Wednesday, 22 August 2012

"من أنا؟"

للمرة الأولى أراني لا أقع على غربتي أمام السؤال: من أنت؟ ، كما إعتدت الوقوع عالي الصدى و النبر في آخر حياتيّن مررت بهما....
لا أعلم لماذا تزداد الهاوية إرتفاعا في حضورك..
وتزداد السماء مجازاً نازفاً جديداً يتجسد في أبسط إدراكاتنا للحياة و اللون...هناك في العش العالي الوحيد.... وردة... نسمة... بسمة بين الزحام... إصبع... لحن سعيد شارد بين أحزاننا... خربشات قلم رصاص يصر على الوقوف بين ضمة وشدة في إسمك... سُكنى... نافذة.... قطعة شوكولاته....
إنزعيني عن كاحليك لأعيد للسماء إتساقها فوق أسماء تسعة و تسعون.. خلت منكِ بكِ....
ياإلهي ما أجمل مخملك مجازاً مجازاً.... حقيقة لا يتسع لها خيالنا ، وخيال لا يقل واقعية عن حقائقنا المبذورة فينا وحولنا..


Tuesday, 7 August 2012

في العلاقة مع الرصاصة (1)


ربما ذكرني أزيز الرصاصة النزق بمنفاي...
حين أطرقت، و أفضى بي إلى وطن طريد...
كل منفى صحوة ، فإكتملي
ياجهاتي بكمال نزق،
واكتمل يارعب، هل باركت أنقاضي برعبٍ ثمل؟
ربما. لا. ياحديدا
مترفا كاللهو لاه بالحديد
بارك الفلز الذي يصحو على فلز نشيدي.
ياحديدا مر بالبال فأصغى البرعم الصلد لتاريخي إليه
وتدانى ظلي اللاهي لكي يلقي عليه
حفنة الريح التي ألهمت الحي بلاغات الشهداء.
كأن من ثمري هذا : رنين صاعد في الجسد...أقدار...حمى حجر...لابأس، ماذا بعد يا حديد؟
وليمر الفضاء الحيران في ظلك المحترق...المهتريء..
وليخلع المرئي مهاميز عصيانه وعباءة دجاليه...
سيظل مفتوحا بابي ، سيظل الكلام مفتوحا لدخولكم ، بالأحذية ذاتها ، و اللهيب ذاته ، وبالسيوف التي تقاسمتم بها خلافة الموت...
سيظل الكل مفتوحا ، الكل الذي يمسح الرماد ، بريش من دمه ، عن الحرف وخوذة البارحة.


هكذا ، إذاً روض المشهد جسارتي،
وروض الحرف المدى ، سفحكم الحديدي المكتوم..
فليمت لأجلكم من تريدون أن يموت،
ولأمت ، أيضا لأكتب ما تبقى


"تودد" أو "الثورة التي لا تؤنث لا يعول عليها" (3): التأنيث في الشعر ثورة



إنَّ القصيدة رَمْيَةُ نَرْدٍ
على رُقْعَةٍ من ظلامْ
تشعُّ ، وقد لا تشعُّ
فيهوي الكلامْ
كريش على الرملِ /
لا دَوْرَ لي في القصيدة
غيرُ امتثالي لإيقاعها :
حركاتِ الأحاسيس حسّاً يعدِّل حساً
وحَدْساً يُنَزِّلُ معنى
وغيبوبة في صدى الكلمات
وصورة نفسي التي انتقلت
إلى غيرها « أَنايَ » من
واعتمادي على نَفَسِي
وحنيني إلى النبعِ /
لا دور لي في القصيدة إلاَّ
إذا انقطع الوحيُ.
م.درويش – لاعب النرد


إذا كانت "أعظم خيانة يرتكبها الكاتب أن يصوغ الحقيقة الصعبة في عبارة رخيصة" فـ"الشاعر مأخوذ بكل علم ... لاتساع الشعر و احتماله كل ماحمل ... وإذا كان الشاعر (مطبوعًا) لا علم له ولا رواية ضل و اهتدى من حيث لا يعلم، وربما طلب المعنى فلم يصل إليه وهو ماثل بين يديه لضعف آلته".

فإذا كانت "الرؤيا" و "الكشف"  و "الحفر" في النفس و الأشياء  من ملامح الشعر الحديث ، بعد تجاوزه –دون إفراط- الإطراب و الغنائية بمفهومهما الحسي، أدركنا مدى الحاجة الشعرية للاساليب الرمزية والأخيلة الشهرية المنطلقة الغرائبية والترميز المكثف و الحر و التخييل في البنية اللغوية و الشعرية ، وهو نتيجة لـ"لغة التخيل" الأنثوية الجذر أكثر مما تفعله "لغة الإخبار" الذكورية الجذر، فلغة التخيل أقرب ما تكون للغة "الكشف" بالمصطلح الصوفي ، تلك التي تحمل معاناة البحث والتساؤل في الآفاق الغريبة حتى عليها و فيها، لغة تساءل الذات و الموضوع معاً، تحفر في الواقع من أجل قراءة تأملية تجاوز موصوفاته المدركة أولياً، فتدرك علاقاته المباشرة و غير المباشرة ، في تأثير "مرآوي" لنزوع الوجدان الصوفي في حالة "الإستجلاء" – إستجلاء الكون- إلى "الفناء".

وهو تماما معناه مالارميه بقوله للمصور ديجا: "عزيزي ديجا، إننا لا نصنع من الأفكار شعرا ، بل من الكلمات". فقد كان ديجا يجد صعوبة في كتابة الشعر على هامش فن التصوير (وللثنائية هاهنا دلالتها) الذي يحترفه، فوجه سؤال إلى مالارميه : "إن حرفتكم حرفة مضنية. أنا لا أستطيع أن أقول ما أريد ولو كنت مليئاً بالأفكار".

وبالتالي فالفضاء الجمالي الذي تنتجه "اللغة التخيلية" ، ليس من باب الثمالة الجمالية شعرياً أو التجميل اللفظي و التخيلي فقط ، فذلك المنحى هو انعكاس لـ"وشاكة إنمحاء الفطرية في عالمنا المعاصر بسبب ماديته وآليته وتعقيداته"، فتلك القيم السائدة في عالمنا هي قيم مادية صلبة لايمكن مقاربتها إلا بلغة إخبارية كونها قيم كمية، وليست قيما روحية متجاوزة تجب مقاربتها بلغة تخيلية، لذا أصبح التخيل و المكاشفة اللغوية تعويضاً جمالياً قيمياً وروحياً.

حيث يفسر السياب هذا التوجه الشعري الحديث للتخييل بتوظيف عديد الأدوات التخيلية ، بأن القيم السائدة في عصرنا هي قيم ليست شعرية، و أن الكلمة العليا فيها ليست للروح بل للمادة، لذا "فالتعبير الماشر عن اللاشعر لن يكون شعراً".

