي لا يعرف فكرة "رجال الدين" كما عرفها الغرب المسيحي. إنما يعرف "علماء الدين" المتخصصين في دراسته وفقهه، أما بعد ذلك فكل مسلم رجل لدينه " *14. فالعنف إنما هو حاجة لسلطة ترتفع بمنسوب "رأس المال الاجتماعي – الجامع"، لمستوى سلطة الدولة وشرعيتها، ولكن "أن تكون الدولة إسلامية فليس لأنها دولة دين هو الدين الإسلامي إنما دولة المسلمين، ولأنها دولة المسلمين فمصدر شرعية السلطة فيها هو للشعب والأمة" *15.
كما أن "ليس في الإسلام سلطة دينية، سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر، وهي سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم، كما خولها لأعلاهم يتناول بها من أدناهم. أصلٌ من أصول الإسلام – وما أجله من أصل – قلب السلطة الدينية والإتيان عليها من أساسها، هدم الإسلام بناء تلك السلطة، ومحا أثرها، حتى لم يبق لها عند الجمهور من أهله اسم ولا رسم، ولم يدع الإسلام لأحد، بعد الله ورسوله سلطان على عقيدة أحد، ولا سيطرة على إيمانه" *16.
إن ارتداد بعض من كانوا بحسب تصنيف ويليام وولكوك "قوارض اجتماعية" إلى بعض "أقطاب" العنف وهيراركيته المقدسة، إنما هو ليس لبنية معرفية حضارية يسجله التاريخ، إنما هو لتجييش مشاعر جمهور ساقط سلفاً تحت وطأة الانسحاق والخلل الاجتماعي وغياب الدولة،" لتخرج من ذلك كله حمماً حارقة تصيب الجماعة والأمة في بقايا وحدتها وتماسكها واستقرارها المدني " *17، لتعطيهم حجماً "كرشويا ً" لا يكشف شيئاً بقدر ما يغطي عنهم أين يقفون في هذا العالم؟.
كان المرحوم ناجي العلي أول من أرّخ لعقليات الكروش العربية باختلاف تقيحاتها الأيديولوجية
***************************************************************
الهوامش:
رابط المقال على صفحات عرب ال48:
*1: على ضوء دراسة بعنوان:"رأس المال الإجتماعي " للباحث الأمريكي ويليام وولكوك.
M.Woolcock, Social Capital and Economic Development: toward a theoretical Synthesis and policy framework, Theory and Society>
*2: وقد أعيد تقديم كلا البحثين في العدد ال29 من مجلة التسامح الفكرية الفصلية الإسلامية، الصادرة عن وزارة الأوقاف و الشؤون الدينية في سلطنة عمان.
*3: Margret Gelbert , Sociality and Personality , New Essay in Plural subject Theory.
وهنا تفرق غلبرت بين الالتزام الشخصي، والالتزام الذي يترتب عليه الشعور بالتضامن المشترك؛ في حالة الالتزام الشخصي يكون مصدر الالتزام الشخص ذاته، أما في حالة الالتزام المشترك فان مصدر الالتزام يكون خارجا عن إرادة الأفراد-الأعضاء جميعا، ويصبح هناك حق متبادل لكل عضو في المجموعة في الحصول على نصيب عادل من الدعم، في المعلومات التي تتدفق في أرجاء الكيان المؤسسي، ولايخفى العلاقة العضوية بين المعرفة والسلطة.
*4: لدى مراقبة تلك المشاهد – الأيديولوجية المركبة، على الساحة العربية، نلحظ غياب مؤسسات المجتمع المدني لحساب تكوينات الطائفة والعرق والدين، بعيدا عن الإشارة الأهم وهي غياب سلطة الدولة، الداعي لتلك التكوينات للمزايدة على منظومة الدولة وسلطتها، مستفيدة من خطأ الأنظمة عندما عملت على توظيف الدين – المذهب خطابيا بحثا عن شرعية مدعاة و مفقودة، لإستثارة سلطة أيديولوجية الأساس، وتلك عقلية "فرق تسد"، وهي التي أدت لإنتقال عدوى "الغاية تبرر الوسيلة" لتلك التكوينات الأيديولوجية، لتصدر خطابا يستحوذ دور الضحية واستعذاب فكرة الإضهاد ولو كذبا.
*5. بحسب تعبير د.محمد عابد الجابري – العقل السياسي العربي.
*6: راجع كتاب القسطاس المستقيم لأبي حامد الغزالي و الذي نادى فيه الوالي بقتل الباطنية لأنه بهم مس من الشيطان لا يزيله إلا السيف.
*7:The Marx – Engels Reader , Robert C.Tucker ,Norton
*8: وليست الحداثة.
*9: حنة أرندت: في العنف، ترجمة إبراهيم العريس، بيروت دار الساقي،1992
*10: Michele Foucault, Surveiller et Punir, Paris , Gallimard.
*11: حيث آيات " العقيدة " هي الآيات الأولى التي نزلت من القرآن الكريم تبشر الرسول (ص) بالرسالة وترد على طعون قريش وتعرض أسس العقيدة مؤكدة وحدانية الله لا شريك له، حيث ركز القرآن الكريم في هذه المرحلة على قضايا ثلاث: الوحي والتوحيد والآخرة بأسلوب بياني بليغ يعتمد التكرار والجمل القصار ونوعاً من السجع الخاص في الصور الفنية، ومشاهد حية تجعل منه أرفع درجات سحر البيان ( سيد قطب، التصوير الفني في القرآن الكريم )، والغنيمة هي الآيات التي انطلقت منها العقلية النبوية جاعلة من المختلف القيمي مصدر غنيمة كما جاء في وصف الطبري في كتابه الأمم والملوك وابن هشام في كتابه السيرة النبوية.
*12: قضايا في الفكر االمعاصر، د. محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية.
*13: المصدر السابق.
*14: حتمية الحل الإسلامي: الحلول المستورة وكيف جنت على أمتنا، د. يوسف القرضاوي.
*15: راجع راشد الغنّوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، مركز دراسات الوحدة العربية.
*16: محمد عبده: الاعمال الكاملة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.
*17: رفعت سيد أحمد: النبي المسلح – الرافضون، رياض الريس – بيروت.
Sunday, 21 November 2010
في نقد النوسطالجيا :(3) في الفكر :(6) : في اللغة شعرا
اللغة هي "أصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم " كما قال بن جني، وبحسب الجاحظ فوظيفة اللغة هي "البيان"، أو "الإنباء"، أو هي "الإخبار" كما ذهب المعتزلة، وبالأخص القاضي عبدالجبار الأسدأبادي.