فالشعر –وكذا بقية الفنون- الذي يعتمد التخييل في اللغة ، يؤسس لدرامية تخفف الغنائية الشعرية ، وللترميز الذي يمنع سقوط النص في المباشرية و الوضوح الساذجين ، فيما يعد انعكاسا فكرياً لعصور الانحطاط الفكري و التأملي.

وبالعودة لفكرة "الفناء" ، لابد لنا أن نتذكر المقولة الصوفية :"تمام الشيء مبتدأ نقصانه"، فيبدأ "التكون" حينها مع تمام –أو قرب تمام- "الفناء" ، أوليست تلك خاصية الأنثى بامتياز؟ فهي التي تمنح الحياة من الموت ، ويتكون الخلق فيها من صميم الفناء أو على شفيره ، وتتجدد الحياة من مواثيق الفناء في الجسد الأنثوي.
ولكن كيف لذلك أن يكون شعراً ، وقد إنتهى عصر "ربة الشعر" فكان "شيطان الشعر" ؟ أوليس "الشعر جمل بازل" والجمل البازل هو الفحل المكتمل، فكان "إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فإذبحوها" كما قال الفرزدق في إمرأة قالت شعراً.








لعل تلك الحاجة إلى تأنيث الشعر ملحة في عصرنا، لإكمال التحرر الشعري و اللغوي من السيطرة الذكورية عليه كنسق حي ومؤثر ثقافياً وحضارياً، لم نر فيه بعد الخنساء شاعرة لمدة تربو على الـخمسة عشر قرناً من الزمان ، و إن كانت الخنساء محض انتصار ذكوري شعري –كما أسلفنا سابقاً- ، بكت باستخدام الشعر الظل الذكوري الذي أبت الثقافة الذكورية الفحولية البدوية أن تخرجها منه إلا بموت صاحبه صخر. فالشعر "ساحة تستوعب مايطرح من المسائل الفلسفية وقضايا اللاهوت وعلم الإجتماع والأنثروبولوجيا فضلاً عن السياسة والأسطورة و التاريخ" وبالتالي فهو – الشعر- "خطاب معرفي حقيقي". باعتبار ضرورة الربط بين الشعر و الفكر و الفلسفة، بما لا يمكن فضه، لأن ذلك "لايناقض العامل الحضاري وحسب ، إنما يناقض إلى ذلك معنى التجربة الشعرية" والتجربة الشعرية هي في ذاتها متجاوزة لذات الشاعر/الرائي إلى نبوءة تتعالى عن شخصه إلى كامل شرطه ومحيطه الحضاري مكوناً الذات و الآخر أياً كان الآخر : محيط ، كون، إله...و أنثى.

إن في ذلك التحدي الكبير حضارياً وتاريخياً فيما يتعلق بالشعر و لغته ، هو ما جعل الثقافة بنسقها الذكوري تكشف عن أنيابها إزاء أهم مسّ أنثوي تحرري ثوري شعرياً، جعل من الكوليرا التي أصابت مصر عام 1947 ، أقل كثيرا من تلك "الكوليرا" التي أصابت عامود الشعر الفحولي على يد نازك الملائكة في متن فعلتها الشعرية التي كانت تحت نفس الغسم في نفس العام.
فقد حرضت "الملائكة" في شعرها على الثورة ، و "الشعر محض ثورة"، فأججت في بحور الشعر عاصفتها و ثورتها ، و أغرت بحوراً ثمانية من بحور الشعر بالإنقلاب و الإنضمام تحت رايتها المؤنثة ، لتروض في الشعر "شيطانه الذكر"، ليخرج التأنيث من عتمة الحكي إلى نور الكتابة، ولينكسر عامود الشعر الفحولي ، ليمسي الشعر "حرية" وليس فقط "حراً".
تلك البحور الثمانية التي استجابت لنداء "الملائكة" هي "الرجز" و "الكامل" و"الرمل" و " المتقارب" و "المتدارك" و الهزج" و إنضم إليهم "السريع" و "الوافر"، طاعنين بالاقحوان منابع الأشكال حيث الحضور الأصم الثابت ..الذكر.
كيف للغة الشعرية أن يكتمل صلصالها التخيلي / الكشفي من دون تلك البحور الثمانية التي تحمل صفات الجسد المؤنث ، تلك الصفات التي تشترط الحياة ومنحها من حدود "الفناء" و "النهاية"، فكل تلك البحور مرآة للجسد المؤنث ، مرنة تزداد وتنقص حسب شروط الحياة المتوالدة أقحواناً في متونها و أرحامها، بإنبثاق جسد من جسد ومعنى من معنى وصوت من صوت ، ثم يعود ليتقلص فيلعو فيه "النبر" و "النزف" دونما أن يفقد حياته. إن تلك البحور الثمانية التي إنضمت لحملة "الملائكة" وثورتها على سلطة العرش/الذكر و كأي ثورة لابد لها أن تنطلق شرارتها من الشعب ، فكانت تلك البحور "الأكثر شعبية وتواضعا وقرباً للناس ومنهم وإليهم ، وفيها البساطة و الليونة و الخفة".
أما البحور الأخرى ، فهي بحور الفحول ، بها من سمات الفحولة جهوريتها وصلابتها ، واستوثاق تقاسيم الذكورة الجسدية واضح فيها ، فهي لا تقبل التمدد ولا التقلص ، فلغتها الشعرية ذكر فحل ، "وكونه عموداً صلباً راسخاً لا ينزف ولاينتفخ".





 "مزجت بين النار و الثلوج –

لن تفهم النيران غاباتي ولا الثلوج

وسوف أبقى غامضاً أليفاً

أسكن في الأزهار و الحجاره

أغيب

أستقصي

أرى

أموج

كالضوء بين السحر و الإشارة"

أدونيس – "الإشارة" من ديوانه "كتاب التحولات و الهجرة في أقاليم النهار و الليل"

إن تحالف "الملائكة" مع النصف المؤنث من بحور العروض ، هو عين الثورة و إعلان الرفض الحاسم ، على النسق الذهني المذكر الذي يعتمد عليه الشعر ، ومحاولة تكسير العمود الذكوري في الشعر الأقرب للفكرة الأداتية للقضيب. وقد كان للملائكة ما أرادت، وهو مايعد انتصاراً للقصيدة الحديثة يسمح لها بأن تتجدد وتتحرر وتنعتق، فكان ماسمته "الملائكة" "الشعر الحر" ، و إن كانت قد أسمته -هي نفسها- في مواضع أخرى "شعر السطر الواحد" ، وهو مايستدعي في أذهاننا تفسيراً لقلة التوجه الشعري إلى "التشطير" حتى ولو بداعي "التقسيم الموسيقي الداخلي"، لما في ذلك من إعلان هزيمة ذكورة أمام البنية الذكورية المهيمنة.
إلا أن كل تلك المسميات –"الشعر الحر" و "شعر الشطر الواحد"- وماتلاها من مسميات لنقاد آخرين – ذكوراً كانوا أم إناثاً- ليسوا إلا محض انتصارات للنسق الذكوري للشعر ، صاحب السيطرة الثقافية، إما عن تواطؤ أو عدم دراية ، فـ"كثيراً ما يكون الإسم ظالماً لمسماه ، أو ملقياً عليه ظلالاً من الشبهات وخاصة إذا كان هذا الإسم وصفاً، لأن الصفة عندئذ تستدعي نقيضها، كما يستدعي البياض ذكر السواد. وعندئذ تلتمع المقارنة ولا ينال الإسم رضا سامعيه إلا إذا اتضحت المناقضة ايما اتضاح وثبتت أشكالها و ألوانها".
إلى أن ولدت تسمية "شعر التفعيلة" ، بعد خمسة عشر عاماً على المؤنثة على إسم  يؤنثها جزءاً من حقها، ليظل الأصل المذكر و الفرع المؤنث.

"الطرق كلها هكذا: مشقات في ترجمة السوسن إلى لغة المنثور".
سليم بركات – "السيل"





*********

«فاينيموينن العجوز الأمين

كان يصنع بالغناء قارباً،

وهو يدق على صخرة،

كانت تنقصه ثلاث كلمات،

لكي يصنع جانبي القارب،

فذهب في طلب الكلمات"

من أشعار الملاحم الكاريلية القديمة في روسيا.


وإن كان البعض قد زعم أن الحداثة العربية قد انحصرت في الشعر فقط كما فعل أدونيس و إحسان عباس ، و أن لا حداثة في غيره من أنواع الخطابات الثقافية الأخرى ، فتلك نظرة تقوم على فصل الخطاب الشعري والقذف به في الفراغ مجرداً من أي إتصال مع أي نسق ثقافي وحضاري آخر للأمة ، وهو ما نراه مجانباً للصواب بقدر غير يسير، فالتأنيث في الشعر وماأحدثه ذلك في الجسد الشعري العربي من تحرر و إنطلاق ، كان الحلقة الوسطى بين محركات إبداعية ذاتية نبعت عن أكثر صور الذات العربية تعرضاً للقهر و القمع في مجتمعاتنا وصولاً لأنساق سردية و موسيقية و صوتية وبنائية جديدة ، هي تمهيد لبعث الروح التحديثية في أجناس فنية و أدبية أخرى كالرواية مثلا ، حيث الراوي أصبح خالقا لعشيرة متخيلة عبر السرد الحر ، متنقلا بشكل أرحب في وسائط سردية لايمكن إلا أن نلاحظ الفارق بين هياكلها ماقبل وما بعد حادثة تأنيث "الملائكة" للشعر، "إن تجربة القصيدة لحرة علامة كاشفة على حالة الاتصال و الانفصال، التكرار و الاختلاف، وهي مسعى لابتكار الذات نموذجها الخاص معتمدة على المنجز القائم الذي لم تسع إلى إلغائه ولكنها أقدمت على تفكيكه ففتحت بذلك منافذ لها اقتحمت عبرها أسوار النموذج مما فكك المعيار الرسمي ومكن الذات المبدعة من التغلغل إلى الداخل ومن ثم إعادة إنتاج الموروث و إعادة تكوينه".
لذا فليس من الصحيح المصادقة على أن الحداثة العربية اقتصرت فقط على الشعر، وذلك لأن التحول في البنية الشعرية وإن لم يصل لتمام التحول في البنية اللغوية المنطقية للأمة –وإن بدت مظاهره واضحة في بعض المواضع- هو تحول في أكثر الفنون اللغوية تأثراً و تأثيراً فيما يسمى بالزمنية الجامعة –بحسب بندكت أنردسن- لجماعة ما بعينها.
إذ أن ذلك التحول، ترك آثاراً عدة ، أهمها سؤال الهوية وعلاقتنا بالآخر من ناحية و البدايات من ناحية أخرى، وكذلك مواثيق إدراكنا لذاتنا تاريخيا، عبر القراءة من الطرف للمركز وليس العكس كما يذهب إلى ذلك هومي بابا، تلك القراءة التي ينبع منها الخطاب السلطوي.
"النقد و نقد الذات تحديداً ومسألة المنجز التاريخي ، مع السؤال عن دور الذات المفردة وعن موقعها في النسق الثقافي و في نظام العشيرة، وهذه أسئلة موجودة في كافة الأفعال الثقافية. ولقد كان جواب الشعر عليها هو الأبرز لأن الشعر هو أبرز ما في ثقافتنا وهو الوجه المكشوف دوماً لنا". ويسجل لحركة "الشعر الحر" أو "شعر الشطر/البيت الواحد" أو "شعر التفعيلة" أنها كانت السباقة لطرق باب "المحرم" و "الممنوع" في الذهنية الثقافية وتفكيكه ، وهو –التفكيك- المصطلح الذي يهابه الكثيرون من أصحاب عقلية الإتباع والأصولية و غيرها من الأنساق الذكورية التي تتمركز حول الذات فقط ، ولا تعطي مجالاً للآخر كما تفعل الأنوثة في أعلى تجلياتها المانحة للحياة على حافة "الفناء" ، "إستجلاءاً" و "كشفاً" للوجود الإنساني في هذا الكون.


هكذا تولد الكلماتُ . أدرِّبُ قلبي

على الحب كي يَسَعَ الورد والشوكَ ...

صوفيَّةٌ مفرداتي . وحسِّيَّةٌ رغباتي

ولستُ أنا مَنْ أنا الآن إلاَّ

إذا التقتِ الاثنتانِ :

أَنا ، وأَنا الأنثويَّةُ

م.درويش – "لاعب النرد"



Tuesday, 24 July 2012

تأملات في بنيان درويشي (2): سرير الغريبة



عندما أعلن محمود درويش في سرير غريبته نيته اعتلاء البداهة الإنسانية في صورها الأكثر بدائية ، وهي أن "يحب" أياً كانت مضامين دروعه البطولية والشعرية الفلسطينية و العربية التي أُسبغت عليه حصراً و أحيانا كثيرة قيداً، حينها حُملَّ –درويش- هزائمنا وهزائم الآخرين المهدرة، وتناسى الكثيرون ، مرجعية العودة الانسانية لشؤون النفس ، و أن رفع راياتها لا يحتاج إلا "أنا"ها فقط. ولعل النص الدرويشي -هاهنا- يعلنها باديء السرير و الغرابة معاً أنهما –الشاعر و غريبته- على "ذهاب":

 "لنذهب كما نحن:
سيدة حرة
وصديقاً وفياً،
لنذهب معاً في طريقين مختلفين
لنذهب كما نحن متحدين
ومنفصلين،
ولاشيء يوجعنا
لا طلاق الحمام ولا البرد بين اليدين
ولا الريح حول الكنيسة توجعنا...
لم يكن كافياً ما تفتح من شجر اللوز
فابتسمي يزهر اللوز أكثر
بين فراشات غمازتين".