لايختلف إثنان أن اللغة هي النتاج التعبيري عن العلاقة بين الذات و الذات من جهة والذات والموضوع من جهة أخرى، بوصف آخر هي العلاقة التعبيرية (إخبار/ تبليغ/ وصف/ بيان) عن الرابط بين الإنسان والإنسان، والإنسان والله، والإنسان والمحيط/ الكون.
إلا أن ما يجب علينا التشديد عليه هو أن اللغة وليدة الحاجة التعبيرية عن المجتمع الإنساني، لذا كانت درجة التماهي متقاربة حد التطابق بين الحاجة الإنسانية للمجتمع والحاجة الإجتماعية للغة – إنسانيا.
المعرفة و اللغة :
"إن الفرق بين الإنسان والبهيمة، والإنسان والسبع والحشرة، والذي صَير الإنسان إلى إستحقاق قوله عز وجل : "وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه"، ليس هو الصورة، وأنه خلق من نطفة وأن أباه خلق من تراب، ولا أنه يمشي على رجليه، ويتناول حوائجه بيديه، لأن هذه الخصال كلها مجموعة في البله والمجانين، والأطفال والمنقوصين. والفرق إنما هو في الإستطاعة والتمكين، وفي وجود الإستطاعة وجود العقل والمعرفة. وليس يوجب وجودهما وجود الإستطاعة" (الجاحظ: الحيوان).
لذا كانت الإستطاعة والتمكين شرطا للمعرفة الحيوييّن، ومن هنا وجدت شرطية الإستطاعة / التمكين للغة بالتوازي باعتبارها أداة تعبيرية عن تلك المعرفة، بمنطقها الفردي / الذاتي، وبمنطقها الجمعي. "فحاجة الغائب موصولة بحاجة الشاهد، لإحتياج الأدنى لمعرفة الأقصى، وإحتياج الأقصى لمعرفة الأدنى....وجعل حاجتنا إلى معرفة أخبار من كان قبلنا، كحاجة من كان قبلنا إلى أخبار من كان قبلهم، وحاجة من يكون بعدنا إلى أخبارنا " ويكمل الجاحظ مفصلا أنواع البيان قائلا: "ولذلك فإن الله لم يرض للبشر من البيان بصنف واحد وجعل آلة البيان التي يتعارفون معانيهم، والترجمان الذي إليه يرجعون عند إختلافهم في أربعة أشياء.. اللفظ والخط والإشارة والعقد" (الجاحظ : الحيوان).
لذا فالمعرفة الإنسانية وأساسها العقل الإنساني وبذرته الفردانية (العقل : لفظ بفردانيته يميز الجمع كما المفرد والإنسانية : لفظ أصله مفرد دال على الجمع)، هو الوسيلة التي يتعرف بها الإنسان على ذاته الإنسانية، والله والمحيط، أما اللغة، فهي الكينونة التي يتمظهر بها الله والذات والكون / المحيط للإنسان، وبالتالي فالإستطاعة/ التمكين كما هي شرط للمعرفة هي شرط لللغة تعبيرا، ومن هنا فاللغة هي كما الإنسان وفردانيته : حالة من "التخلق" الدائم، الذي لا يعرف الثبات ولا السكينة إلا بالموت، "تعبيرا" عن الحركية المعرفية الدائمة والأبدية التي لا تعرف حدا، بجانبيها الحسي ماديا والميتافيزيقي روحانيا.
أبو الحروف : شخصية كرتونية قديمة مهمتها حماية اللغة
وبعيدا عن الخوض في تراتبية حركة العقل بين:
التصاعد:من جزيئات العالم المدرك حسيا / ماديا وصولا إلى مدركات الكليات العقلية والمفاهيم المجردة والقيم المطلقة، وما نتج عنه من أسبقية العقل على الشرع، وشرطية القناعة العقلية لفهم الشرع، أو
التنازل: من القيم والمفاهيم المجردة والكليات العقلية إلى جزيئات المادة المحسوسة ماديا، مع الإبقاء على عجز العقل على التفكر في شيئيات بذواتها بعديد الحجج -المطاطة- الرأسية.
يمكننا القول بأن اللغة في الحالتين تمثل إنعكاسا للمعرفة الإنسانية، تستلزم تحررا من الأنساق الأيديولوجية والثيولوجية المعطِّلة (بالإستعاضة عن الخجل اللغوي القائل بالتمكين والإستطاعة فيمكننا القول الحاجة للتحرر من الأسقف الفكرية والقيود أيا كانت لضمان تمام التمكين والإستطاعة)، باعتبارها – اللغة- علما دلاليا قائما على الملاحظة والتسجيل والشك والتجربة. وهنا يحدثنا الحارث بن أسد المحاسبي، الذي يعده الأشاعرة أساس مدرستهم أن الدلالات نوعان :
"عين ظاهر، وخبر قاهر. والعقل مضمن بالدليل، والدليل مضمن بالعقل، والعقل هو المستدل، والعيان والخبر هما عله الإستدلال وأصله، ومحال كون الفرع مع عدم الأصل، وكون الإستدلال مع عدم دليل. فالعيان شاهد على الغيب، والخبر يدل على الصدق ". ومن هنا يتبدى لنا الرابط العضوي بين اللغة كعلم دلالي و العقل كعملية معرفية يمنح القيمة الدلالية للعيان الظاهر أو الخبر القاهر القيمة وتستلزم تلك العملية وجود حرية للعقل واللغة معا، لا تتولد إلا بالتحرر من القيود المعرفية والأيديولوجية إرتقاءا من مستوى لآخر.
ويعري كل ذلك، تهافت تعطيل العقل لصالح النقل، ومدى انعكاس ذلك التعطيل والشلل على الفعل اللغوي باعتباره فعلا عقليا.