ما أن يعتلي درويش مطالع السرير، ويعلن بداهة الحب هناك وطناً، حتى يرحل عنه "حاضرنا" فيُعلن: "كان ينقصنا حاضر".  إن موقع الرائي/الشاعر من كامل ذاك النسق هو عودٌ لبطولة الإنسان في إنسانيته ، لذا كانت بطولة درويش في ظلال الفكر العربي بكامل مضامينها الفعلية و المجازية والملموسة و الرمزية و الواقعية و المتخيلة و غيرها ، هي محض "حاضر ناقص" في مواجهة الحب معركة من معارك كثيرة. وتلك طينة الأنبياء التي لا تتآلف مع حواضرها مهما إعتلى "زنارها" من بطولات، لتظل النبوءة محض بشر يتساقطون أمام بطولة الإنسان المجرد:

"فعما قليل ستنتقل الطير من زمن نحو آخر،
هل كان هذا الطريق هباءً
على شكل معنى، وسار بنا
سفراً عابراً بين اسطورتين
فلابد منه، ولابد منا
غريباً يرى نفسه في مرايا غريبته؟
"لا، ليس هذا طريقي إلى جسدي
"لا حلول ثقافية لهموم وجودية
أينما كنت كانت سمائي
حقيقةً."

تلك النبوءات التي شهدناها تحيي سرحان بشارة سرحان وهو "يشرب القهوة في الكافيتيريا" 1972، وكانت كذلك في أبياته لـ"أحمد الزعتر" 1977 ، فحررت ذلك الأخير بصهيل زعتره من فجائع قومه وأنقاضهم، وصولاً إلى "أحد عشر كوكباً على آخر المسهد الأندلسي" 1992، و التي تنبأت بالصاعقة الأخطر التي قصمت وحدة الصف الفلسطيني: إتفاقية أوسلو. تلك النبوءات التي استقرأت طريق سلام كان عليه "أن يريح الهوية الفلسطينية، و أن يريح أسئلة الثقافة الفلسطينية، و أن ينقلنا من وضعنا الأسطوري إلى وضعنا الواقعي ن و أن يدلنا على أن الواقع أغنى من النصّ. وبدأنا فعلاً بطرح أسئلة تتصل بكيفية تحولنا من نص أسطوري فيه الجلاد و الضحية ، إلى أناس عاديين، نبني حياتنا العادية، نعبر عن ضعفنا الإنساني العادي، يلتفت كل منا إلى صوته الشخصي، نشكو المرض و الكسل والضجر. لا نريد أن نكون أبطالاً ولانريد أن نكون ضحايا. بعبارة أخرى، بدأنا في البحث عن الحياة العادية، ولكن يبدو أن البحث عن حياة عادية في ظروف غيرعادية هو بحث عن بطولة أخرى"... ليظل ناقوس الرؤيا فاضحاً: "ليس صحيحاً بأن الصهيونية قد خلقت نقيضها الفلسطيني، لأن هذا النقيض موجود قبل ظهور الصهيونية نفسها، ولكنها تعرقل صيرورته إلى ثبات".

ومن هنا كانت نبوءات درويش الغزلية عبارة عن تمظهرات لجدلية العلاقة بين الهزيمة و النصر بمنطقها الإنساني، وبالتالي فهي أكثر من مجرد غرض شعري في معمار الشعر الخاص بالشاعر، إنما هو فعل مقاومة ، يحمل عبء إستحضار الجانب الإنساني من فعل المقاومة ، ذلك الجانب الأقرب للبداهة والعفوية و الحياة في سؤال المقاوم عن تمسكه بالموت من فرط ما يريد أن يحيا...حباً.
والبنية الغزلية لدى درويش سارت وتسير عكس أعراف الغزل العربي بعمومه ، وثارت وتثور على صكوك المتجانس فيه و ألفته، فكان السبق فيها لوطأة التاريخ قبل وطأة الوجدان ، وكان فيها من الغربة و النفي والغرباء  أكثر مما فيها من الإستيطان و الفيء و اللقاء:

"ليس هذا طريقي إلى أرض حريتي
ليس هذا طريقي إلى جسدي
وأنا، لن أكون "أنا" مرتين
وقد حل أمسِ محل غدي
وانقسمت إلى امرأتين
فلا أنا شرقية
ولا أنا غربية،
ولا أنا زيتونة ظللت آيتين
لنذهب، إذاً.
"لا حلول جماعية لهواجس شخصية
لم يكن كافياً أن نكون معاً
لنكون معاً...
كان ينقصنا حاضر لنرى
أين نحن. لنذهب كما نحن،
إنسانة حرة
وصديقاً قديماً
لنذهب معاً في طريقين مختلفين
لنذهب معاً،
ولنكن طيبين..."

يثور الشاعر/النبي هاهنا على مواريث إدراكنا الشعري للغزل، فلا يحقق -مثلاً- تعريف قدامة بن جعفر لقصيدة الغزل، ذلك التعريف الذي يضم بين مواثيقه صنوف الغزل وخرائطه ، ليمهد لحلول رؤى ابن حزم الأندلسي في (طوق الحمامة) إذ يقول عن الحب: "وقد علمنا أن سر التمازج والتباين في المخلوقات ، إنما هو الإتصال و الإنفصال، و الشكل دأباً يستدعي شكله، والميل إلى مثله ساكن ، و للمجانسة عملٌ محسوسٌ وتأثير مشاهدٌ، و التنافر في الأضداد والموافقة في الأنداد والنزاع فيما تشابه موجود فيما بيننا، فكيف بالنفس وعالمها العالم الصافي الخفيف، وجوهرها الجوهر الصعّاد المعتدل، وسنخها المهيأ لقبول الاتفاق والميل و التوق والانحراف والشهوة و النفار".
وكيف للغزل ألا يكون مقاومة، وخلفيته "المشهد الملحمي" ، الذي يعلن الشاعر –على الدوام وفي غير موضع ومقال- إنتمائه إليه، وللغزل في الملحمة حضور التاريخ شاهداً على عقد بين الألم و الفجيعة في برهة العشق بين ثنايا الهوية وفعل الحياة:

- "لا اسم لنا يا غريبة، عند وقوع الغريب على نفسه في الغريبة"
- "من يقول لي الآن: دعك من الأمس، و احلم بكامل لاوعيك الحر"
- "كنا غريبين في بلدين بعيدين قبل قليل، فماذا أكون غداة غد عندما أصبح إثنين؟
ماذا صنعت بحريتي؟ كلما ازداد خوفي منك اندفعت إليك، ولا فضل لي يا حبيبي الغريب سوى ولعي"
- "قل إننا / طائران غريبان في أرض مصر و الشام. قل إننا طائران غريبان في ريشنا"
- "وماذا سنفعل؟ ماذا / سنفعل / من / دون / منفى؟"