اللغة شعرا :
"ما كنت لأقول شعرا بعد أن علمني الله سورة البقرة و آل عمران" لبيد بن ربيعة*1
"ارووا من الشعر أعفه" عمر بن الخطّاب*2
لطالما كان الربط في النص القرآني باديا وبوضوح بين الشاعر والساحر والمجنون والكاهن، بل والشيطان، قال تعالى: "والشعراء يتبعهم الغاوون / ألم تر أنهم في كل واد يهيمون / وأنهم يقولون مالايفعلون"*3 "بل قالوا اضغاث أحلام بل افتراء بل هو شاعر" 4. وغذا كان علي بن أبي طالب قد قدّم الشعر بقوله : (الشعر ميزان القول) / وفي رواية ثانية "القوم"، فالشعر: "هو الكلام الموزون المقفى الذي قصد إلى وزنه وتقفيته قصدا أوليا " *5،ولا يعد القرآن ولا الحديث شعرا، ويميّز التهانوي بين الشاعر و الحكيم بقوله:
فالأول "يكون المعنى منه تابعا للفظ، لأنه يقصد لفظا يصح به وزن الشعر وقافيته، فيحتاج إلى التخّيل لمعنى لمعنى يأتي به لأجل ذلك اللفظ... والشاعر قصد المعنى فيكون اللفظ منه تبعا للمعنى" بينما الحكيم "قد يقصد معنى فيوافقه وزن شعري، ولكن الحكيم بسبب ذلك الوزن، لا يصير شاعرا".
وبعيدا عن الإفراط في التقديم بما لا يخدم المتن، لايصعب على أحد أن يستقريء / ما للفردانية الإنسانية بمفرداتها التكوينية معرفيا ولغويا و أخلاقيا ودينيا وثقافيا وحياتيا وحتى أيديولوجيا، بالتراكم من عميق الأثر في اللغة التعبيرية شعرا، في التراكيب الأسلوبية، ولأن الفردانية لا تقتفي نمطا إلزاميا، كانت كذلك البنية الشعرية التعبيرية، فالفردانية أصل إنساني يمثله الإختلاف الإنساني الطبيعي، باختلاف الكينونة والهوية الفردية، جاعلة من التراكيب الخاصة بأي فعل لغوي شعرا، إنما هي إبتداع تعبيريا على الأقل وليس مضمونا فقط.
ولكن ولأن الشعر كان أحد أهم مجالات التميز في العقلية العربي لدى قريش إبان الدعوة الإسلامية، ولأن إعجاز النص الديني الأساس – الأصل هو في الأصل إعجاز لغوي بياني، برزت الحاجة للتعامل مع ديناميكية الفعل اللغوي الشعري بما يخدم الجماعة والوحدة العضوية، وبتذويب الخط الفاصل بين الأيديولوجيا والثيولوجيا، إختلف التعامل الديني مع الشعر، فهو ليس كما السحر و الكهانة و التنجيم، بالمطلق، إنما عومل الشعر انتقائيا وظيفيا.
وضع الشعر في خدمة الدين، فأصبح أداة، ليس منوطا بها أن تعكس تعبيرية العلاقة وذاتيتها مع الذات و المحيط، بقدر ما أريد لها أن تقوم بوظيفة أيديولوجية، بمعنى آخر، إذا فرضنا "إن من البيان لسحرا" *6، يسحر القلب و العقل، فليكن سحرا لخدمة الدين، أي غاية تبرر الوسيلة، وهو مبدأ أيديولوجي عتيق.
فكما كان يروى عن الرسول الكريم (ص) : "إنما الشعر كلام مؤلف فما وافق الحق منه فهو حسن، ومالم يوافق الحق منه، فلا خير فيه" وكذلك قوله (ص): "إنما الشعر كلام، فمن الكلام خبيث و طيب" *7، ومن ذلك أيضا ما روي أن كعب بن مالك بن أبي الأنصاري كان يقرأ شعرا للنبي فقال :
مجالدنا عن جذمنا كل مفخمة مدربة فيها الفوانس تلمع
فقال له الرسول (ص) : "لا تقل عن جذمنا، وقل عن ديننا" *8، وفي رواية أن النبي (ص) اذن لحسان بن ثابت أن يهجو كفار قريش، قائلا له :
"إذهب إلى أبي بكر، فليحدثك حديث القوم و أيامهم وأحسابهم، ثم أهجهم وجبريل معك" *9.
لذا لا تخفى أهمية الدلالة فيما يروى عن النبي (ص) من ذكره لإمرئ القيس: "هو قائد الشعراء في النار"*10، فالرسول نظر للشعر نظرته للكلام، فقبيحه قبيح، وحسنه حسن، وليس باعتباره أداة تعبيرية بيانية لها قراءاتها، إنما هو أداة أيديولوجية، متاحة في حرب الأفكار والأيديولوجيات، ولنا في ذلك أمثلة كابن خطل وابن حبابة، ومن قتل الشعراء دليل، أو حتى من هرب منهم كابن الزبعري وهبيرة بن أبي وهب وغيرهم.
ومن ذلك أيضا ماقاله الرسول الكريم لحسان بن ثابت: " والله لشعرك أشد عليهم من وقع السهام في غبش الظلام" *11، وما جاء أن النابغة الجعدي أنشد بين يدي رسول الله (ص) قصيدة يقول فيها :
علونا السماء عفة وتكرما وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرا
فغضب النبي (ص) و قال : "أين المظهر يا ابا ليلى؟"،فقال : "الجنة بك يا رسول الله". فقال له النبي: "أجل إن شاء الله".*12
كما كان الرسول الكريم (ص) يستحسن البعض من الشعر الجاهلي في المقابل، فقد روي أنه أنشد قول عنترة :
ولقد أبيت على الطوى و أظله حتى أنال به كريم المأكل
فقال :"ماوصف لي اعرابي قط فأحببت ان أراه، إلا عنتره" *13، كما يروى أنه أنشد قول أمية بن أبي الصلت :
الحمد لله ممسانا ومصبحنا بالخير صبحنا ربي ومسانا
فقال : "إن كان أمية ليسلم"*14، وهو مبدأ ما حاد عنه أي من الخلفاء الراشدين، فمثلا حينما سمع أبو بكر قول زهير في هرم بن سنان :
والستر دون الفاحشات و مايلقاك دون الخير من ستر
قال : "هكذا كان و الله رسول الله (ص)"، وقوله أيضا : "أشعر شعرائكم زهير"*15،، فالمضمون الأخلاقي في بيت زهير هو أساس الحكم بصيغة التفضيل: "أشعر" الشعراء، وإذا أشرنا إلى أن ابو بكر كان عالما بالشعر و الأخبار، إزداد إدراكنا لأهمية الحكم أيديولوجيا.
نخلص في النهاية للتالي:
1. أقر الإسلام الشعر شريطة أن يكون أداة لخدمة الدين، فلا تقوم الأداة لذاتها، إنما لوظيفتها كجزء من الخطاب الأيديولوجي، أي كوسيلة (تقارب السحر والكهانة والتنجيم سوءا) لغاية أسمى، بتذويب الخط الفاصل بين الثيولوجيا بقيمها الروحية، والأيديولوجيا بقدراتها ومجالاتها المادية، فصار الكاتب يحرك "سحر البيان" لنصرة فكرة ما أو صراعها، في تطور مؤدلج لفكرة المدح و الهجاء.