يتحول النص الغزلي الدرويشي في "سرير الغريبة" من فضاء وجداني تتحدد شروطه بالعاطفة متلمسة طريقها بالمكان و الظرف إلى فضاء مقاوم يستدل بالعاطفة على "الكل الضائع" بين شظايا "الراهن الحاضر"، فتصبح الجدلية هاهنا من الوجود/العشق إلى العشق/التحرر ، مؤسساً غزليته على مقاومة "حاضر مفروض" لقاء "حاضر ناقص" بالجمالي أوليس هو القائل "الجمالي حريتك"؟ :

- "هنالك حب يسير على قدميه الحريريتين / سعيداً بغربته في الشوارع"
- "حب يمر بنا / دون أن ننتبه / فلاهو يدري ولا نحن ندري"
- "... لا أحد يستطيع
الرجوع إلى أحد. تصنع الأبدية
أشغالها اليدوية من عمرنا وتعمر... فليكن الحب ضرباً من الغيب، وليكن
الغيب ضرباً من الحب. إني عجبت
لمن يعرف الحب كيف يحب!."

ليعلن في النهاية أن تحت (سماء منخفضة) "هنالك حب"







II

ولأن "الشعر محض ثورة"، يثور شاعرنا على نبوءته ورسالته بالشعر شعراً ورؤيا، ليعود إلى بدايات الإنسان فيه وفينا –من ضمن بدايات كثيرة تميز البنيان الدرويشي في الشعر- ، فيخاطب الضلع في نفسه ، محاوراً جميل بثينة على لسانه سائلاً إياه عن مثاقيل الحب وطرائقه ومواثيقه :
"هل تشرح الحب لي، ياجميل
لأحفظه فكرة فكرة."
فيرد جميل بثينة:
"أعرف الناس بالحب أكثرهم حيرة
فاحترق، لا لتعرف نفسك
ولكن لتشعل ليل بثينة..."
وكما قالت العرب "العاشقون رفاق"، تلك الرفقة التي تصل بالعشاق إلى حدود الهند و تراثها الايروتيكي في آداب "الإنتظار"، فيرتحل العشاق ، بعد ان يعلن درويش مرآويته لجميل بثينة في "الكبر" و "الموت المنفي" و انتفاء الزمن موتاً وبثينة اسماً و نوناً:

"أعلى من الليل، طار جميل
وكسر عكازتيه . ومال على أذني
هامساً: إن رأيت بثينة في إمرأة
غيرها، فاجعل الموت ، ياصاحبي،
صاحباً، وتلألأ هنالك، في إسم
بثينة، كالنون في القافية!."

III
ومن علوم التقفي على شراشف "سرير الغريبة" ، سوسنةً سوسنةً نثراً شعرياً ، كان لابد من كسر الضرورة اللغوية المفرطة الذكورة ، و التي "ينبغي أن أنوه بأن تركيب اللغة يتطلب مني بصورة عامة، أن أكتب وأتكلم بصيغة المذكر. كما يفرض على الكاتب تذكير موضوعات لا تقبل التذكيروالتأنيث إلا عرضاً ومجازاً". ولايتأتى لنا ذلك من دون الحوار الغزلي المتكافيء على امتداد ذلك السرير مع الأنثى  على أن تكون ناصية الكلام لها. وهو ماحدث في سبع قصائد نسير على لسان ضمير المتكلمة المؤنثة ، ضمير العاشقة و ليس العاشق ، لتكشف لنا رؤى المؤنث في الغزل ، في محاولة لكسر الاستحواذ الذكوري لموضوعة الغزل، وهو في ذاته أكثر مواضيع "السرير" ثورة وتحريضاً على الحرية و الإنعتاق من أكثر قيودنا الثقافية و المعرفية و الإدراكية، باعلاء التعددية و الديموقراطية والآخروية في إدراك الذات في أكثر حالاتها ذاتية : "العشق" و "الحب" ، الذي لا يقوم من دون الآخر المكمل و ليس فقط المرادف ولا المضاد: الأنثى.
ولعل هذا الإعلاء من "غريب" التجربة الشعرية في الغزل هو ما يجعل حالة الحوار الغزلية على السرير بجدليتها تصل إلى حدود البداهة العشقية بين غريبين لا يجمعهما حاضر ، أو على الأقل مايجمعهما هو ما يجيء على لسان الأنثى/العاشقة : "لا أقل لا أكثر":
"أنا إمرأة. لا أقل ولا أكثر (...)
أنا من أنا، مثلما
أنت من أنت تسكن في
وأسكن فيك وإليك ولك
أحب الوضوح الضروري في لغزنا المشترك
أنا لك حين أفيض عن الليل
لكنني لست أرضاً
ولا سفراً
أنا إمرأة، لا أقل ولا أكثر."

فيعيد النسق الغزلي المؤنث النصر لمستحقيه، بعيدا عن تجاذبات الخطاب و السرد، "كأن تغزل الصوف لكي تلبسه لا لكي تكمل قصة هوميروس، أو تحن إلى سوسن آخر غير ذاك الذي خلف جبال مؤاب، أوتطلب منه أن يحك ظهرها  ويفك على مهل جدائل شعرها ، أو تقتبس يانيس ريتوس فترى" في عروق الرخام حليب الكلام الإباحي يجري ويصرخ بالشعراء اكتبوني" أو تهتف ببساطة: ياليتني لم أحبك.."





IV
كل شيء في "سرير الغريبة" يصدح بالموسيقى ويطوقه الإيقاع، صاعدة من ستة سونتات ، تتخلل الجسد السريري الشعري، فينثرها الشاعر بلاعنوان إلا من رقم ، لنقوم بأدوار بعينها:

1. دور  وظيفي فاصل واصل بين قسم و آخر لضمان سيولة موسيقية وتناغم جغرافيا الإيقاع.
2.خلق الفضاء الموسيقي الملحمي لبداهة "وقوع الغريب على نفسه في الغريب"، تحت وطأة التاريخ من سردية الفرد/الانسان.
فيلتزم الشاعر بالشرط العضوي للسوناتا في الشعر الغربي ، وهي أن تكون مكونة من أربعة عشر بيتاً (وفي بعض الأدبيات الشعرية "سطراً") شعرياً، مراوحاً في توزيعه لسطوره الشعرية بين تمثلات السوناتا في أنسابها بين بترارك وسبنسر وشكسبير.