2. اختصار القيمة الجمالية للشعر في قيمة المضمون وليس في الوسيلة التعبيرية (الفعل اللغوي)، مما يجعل الجمال كقيمة متجاوزة للنص وتراكيبه وبيانه إلى الدين، جاعلا من اللغة/ الشعر/ التعبير/ البيان وسيطا.
3. المضمون الذي أقرّه الإسلام ودعا للتعبير عنه ثابت بثبوت النص الديني، وقد أوحي وبلِغ سلفا، وهو حقيقة كاملة، ثابتة و نهائية، تتضمن ما كان وما سيكون على وزن "يجب ما كان قبله"، لذا (فالنقل) هو سقف العملية التعبيرية لغويا فلا قيمة لها.
4. بثبوت المضمون – بالنص الثابت -، و اعتبارية اللغة / شعرا واسطة، خبت أهمية القياس الجمالي، أو قلت اهميتها وسكنت في قيمة المضمون خارجها، وجعلت مركزية اللغة جماليا ليست في تطوراتها السابقة واللاحقة بل في مركزية القيمة الدينية الثابتة و المستحوذة.
هل يمكن لنص أن يستنفد الوجود، فيحيط به إحاطة كلية، ويقوله كما هو في ماهيته وتماميته ومابين ذلك، بحيث يتحقق العلم الكلي، علم الوجود بما هو موجود؟
الإجابة دينيا عن هذا السؤال هي بالإيجاب القطعي و المستحوذ.حقيقة وتأويلا.
ولأن النص الديني معجز لغويا – وهو كذلك – في التراكيب و البنى و الخطاب و البيان، فما الحاجة الإنسانية لإبداع آخر أو مقاربة لغوية تعبيرية أخرى، بعيدا عن المنطق الرأسي للقياس بين الإثنين وما يؤسس له من تهم أيديولوجية معلبة.
تلك هي مشكلة الإستحواذ المطلق –غيبيا أو دنيويا – فهو طرح لحالة من الكمال والنهائية في التسمية والتعبير، وماعداها فهو باطل، وما قاربها كذلك، وبعيدا عن التخوّف الأيديولوجي بستار ثيولوجي، لأي مقاربة لغوية، بداع متهافت: التماهي، وهو قفز في حد ذاته على الإعجاز السماوي للنص الديني في البنية اللغوي والتراكيب، فإن اللغة شعرا هي أحد أهم صنوف الأدب التعبيري أو بحسب صموئيل فون بوندروف*16، الذي يتجاوز الطبيعة (المحيط) بالتثقيف، أو كما وصفه فولتيير "تكوين الروح" كمظهر مميز للشعوب ومعبر عنها وعن خصوصياتها الحضارية والمجتمعية، فهو وعيها البشري، الخلّاق بالحياة.
فإذا كان "العربي يحب لغته إلى درجة التقديس، وهو يعتبر السلطة التي لها عليه (تعبيرا) وليس فقط عن قوتها، بل عن قوته هو أيضا، ذلك لأن العربي هو الوحيد الذي يستطيع الإستجابة لهذه اللغة والإرتفاع إلى مستوى التعبير البياني الذي تتميز به " *17، فيجب أن نبقي في البال إيمانا:
بأن عبارة ارسطو الشهيرة "الإنسان حيوان ناطق" في صيغتها العربية، هي الأقرب لصيغتها اليونانية الأم، وعبقريتها الخاصة، والتي تقول بأن "الإنسان حيوان لوغوسي"، ولوغوس في اليونانية لا تعني عقلا فقط كما هو الحال في الترجمة الإنجليزية الفقيرة تعبيريا، بل كذلك "لغة وبيان وعقل *18، كما هي عملية النطق في العربية.
إن تحرير الفعل اللغوي / التعبيري / البياني / التركيبي من سطوة ثبوتية النص، واستحواذاته، إنما هو تحرير لأبجديات وتروس العقل العربي، وتحرير للذاكرة اللغوية وتجاوزا للعوائق المعرفية، من دون المزايدة على إعجاز النص الديني، ولا تجميد اللغة بفهم خاطئ "لحفظ الذكر" فذلك بحيوية اللغة وليس بثبوتية النص.
لنجد أنفسنا في النهاية خارج المساءلة الذاتية التي أسس لها محمود درويش قائلا: (هل لشعب يملك شعراء كبار أن يسيطر على شعب لا شعراء له؟؟ وهل لشعب أن يكون قويا بدون أن يكتب شعرا؟؟؟) وذلك تعقيبا على شعر هوميروس الشاعر الإغريقي الذي روى ملحمة طروادة من طرف الحصان.فلنبحث عن فنوننا ليضيء بنا تاريخنا ولكي لا نقف أمام الحكاية يوما غير مكتملين ننتظر شاعرنا الذي قتلناه.
رابط المقال على صفحات عرب ال48:
_____________________________________________________________
الهوامش:
1. يروى عن عمر بن الخطاب أنه قال للبيد مرة: "أنشد من شعرك"، فقرأ سورة البقرة، وقال ما قاله، فزاده عمر خمسمائة درهم وكا، ألفين: (موسوعة الشعر و الشعراء الجزء الأول ص 196).
2. المصدر السابق ص 197.
3. سورة الشعراء 221-227
4. سورة الأنبياء 5.
5. راجع مادة الشعر في موسوعة اصطلاحات العلوم الإسلامية (كشّاف اصطلاحات الفنون ص 744 -746) أما عن الآيات والأحاديث الموزونة فيعلّق عليها التهانوي: وهذا لا يسمى شعرا.
6. الموطأ للإمام مالك بن أنس، باب ما جاء في الغيلة والسحر ص 543، والسحر هاهنا – بحسب لسان العرب مادة "سحر" أي خدعه وسلب لبه وصرفه عن الأمر، وهو شبيه بالمرادفة مع ما ورد في لسان العرب تحت باب "كهن"و "جن".
7. محمد والفنون، لعبد المجيد وافي – مؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت 1972 ص 109-132
8. المحدث الفاصل، لابن خلاد الرامهرمزي (مخطوط بدار الكتب المصرية) ص 151، نقلا عن الثابت والمتحول لأدونيس، دار الساقي 2002 الطبعة الثامنة – الجزء الأول ص 350.
9. كتاب الأغاني – الأصفهاني - طبعة دار الكتب الجزء الرابع ص 318.