السوناتا في هيكلها المقسم إلى مقطع ثماني Octave يطرح وضعية ذات توتر وشحنة عالية عاطفياً،  ومقطع سداسي Sestet يعمل على تخفيف الشحنة السابقة عليه ومعادلة توترها العالي ، هي مرآة لذلك المخطط الحسابي لأفلاطون الذي يقرأ العلاقة الهندسية بين "النفس" و "الكون"، وكان أوائل مبتكري السونيتات قد حاولوا محاكاة تلك الهندسة عن طريق تتبع خطى "الأنغام غير المسموعة" من "موسيقى الروح الإنسانية" كما يصفها الناقد جون كيتس. ونرى الكثير من الصحة فيما ذهب إليه بعض النقاد من حدود المحاججة أن ابتكار شكل السونيت كان إيذاناً بفجر الفكر و الأدب الحديثين ، باعتبار السونيت هي أول الأشكال الغنائية التي تخاطب "الوعي الذاتي" أو تتناول "الذات في حالة صراع".
ولعل قراءة تاريخ السونيت كصورة شعرية تعبيرية ، تحيلنا إلى النسق الفكري المميز للمرحلة التاريخية التي شهدت ولادة السونيت، على مطالع القرن الـ13 في إيطاليا حيث كان اضمحلال الامبراطورية الرومانية مفسحاً المجال أمام نقاشين حاسمين في الوعي حينها:

1.التنازل عن نموذج الإله البطل لصالح الإنسان العادي.
2.التنازل عن السلوك البطولي التطهيري القدري لصالح السلوك الفردي الوجداني العاطفي ، و الإنتقال من النشيد الوجداني إلى قصيدة الحب.

ولكن مالداعلي لطرق الشاعر باب ذلك الصنف الغربي (؟!!) من الشعر؟

فنار السونيت التي انتشرت في هشيم الكثير من الثقافات الانسانية قافزة فوق عديد التفاصيل للزمان و المكان ، من غوته وريكله في ألمانيا ، إلى بودليير وفرلين ورامبو في فرنسا، إلى غارسيا لوركا وأنتونيو فيريرا في إسبانيا ، تعود بشرارتها الأولى باجماع المصادر الأدبية أن أول من نظم ذلك الشكل الشعري كان جياكومو دي لنتينو (1188 – 1240) ، من غير اعتماد على ترانيم ومواثيق غنائية محايثة له (أشعار التروبادور و البروفنسيال)، بل طور شكلاً غنائياً مقتبساً من فلاحي صقلية وموسيقاهم المكانية ذات العلاقة الوثيقة الصلة بالحيزالمكاني من حيث بعده عن سلطة الدولة و أمكنتها الجمعية الممأسسة إلى فضاء الريف الحر ، حيث الزمن الأكثر رخاوة وبطأً، وهو ذلك الفن الذي يدين في أصله إلى شعر الغزل العربي الأندلسي و موشحاته ، وقد تناقله العرب المقيمون في صقلية ، ثم كان من واجل من أتى بعده أن يكمل المشوار : دانتي لأليغييري وفرانسيكو بترارك، وصولا إلى شكسبير وجون ملتون وسبنسر.
لذا فـ"سرير الغريبة" في سونتاته هو استرداد لبضاعة عربية ثمينة ضلت طريقها ضمن الكثير مما ضل طريقه منا إلينا، فأكلمت طريقاً حراً من مواريث الهوان و الغربة و الاستلاب في إرث غرناطة ، إلى فضاء أكمل و أكثر غنىً و فتنةً.
وحتى مع ذلك ، فإن شاعرنا هاهنا لا يقوم بنسخ بنيوي ميكانيكي للسونتات ، وإلا فهو لا يجدد في استخدام فضاء السوناتا لاحتواء جدلية "المعنى" و "الدلالة" ، إنما هو يوظف تجديداً موسيقياً لايخفى على ذائقة المتخصص و المتذوق ظله الموسيقي في جسد البنية الشعرية الدرويشية كاملة ، إذ أن التجديد الموسيقي في السوناتا الدرويشية لا يكون ضمن لمسة الشاعر التركيبية المجددة في السوناتا ، من دون الإخلال بعضوية تعريف السوناتا من حيث أبياتها الأربعة عشر، ولكن بالتحديث و التجديد في شرط عضوي آخر للسوناتا وهو "إنهاء السطر الشعري بقافية منضوية في التصميم الثابت لهندسة القافية للسوناتا".
فبينما أسقط درويش القافية في سوناتاته الأولى، حيث كاد أن "يبعثر روحية الهندسة بأسرها" ، عوض ذلك بتواتر "الأصوات الواحدة" أو التقفية الثنائية. أما في السوناتا الثالثة فقد اعتمد بنية تقفية مختلفة ، وإن كانت متسقة صوتياً وحرفياً في هندستها . وهكذا يداعب الشاعر البنية الموسيقية و التركيبية للسوناتا فيعيد موضعتها بشكل مميز مؤكدا على القاعدة النقدية التي تقول أن الشعر محض ثورة:

"حريركما ساخن، وعلى الناي أن يتأنى قليلا
ويصقل سوناتة، عندما تقعان علي غموضا جميلا
كمعنى على أهبة العري، لا يستطيع الوصولا
ولا الانتظار الطويل أمام الكلام، فيختارني عتبة
أحب من الشعر عفوية النثر و الصورة الحافية
بلا قمر للبلاغة: حين تسيرين حافية تترك القافية
جماع الكلام، وينكسر الوزن في ذروة التجربة"
معيداً للعروض في الشعر و اللغة و الإدراك أبهتها  وثرائها في عصر يكاد يكون الفكر العربي أقرب ما يكون للإدراك المادي للفن في صورته المادية الاستهلاكية.

V

يرى غير قليل من النقاد ان انتقال بعض الآداب "من مرحلة السمعية إلى مرحلة البصرية –مثل الشعر العربي- له أثره البالغ في تكييف بنيته، إذ أن الانشاد كان يجعل القيم الموسيقية في الشعر القديم هي الحاسمة في تحديد قيمته، أما القراءة التي تجعله كتابياً  فهي تبرز في تكوينه عناصر تشكيلية مكانية مختلفة عن العنصر الزمني الأول نسبياً "، في إشارة للتأثير التخيلي للأداب ودلالتها بين الموقفية و التجريد.
وقد يصح ذلك على ما يمتد إليه ظله في الكثير من – مايمكننا تسميته- شعر الحداثة، ولكن للمعمار الدرويشي هيكل موسيقي شفاهي يأبى طاعة ذلك الظل ، معيدا التذكرة بأن المعاصر يمكن أن يقارب الماضوي في موسيقية الشفاهى، من حيث "أن الثقافات الشفاهية الخالصة يمكن أن تولد أشكالا فنية للقول ذات حذق ومهارة"، تلك الموسيقى الشفاهية التي أسست لها أول ما أسست النصوص اللاهوتية و الدينية ، التي اعتمدت "الاعجاز" و "الابهام" و "الموسيقى" و "الإيقاع" كعوامل "تكثيف" و"تفكيك" ، لإحداث التأثير المناسب في المتلقي ،العقل الباطن و الإدراك.
فمثلا ماضمن للأوديسا والالياذة وهما البنيتان الشعريتان الموسيقيتان في الأدب الغربي الأهم –من الأهم- هو ما وصفه جان جاك روسو مستشهدا برموز لاهوتية أن "هوميروس ومعاصريه من الاغريق كانوا في أغلب الظن لايعرفون الكتابة" وذلك فيما عرف بـ"المسألة الهومرية" في الأدب، والتي انبثقت في حد ذاتها في القرن التاسع عشر من النقد الهومري الذي تزامن نضجه مع النقد العالي للكتاب المقدس. ففي "الثقافات الشفاهية الأولية، حيث لاوجود للكلمة إلا في الصوت، دون إشارة من أي نوع إلى أي نص يدرك إدراكاً بصرياً، بل دون وعي بإمكان وجوده، تدخل ظاهراتية النغمة/الصوت ومن ثم الموسيقى إلى شعور الكائنات البشرية بالوجود ، كما تنتجه الكلمة المنطوقة" كذلك تؤثر في "حس الانسان بالكون ، و الكون بالنسبة للثقافات الشفاهية (كالشعر) حدث مستمر يقع الانسان في المركز منه. فالانسان سره العالم ، ولم يحدث أن أخذ البشر عندما كانوا يفكرون بالكون أو الدنيا أو العالم في التفكير أساساً في شيء مبسوط أمام عيونهم كما في الأطالس الحديثة (المكتوبة و المُبصرة)" فالفكر و الوعي والتعبير "القائمين على الشفاهية، يرتبطون ارتباطاً حميماً بالنظام الصوتي الذي يدركه البشر (بمجموعاتهم) ، وهو نظام يفضي إلى الاتجاه نحو المركز ونحو الداخل (...) متفقاً مع الميول التجميعية –المساعدة على الائتلاف- أكثر من الميول التحليلية التجزيئية"، وهو ماينطبق –بنظرنا- على المعمار الصوتي و الموسيقي لشعر محمود درويش.
فدرويش لدى تحليل سرير غريبته الشعري موسيقيا وصوتيا –وهو ما نراه ينطبق في الكثير من مواضع البنيان الدرويشي الشعري- نراه يختارتفاعيل البحر المتقارب وحدها وحدة دنيا وعليا ، كما اختار تفاعيل المتقارب اللينة الخافتة الجرس وسيطاً بين أوزان موسيقية ونثرية، خالقا ما اسماه بعض النقاد "التفعيلة المنثورة" و/أو "النثر التفعيلي".
لعل ذلك الفعل الثوري شعريا هو الذي دفع بدرويش للاشتغال على شؤون التقفية وتصانيفها وترانيمها وموسيقاها في "سرير الغريبة" ، وما لتلك الغربة من دلالات ودوافع ، دونما اخلال بدور التقفية التشكيلي في الموسيقى و المعنى ، فهو يقترح في ديوانه – "سرير الغريبة" فقط – ست صيغ مختلفة من التقفية الشعرية ، تراوحت – من دون ذكرها تفصيلياً بما يدفع القاريء للملل بدافع الإفراط في التخصص أو لضيق المتن الحالي – بين "التقفية المتباعدة" و "المقطعية" و "المتناوبة" و "الخفية" و "المفتوحة" و "استخدام مفردة واحدة لتوؤدي وظائف إيقاعية في التكرار وتلعب دور القافية ايضاً".





VI

يختم درويش مطالع "سرير الغريبة" – غريبته وغريبتنا وغربتنا- برائعته "طوق الحمامة الدمشقي"، و التي يستحضر فيها بعداً ثالثاً للزمان و المكان الدمشقيين ، فيحيل به دمشقاً حمامة غواية وتأمل ، تلك هي اللغة حرفاً حرفاً ، تاركاً لها وحدها عبء تأويل "الغربة" التي تجتاح الديوان ، محققاً مقولة هايدجر "عملية الفهم دائرية لا محالة" وغدامر إذ يقول: "نحن لايمكن أن نفهم إلا غذا كنا نريد أن نفهم ، أي لا يمكن أن نفهم دون أن نتيح لشيء ما أن يقال" أي أن يكون ، و الكينونة الإدراكية الأولى للأشياء هي الشعر و الموسيقى، لذا فإن كانت "كتابة القصيدة قراءة للعالم ، فإن قراءة هذه القصيدة هي كتابة للعالم".


إليك أرحنا عازب الشعر بعدما      تمهل في روض المعاني العجائب
غرائب لاقت في فنائك أنسها     من المجد، فهي الآن غير غرائب
أبو تمام


Saturday, 14 July 2012

من هوامشي: الفكرة و المجتمع.

كانت مرحلة "الإنتاج" لحظة فارقة في الوعي الإنساني الجمعي ، بأن استطاع الإنسان تجاوز الحيز المادي للطبيعة ، فأضفى على الحجر و الخشب -مثلاً- بعدا آخر غير حيزهم المادي الموجود في الطبيعة ، فكانت "الفأس" ، وهي أداة أنتجها الإنسان في صورتها المادية تحقيقا لفكرة متخيلة و متجاوزة في عقله وهي : الفكرة/الإبداع والتي تكونت متخيلة في ذهنه قبل أن تصبح مادة ملموسة..
لذا أصبح العمل المجتمعي (بين جمع الأخشاب و الحجارة وتركيب الفاس) مرتبطاً بأهداف تتحدد تحديداً واعياً وقيمياً  متخيلا ، بشكل تسمو -الأهداف- به -الإنسان- فوق حيز الكائن الحي البيولوجي/الحيواني، ليصبح النشاط المجتمعي جزءاً أسمى من الإجتماع (الطبيعي/الفيزيولوجي) ذلك الإجتماع الذي يؤمن فقط الحيز اللازم للوظيفة البيولوجية من تكاثر وتغذية و إخراج وغيرها.
ليصبح الإبداع و التفكر ومجاوزة الطبيعة المادية الفيزيولوجية هي أولى مهام الإجتماع الإنساني (بداية من أبسط أفكار المجتمع الإنساني : الذات و الأنا، وماتحفزه في الفرد ملكة الحوار الذاتي مع المحيط كالشك مثلا ، ولنا في رائعة ابن طفيل خير مثال).
وبالتالي ولد مايسمى "الإحساس" ، ونشأت مقولة  "الزمن"، فالإنسانية شبه الحيوانية كانت تعيش في المكان البيولوجي/المادي ، فكانت تميز المكان من دون أن تميز الماضي من الحاضر.