10. من كتاب الشعر والشعراء، ص67، وفي خبر آخر قوله: "ذاك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها، منسي في الآخرة، خامل فيها، يجيء يوم القيامة، معه لواء الشعراء إلى النار.
11. البيان و التبيين – الجزء الاول ص 268 نقلا عن " الثابت و المتحول " لأدونيس – هوامش الفصل الثاني من الجزء الأول ص 352.
12- المصدر نفسه.
13. كتاب الأغاني – طبعة دار الكتب الجزء الثامن ص 243
14. المصدر نفسه الجزء الرابع ص 129 – 130.
15.المحدث الفاصل ص 14.
16. إشكاليات العقل العربي – جورج طرابيشي دار الساقي - بيروت 1998 ص 72.
17. المعجم الإشتقاقي للغة اليونانية ص 625.
Tuesday, 16 November 2010
انقلاب حزب العمل : "معهم ولاّ علّينا"؟؟
لابد أن تستوقفنا الأحداث الأخيرة الجارية في أروقة "حزب العمل" الإسرائيلي، وذلك بالتوازي مع بعض الأحداث على الساحة الامريكية –بالذات بعد انتخابات الكونجرس الأمريكية-، وانعكاسات كل ذلك عالميا وعربيا – بالأخص. حيث يتعرض زعيم حزب "العمل" ووزير الأمن الإسرائيلي إيهود باراك، لشبه إنقلاب منظم داخليا، لن يمر باعتباره شأنا داخليا فحسب، إنما وبإعادة تعليب وتصدير لما اسماه نتنياهو "الجدية" في البحث عن السلام، يمكننا القول:
حزب العمل الذي يتزعمه إيهود باراك هو طرف في الحكومة الإئتلافية الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو، وللحزب 13 مقعدا في الكنيسيت، إلا أن تلك المشاركة لم تمنع تصنيف الحزب رابعا على الساحة الإسرائيلية، وهو ما يعد تدهورا غير مسبوق، بدأ منذ إنتكاسة الحزب في ال2001، التي بدأت بالإطاحة بباراك من سدة رئاسة الحكومة لصالح جنرال الحرب أرييل شارون، وتغيير ستة زعماء للحزب في ثمان سنوات، ومغادرة أهم رموزه : الرئيس السابق له شيمون بيريس، وحاييم رامون، وداليه إيتسيك، وهو ما صرح به الأمين العام السابق للحزب إيتان كابل قائلا: "إن حزب العمل قد ضلّ طريقه منذ سنوات، وباراك ليس إلا حفّار قبور".
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تقافمت تباعا الأمور، ليتحد زعيم نقابات العمال (هستدروت) في إسرائيل عوفر عيني، و الذي كان من أبرز الداعمين لترشح بارك لرئاسة الحكومة والحزب، مستغلا الضغط الميداني للإضراب الأخير للنقابات والذي كاد أن ينتهي بإسرائيل لحالة من "الشلل التام"، جنبا إلى جنب مع وزير الصناعة و التجارة بنيامين بن إليعازر (صديق الأمس)، في المناداة "بخلع" باراك من رئاسة الحزب ونزع الثقة عنه، وهو ما أعلنه الأخير في مؤتمر مع أنصاره، وهو المعروف بصلاته النافذة داخل الحزب.
ما يهمنا من كل تلك المستجدات، و التي من السابق لأوانه القطع أو الجزم بنهاية تلك الحروب الداخلية في الحزب، أو حتى تحديد المنتصر داخله، و إنعكاس ذلك على الحكومة الإئتلافية بدرجة أقل، هو علاقة كل ذلك بالمسألة الفلسطينية الإسرائيلية في جانب محادثات السلام منها، وهنا يجدر الإشارة إلى التالي:

* دور رئيس الحكومة الإسرائيلية:
حيث يعمل نتنياهو على توظيف شعبية باراك كوزير للأمن، باعتباره "سيد الأمن"، كما إعتبره العديد من الإسرائيليين في إستطلاعات الرأي، باعتباره أكثر العسكريين الإسرائيليين تتويجا بالأوسمة لكثرة العمليات العسكرية التي نفذها خارج حدود الدولة العبرية، والتي كان منها المشاركة المباشرة في عمليات تصفية لقيادات في المقاومة الفلسطينية، وإن كانت تلك الشعبية آخذة في الإنخفاض، بحسب آخر استطلاعات الرأي منذ ثلاثة أسابيع. ذلك التوظيف لما يمثله الحزب باعتباره "معسكر السلام"، إنما يعمل على تقديم الإئتلاف الحكومي الحالي برئاسة نتنياهو على أنه قبة جامعة لمختلف أطياف الشارع الإسرائيلي نحو هدف واحد وهو السلام، وذلك ما يمكن إستشفافه من عرض نتنياهو الأخير للإدارة الأمريكية : الجاسوس (دلمار) مقابل إيقاف الإستيطان.
* توظيف دور الشارع الإسرائيلي:
وبالذات المؤيد لإستمرار العملية السلمية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو معسكر الدعم لحزب "العمل"، والذي إصطف إلى جانب إليعازر وكابل وعيني، وهو ذات الفريق الذي – بحسب وصف الغارديان البريطانية – يمارس ضغوطا على الحزب بقيادة باراك " لتفضيله وزارة الأمن في حكومة يمينة متطرفة على حساب مصلحة الحزب والتي تقضي بأن يكون في صفوف المعارضة بصفته قائدا لمعسكر السلام ليقترح على الناخب الإسرائيلي بديلا لحكم اليمين".
ويجدر هاهنا القول، أن تلك الإنتقادات طالت ايضا وزراء "العمل" اسحق هرتسوغ وزير الرفاه و الخدمات الإجتماعية، و أفيشاي برافيرمان وزير شئون الأقليات – و المعارض لقانون قسم الولاء وتبعاته الأربعة عشر-، لبقائهما ضمن الإئتلاف الحكومي الحالي، حيث اشار كابل : "لا يمكن للحزب أن يرمم نفسه وهو داخل إئتلاف حكومي لا تأثير له فيه".

* دور رموز البيت الأبيض والولايات المتحدة الأمريكية والدولية:
وهو لا يختلف عن الدور الإسرائيلي في تصدير صوت الشارع المختزل لحساب مصلحة القيادة والسياسة العامة الإسرائيلية، إلا في الصياغة لا أكثر لا أقل، وذلك بالقفز فوق عديد الأسئلة الحيوية، التي تعري تفاصيل العملية السلمية منها للمثال لا الحصر: ما موقف أحزاب الإئتلاف الحكومي في إسرائيل من الحقوق/القضايا الرئيسية للشعب الفللسطيني؟ وما مرجعية المفاوضات للمفاوض الإسرائيلي و الفلسطيني كذلك؟
وقد كان أحد إنتاجات هذا الدور مقال للرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون في صحيفة النيويورك تايمز، بعنوان: "أكملوا عمل رابين"، ومدى إنعكاس ذلك التصدير، ومثاله الآخر: المساعي البريطانية لتعديل قانون ملاحقة مجرمي الحرب، والتي مرت مرور الكرام على ديبلوماسياتنا العربية، ومثاله المتوقع قريبا: خبر إنسحاب إسرائيل من النصف الشمالي المحتل من قرية الغجر المحتلة.
لذا سيظل في النهاية سؤال : إلى متى تظل العقلية العربية عموما والفلسطينية خصوصا في إطار (رد الفعل)، والذي وللأسف حتى ذلك الرد لذاك الفعل لا يعدو كونه تمنعا على إستحياء، ومنه لموافقة عمياء.
______________________________________________________________________________________________
رابط المقال على صفحات عرب ال48:
http://www.arabs48.com/?mod=articles&ID=75442
رابط المقال على صفحات المركز الفلسطيني للتوثيق و المعلومات:
http://www.malaf.info/?page=show_details&Id=7702&table=p_newsp&CatId=8
حزب العمل الذي يتزعمه إيهود باراك هو طرف في الحكومة الإئتلافية الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو، وللحزب 13 مقعدا في الكنيسيت، إلا أن تلك المشاركة لم تمنع تصنيف الحزب رابعا على الساحة الإسرائيلية، وهو ما يعد تدهورا غير مسبوق، بدأ منذ إنتكاسة الحزب في ال2001، التي بدأت بالإطاحة بباراك من سدة رئاسة الحكومة لصالح جنرال الحرب أرييل شارون، وتغيير ستة زعماء للحزب في ثمان سنوات، ومغادرة أهم رموزه : الرئيس السابق له شيمون بيريس، وحاييم رامون، وداليه إيتسيك، وهو ما صرح به الأمين العام السابق للحزب إيتان كابل قائلا: "إن حزب العمل قد ضلّ طريقه منذ سنوات، وباراك ليس إلا حفّار قبور".
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تقافمت تباعا الأمور، ليتحد زعيم نقابات العمال (هستدروت) في إسرائيل عوفر عيني، و الذي كان من أبرز الداعمين لترشح بارك لرئاسة الحكومة والحزب، مستغلا الضغط الميداني للإضراب الأخير للنقابات والذي كاد أن ينتهي بإسرائيل لحالة من "الشلل التام"، جنبا إلى جنب مع وزير الصناعة و التجارة بنيامين بن إليعازر (صديق الأمس)، في المناداة "بخلع" باراك من رئاسة الحزب ونزع الثقة عنه، وهو ما أعلنه الأخير في مؤتمر مع أنصاره، وهو المعروف بصلاته النافذة داخل الحزب.
ما يهمنا من كل تلك المستجدات، و التي من السابق لأوانه القطع أو الجزم بنهاية تلك الحروب الداخلية في الحزب، أو حتى تحديد المنتصر داخله، و إنعكاس ذلك على الحكومة الإئتلافية بدرجة أقل، هو علاقة كل ذلك بالمسألة الفلسطينية الإسرائيلية في جانب محادثات السلام منها، وهنا يجدر الإشارة إلى التالي:
إيهود باراك يمثّل بجثة الشهيدة دلال المغربي
* دور رئيس الحكومة الإسرائيلية:
حيث يعمل نتنياهو على توظيف شعبية باراك كوزير للأمن، باعتباره "سيد الأمن"، كما إعتبره العديد من الإسرائيليين في إستطلاعات الرأي، باعتباره أكثر العسكريين الإسرائيليين تتويجا بالأوسمة لكثرة العمليات العسكرية التي نفذها خارج حدود الدولة العبرية، والتي كان منها المشاركة المباشرة في عمليات تصفية لقيادات في المقاومة الفلسطينية، وإن كانت تلك الشعبية آخذة في الإنخفاض، بحسب آخر استطلاعات الرأي منذ ثلاثة أسابيع. ذلك التوظيف لما يمثله الحزب باعتباره "معسكر السلام"، إنما يعمل على تقديم الإئتلاف الحكومي الحالي برئاسة نتنياهو على أنه قبة جامعة لمختلف أطياف الشارع الإسرائيلي نحو هدف واحد وهو السلام، وذلك ما يمكن إستشفافه من عرض نتنياهو الأخير للإدارة الأمريكية : الجاسوس (دلمار) مقابل إيقاف الإستيطان.
* توظيف دور الشارع الإسرائيلي:
وبالذات المؤيد لإستمرار العملية السلمية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو معسكر الدعم لحزب "العمل"، والذي إصطف إلى جانب إليعازر وكابل وعيني، وهو ذات الفريق الذي – بحسب وصف الغارديان البريطانية – يمارس ضغوطا على الحزب بقيادة باراك " لتفضيله وزارة الأمن في حكومة يمينة متطرفة على حساب مصلحة الحزب والتي تقضي بأن يكون في صفوف المعارضة بصفته قائدا لمعسكر السلام ليقترح على الناخب الإسرائيلي بديلا لحكم اليمين".
ويجدر هاهنا القول، أن تلك الإنتقادات طالت ايضا وزراء "العمل" اسحق هرتسوغ وزير الرفاه و الخدمات الإجتماعية، و أفيشاي برافيرمان وزير شئون الأقليات – و المعارض لقانون قسم الولاء وتبعاته الأربعة عشر-، لبقائهما ضمن الإئتلاف الحكومي الحالي، حيث اشار كابل : "لا يمكن للحزب أن يرمم نفسه وهو داخل إئتلاف حكومي لا تأثير له فيه".
إيهود باراك يمثل بياسر عرفات أو العكس
* دور رموز البيت الأبيض والولايات المتحدة الأمريكية والدولية:
وهو لا يختلف عن الدور الإسرائيلي في تصدير صوت الشارع المختزل لحساب مصلحة القيادة والسياسة العامة الإسرائيلية، إلا في الصياغة لا أكثر لا أقل، وذلك بالقفز فوق عديد الأسئلة الحيوية، التي تعري تفاصيل العملية السلمية منها للمثال لا الحصر: ما موقف أحزاب الإئتلاف الحكومي في إسرائيل من الحقوق/القضايا الرئيسية للشعب الفللسطيني؟ وما مرجعية المفاوضات للمفاوض الإسرائيلي و الفلسطيني كذلك؟
وقد كان أحد إنتاجات هذا الدور مقال للرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون في صحيفة النيويورك تايمز، بعنوان: "أكملوا عمل رابين"، ومدى إنعكاس ذلك التصدير، ومثاله الآخر: المساعي البريطانية لتعديل قانون ملاحقة مجرمي الحرب، والتي مرت مرور الكرام على ديبلوماسياتنا العربية، ومثاله المتوقع قريبا: خبر إنسحاب إسرائيل من النصف الشمالي المحتل من قرية الغجر المحتلة.
لذا سيظل في النهاية سؤال : إلى متى تظل العقلية العربية عموما والفلسطينية خصوصا في إطار (رد الفعل)، والذي وللأسف حتى ذلك الرد لذاك الفعل لا يعدو كونه تمنعا على إستحياء، ومنه لموافقة عمياء.
______________________________________________________________________________________________
رابط المقال على صفحات عرب ال48:
http://www.arabs48.com/?mod=articles&ID=75442
رابط المقال على صفحات المركز الفلسطيني للتوثيق و المعلومات:
http://www.malaf.info/?page=show_details&Id=7702&table=p_newsp&CatId=8
Sunday, 24 October 2010
لا عدالة لأحياء يظلم -بضم الياء- شهداؤهم : في الحالة اللبنانية
ولأن إمبراطورية كروما لاتستطيع أن تحيا بلا أعداء ، فقد إلتزم بوليب ، هنتنغتون العصر الروماني ، البحث عن أعداء جدد لروما ، ولكن أين سيجد بوليب الأعداء؟ كل أعداء روما هزموا.
الهوامش:
1. رابط المقال على موقع الهيئة الوطنية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطينيك
http://www.palthawabet.org/ar/newsDetails.php?newsId=437&classId=15&page=1&Next=1
على روما إذن ، مهمة صياغة عالم جديد من خلال تعميم ثقافة روما وحضارتها وقيمها ، بهدف تهذيبه و إخضاعه ، وهنا إزدواج:
1.تهذيب العالم ، مهمة روما الحضارية .
2.احتلال العالم وتملكه ، مهمة روما السياسية"
نصري الصايغ
___________________________________________________
وقفات ذات مدلول :
- في السابع من ديسمبر /كانون أول عام 1987 ، طرج في إجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة ، مسودة القرار رقم 42/159 ، للتصويت ، و الذي يقدم تعريفا عالميا معتمدا "للإرهاب" ، وقد صوتت جميع الدول الحاضرة بالموافقة ماعدا دولتان إثنتان : الولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل، وقد ورد في إعتراض ممثلي الدولتين أن التعريف المطروح للإرهاب في صيغته الأممية لم يتناول "المقاومة" باعتبارها صورة من صور الإرهاب .
وليس خافيا أن كلا الكيانين الأمريكي و الإسرائيلي هما كيانات استيطانية ، لذا فمن المنطقي أن يجمعهما الرفض لحق المقاومة الشرعي.
- في أعقاب احداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، جمعت الإدارة الأمريكية العديد من أبواقها الإعلامية و الأكاديمية و السياسية للقيام بمهمة بوليب هذا الزمان ، و اتمام الشق الأول من واجب روما ، وكان من تلك الجوفة : برنارد لويس المؤرخ الذائع الصيت صاحب التزويرات التاريخية ، و التي قدم لها أول من قدم مجلة "الكومنتاري" الصهيونية ، وفؤاد عجمي صاحب الكتاب الشهير "المأزق العربي":
The Arab Predicament
والذي كان من أبرز المدافعين عن جرائم سجن أبو غريب، و الذي أصبح على رأس أكبر جامعة أمريكية في الشرق الأوسط في العراق عميدا لها ، و أخيرا وليس آخرا ، فريد زكريا الإعلامي الشهير ، رئيس تحرير النيوزويك ، ومحرر أحد أهم البرامج على شبكة السي إن إن الأمريكية صاحب كتاب "عالم ما بعد امريكا" :
The Post American World
وقد خرج علينا ذلك الأخير ، في تصريح له لقناة اليورو نيوز مطلع هذا العام ، بأن أحد أهم أولويات الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بالشرق الأوسط و المنطقة العربية –بغض النظر عن لونها- أن تخلق أرضية تجمع الدول العربية و الكيان الإسرائيلي على عديد الأصعدة كالتالي :
1.ضد الدور الإيراني و الحق الإيراني المشروع للقوة ، و الذي لا يعيبه ابدا أن تنتقده الدول العربية الغارقة في التبعية و الضعف.
2.اتهام المقاومة بالتقوي بالخارج و العمل على زعزعة الممثل الوطني للدولة المدنية وهي تهمة لها مظهران إثنان الأول في فلسطين : حماس و التي سرعان ماتتناسى العقلية العربية التابعة ، و العالم الغربي أن حماس بأبجديات الديموقراطية المستوردة حصريا وأيضا كما تقول صناديق الإقتراع هي صوت الديموقراطي و الذي لا تشفع له شفافيته في شيء مالم تأت بالتبعية للولايات المتحدة الأمريكية ، و المظهر الثاني في لبنان وهو ماتحاول الولايات المتحدة وممثلوها من أنظمة عربية تعليبه بأن المقاومة خروج عن السيادة و الوحدة الوطنية.
مما لا شك فيه أن هكذا خطاب ، لا يستند على المنطق الطوباوي للخطاب ، ونموذج نقله خطيا : (مرسل – رسالة – متلقي) ، وإنما واستنادا لنظرية الخطاب وعلم الدلالات ، فالخطاب يتم تشفيره و إعادة تفكيكه بين المرسل و المتلقي ، حيث يقرؤها الأخير خطابا "مفهوما" ضمن النسق المعرفي الخاص به ، و التي يعاد ترتيب تفاصيل ميدانه بما يتناسب مع أغراض المرسل و الذي هو عادة يحمل من عناصر القوة و السيطرة إعلاميا و سياسيا و فكريا الكثير ، موظفا لذلك الكثير مما نحمله من إدانات مسبقة وموروثة ، وبراءات مسبقة –أيضا- وفق اصطفافاتنا القبلية و الأيديولوجية ، وسطوة عوامل تتحدث باسم السماء و تعطل العقل و المقاربة الموضوعية.
لبنان الذي تقاسمت 18 طائفة – أو يزيد- الرمز و الأرض فيه ، وأثخنته حربا ، قسمت فيها بيروت التي لا تقبل القسمة إلا على المستحيل ، لبيروت غربية وشرقية.
فإذا كانت الحرب اللبنانية 75- 1990 يجري تصويرها "في الخطاب المهيمن و الكابت للذاكرة على شكل "حرب الآخرين" ، أو على نحو مخفف أكثر ، حربا "في سبيل الأخرين" ، وبهذه العملية يتكثف فقدان الذاكرة " ، فما أحوجنا الآن لقراءة متحررة لتلك الذاكرة المغتصبة ، و المعطوبة ، ليتسع أمامنا افق النظر ، محيطا لما يحاق لهذه المنطقة ، نظرة تعلو قليلا للتذكرة و للموضوعية فوق أفق السياج الحدودي للأرض اللبنانية المحررة في ال 2001 ، ولنكتشف اكتشافا غير جديد ، بأن لبنان دولة من دول التماس – بحسب تصنيف الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريس في كتابه الشرق الأوسط الجديد - ، التي يخشى تعميم فكرة إتحاد : الدولة – المقاومة (ليس بمنطقها الميداني إنما بأسسها الإجتماعية ومنظومتها الفكرية ) – التحرير فيها لما في ذلك من خطر على الكيان الإسرائيلي، الرافض للمقاومة كحق أصيل للشعوب في الدفاع عن أرضها وكرامتها و يعتبر ذلك صنفا من صنوف الإرهاب ، لذا كان من الطبيعي و إعتمادا على العناصر السابقة ، تصدير المقاومة لا إرهابا ، بل كأنها خروج على الشرعية الدولية ، والدولة المدنية ، رديفا للرفض الأمريكي و الإسرائيلي لحق المقاومة و إن كان تحت قناع كوسيلة تبررها الغاية ، لذا كانت الحاجة للإنتقال لتفاصيل الداخل اللبناني :
حيث إنطلقت تجربة المقاومة الإسلامية اللبنانية في إتجاه واحد ، ألا وهو الحدود اللبنانية ، فأصبحت تجربة متشبعة في لبنانيتها حتى التخوم ، وليس تجربة غارقة في طائفيتها حتى الداخل ، فالمقاومة لم تستعمل سلاحها في الحرب اللبنانية ، فيما إستجمعت القوى اللبنانية كل المحرمات : (الطائفية / الإستخبارات / الوصاية / الفساد / الطائفية) لثبت أقدامها .
يعلو هنا صوت يقول : التهمة التشيع !
حسنا ومتى كانت المقامات اللبنانية علمانية؟
أوليست المحاصصة الطائفية اللبنانية وبنيانها العشريناتي من هذا القرن مدسترا؟ بل ويؤسس للطائفية؟
في ذات الوقت ألم يكن التحرير خالصا في لبنانيته ، ولم يكن على وزن "بيروت شرقية وبيروت غربية" ن ألم يكن تحريرا لا لإقتسام السلطة في الداخل ثمنا لتمدد الداخل للخارج حتى الحدود؟
حتى التحرير لم يوظف كذريعة لأغلبية تمثيلية سياسيا ، يتوارثها الأبناء و الزوجات ، إن المقاومة بنسبها التمثيلية برلمانيا أقامت علاقات صحية بين نقيضين : الدولة ومؤسساتها ، و المقاومة ومستلزماتها.
يطلع علينا صوت آخر : هي ذراع إيرانية و/أو سورية!
حسنا ، فلنقر بما تقر به علوم السياسة الإنسانية ، أو علوم المصلحة البراغماتية – كما أفضل تسميتها- ، إن الفاصل بين مملكة افلاطون الطوباوية و الأرض ، هو أن طهرانيتها رذيلة في العلوم السياسية الميكافيلية ، وكذا المقاومة كأحد فصول العملية السياسية ، فالتحالفات لتحقيق الأهاف ليست عورة في السياسة ، فهي على الأقل قدمت تحريرا وورقة ضغط وعنصر موازنة شهد له العام 2006 ، التحرير كان بالغ اللبنانية ، فلم يحرر جولانا ولم ولن يمنع عقوبات.
إنتهت مهمة المقاومة ، حررت الأرض ، إستعادت الأسرى ، كسرت الأسطورة ، كل ذلك مقابل تولي الأسرة الدولية البت في مصير مزارع شبعا ، و التي يمتنع السوريون عن كامل لبننتها.
إن محاولات تخوين المقاومة ، ماهي إلا تجويف للإطار الوطني لها ، وبراغماتيه الحربية ، بالقفز فوق الإنتصار و التحرير و الزهد الداخل ، والتعامي عن تاريخ العقلية السياسية الطائفية في لبنان ، و التي برهنت تجاربها منذ عقود ألا مقدس لها ، فهي لا تحمي أحدا من أبنائها ، فكيف ستحافظ على وطن ، كيف يمكننا نسيان "السبت الأسود" و "المردة" و المسلخ و الكرنتينا وروجيه تمرز وإنتكاسة مشروع إعادة البناء و الإعمار ، وما فصله جورج قرم ، وهنري إده ، و الوعد المشهور: "سندهش العالم" ، وتساميه.
إن إسرائيل تدعي قداسة السلاح ، و إن كان ذلك كذلك ، فماذا عسانا أن نقول عن سلاح المقاومة و بالذات بعد 1992 مع إنتهاء الحرب اللبنانية ، و عام 2000 ، أمن المنطقي أن تصبح المقاومة "يوسف يا أبي".
أما عن الداخل اللبناني ، فبعيدا عن التساؤل المنطقي ، مامصلحة المقاومة في الإغتيال ، أي إغتيال ؟
فلدى مواجهة الفكر / الثقافة السياسية الداخلية الطائفية ، يطلب منها هي فقط تجنيب الطائفية ك"شذوذ" حيوي لديمومة القاعدة ، في بلد المأسسة الطائفية ، وحتى إن كان فالمقاومة هي نتاج البراغماتية السياسية ، و الوطنية الجامعة بكل تياراتها وطوائفها التي إتسعت لها حدود لبنان في أيار 2000.
وفعلا كما قال الحكيم (؟؟؟) سمير جعجع ، ولأول مرة : لاعدالة لأحياء يظلم –بضم الياء- شهداؤهم.
الهوامش:
1. رابط المقال على موقع الهيئة الوطنية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطينيك
http://www.palthawabet.org/ar/newsDetails.php?newsId=437&classId=15&page=1&Next=1
Subscribe to:
Posts (Atom)