Sunday, 8 July 2012

تأملات في الجسد (1)



يتخذ التجسيد كعملية إبداعية صوراً تكاد تكون متعاكسة في الثقافات المختلفة تبعا لصورة الجسد الثقافية في كل مجتمع على حدة.فقد أصبح الجسد البشري من خلال مراحل التطور البشري بمنزلة بناء رمزي وليس حقيقة في ذاتها فالجسد لايأخذ معناه إلا من خلال النظرة الإنسانية الثقافية له، وقد لعب المقهوم الجمالي للجسد في الثقافة الأوروبية منذ اليونان القديم الدور الأساس في نشأة الحاجة إلى المسرح و استمرار ذلك النداء في العصور التوالي، وبالتالي فقد كان ذلك النداء يتقطع أو يتم كبحه في الفترات التي يعلو فيها المد الاصولي المتشدد، ومن ثم يسود المفهوم الأخلاقي التجريدي للجسد الذي يعمل على فرز الأجساد وفقاً لمعايير مختلفة التنويعات فمنها مثلا الدينية (مقدس /مدنس) ومنها الاجتماعية (حر ؟عبد) ومنها البيولوجية (جسد عار مغو/جسد مستور غير مغو).

فعلى مر التاريخ كانت الأأصولية و الاستبداد هما عدوي الجسد، بل وعدوي التعبير الحر الطبيعي بصفة عامة ، وهو ما يفسر انحطاط الصنوف الثقافية و الفنية التي ينتجها انسان تلك الفترة من معمار تطغى عليه الوظائفية لا الجمالية (يقوم –ذلك الفن المعماري-  انعكاسا لنفي الجسد من الحيز العام باعتباره طرفا مجردا في الثنائيات السابقة لا قيمه له)، و فنون تقع أسيرة الثنائيات السابقة، وهو ما دعا أصحاب النظرة الأحادية الضيقة أن يرو في الفنون التمثيلية (ذاك اللون من الكشف و التعري الروحي –بالمنطق الاقرب للصوفية-) سلوكا مشينا، مبتذلا يصل إلى حدود العهر ، فتلك الفنون في نظرهم لايمكن تلقيها إلا بمنطق لا يتعامل مع فردانية القيمة الجسدية بقدر ما يوظف ذلك الجسد لنفيه وقمعه في كل تلك الثنائيات ، إثباتا لصحة أنساقها فقط.



(أينما وجد الجسد وجدت السياسة - جوديث باتلر).


Sunday, 1 July 2012

ليل فتاة


أَتتهُما منْ ناحِيةِ الجْسدِ الزَبَدي المُنتهك وآخِرُ إلتِماعٍ للرَغبةِ فيْ الدَم، صَعَّدت سلالمَ جِدالهِما المُعلق، إلىْ حرمَانها وحرمانِهم كلٌ بِنقشِه، و أَوصَدت بابَ المعدنْ خلفها، و أَعيُن العَتمةِ تلتصُق بِه. فدَخلت عَالمهُم الضاج بصَمته ورائِحة الجَسد تَفُوح منْهُ. فقاعةُ صابونٍ معدنيةٍ جمعَتهم وَسطَ تِلكَ المدينةِ المُّفرقة بمعادِنها ومرايَاها وأكاذِيبها وأجسادِها وقبورِها البَاذِخةِ الفقيرة ، والموتُ محضُ تأويلٍ وجمعٍ وآلهة.



صمتٌ يمهلُ الخفيَّ الأخرس ليُعبر عنْ نفسِه تَلبسَ فراغَاتِهم، في الطريقِ إلى فقاعةٍ معتمةٍ أُخرى للهوِ بالجسدِ والرغبةِ والذُكورة الصَدأ و الأنوثة النهب.
فاجأها بعِبارَته التي وقعتْ منها مَوقِع الكمالِ من الكَذب ، إذْ يقولُ متشحاً باسمِها الذي لايُصدقُ نسبته إليها:
"أتدرينَّ أنكِ أَصلُ الحريةِ فينا؟"
تلَبَسها إستغرابُ الأنبياءِ الجدد : "ماذا؟"
- "حرةٌ أنتِ من أكاذيبنا
منْ أيامنا
منْ تعبنا
منْ حلفاء يتقاسمون غبارنا
منْ مائدتنا وندمنا
منْ جواهرنا المكنونة
منْ أجسادنا الاحتفال و النهب
أنتِ الشكلُ والمعنى، حرٌ في تجانس أجساده
أنتِ الأصلُ في التجارة و المدينة"





نظر إليه شريكه في الفقاعة و الفراغ و النهب، ومواثيق بصره تقول:
"ماذا تنشد؟"
أكملَ دون أنْ تُوقِّفه تراجم ذاك :
"حتى خيالنا لكِ نهبٌ خائفٌ، فسردياتنا المرويةُ تهابُ جسدكِ وظلك، فتتعَللُ بغياب القضيبِ عن المسرح، إما زوجٌ قصرَ في نُبوتِه، أو أبٌ غافلته الحَاجةُ، فعاقبتكِ السماءُ/السردُ بحريتك الأكبر منها ومنهما..أو قَتْلُّكِ الشرف الفاخر النصل... تُمهلينَ الأرضَ حتى تأتي شفَاعتها مستعينةً بما لايُرى منْ الشجرِ و الجَنة
"





هُنا أَعاد صديقُه شاهدُ المُحاكمةِ تَرتيبَ لغَضْبتِه الذُكورِية لُهاثَها حَولَ سَارِيةِ الجَسدِ، ليُوقفَ هَزيمةَ المهزلة ، قائلاً:
"مَاذا تقول؟"
فرد عليه:
"أعيدُ تَرتيبَ الرَاياتِ و الفراغِ و المسافاتِ، أعيد للهزائم أبهتها"، ثم أعادَ ناصيةَ رَسمه الكلامِي إلَيها:
"أشجع منّا جميعاً أنتِ ، تجيبينَ أَسئِلتنا البَكْماء بكذِبنا مطلعاً مطلعاً، تَقفِينَ على ساقينِ من نورٍ كأبجديةٍ كاملة النبر ، و نحن أنصَافُ أصواتٍ و عتمةٍ".
حينها أخذت الذكورةُ كفايتها من الهزيمةِ على النِصف الثَاني من الفُقاعةِ ، فأَوقفَها رُبانُها وأخَرجهُما من كذبته السائلة ورَحلَ بينَ الأعمدةِ حاملاً صليلَ هزائمهِ الأبهة، حينها نَظرتْ إليهِ وفَتحتْ له يَدها بكمالً ، وقالت:
"تعالَّ مَعي نُعلِي صَواري اللونْ والشكلْ وَحدنا ونَلتفحُ مرحَ النورسْ ولُهاثه في الجو و البحر الغائبين، تعالى بصُرَّةِ النَدى في نهديَّ أعطرُ ماءَ وردكَ والمعنى، وإحرص على ظِلكَ من ضَوئِهم وعَتمتِهم".
فقالَ لها موصداً بابَ الهواءِ الشفيف بين جسدَيهما:
"أنْا لا آتي الحَيَّ إلا نَهباً ، ولا أحدَ يعودُ من النهبِ كاملاً حياً....سامحيني" 




Tuesday, 19 June 2012

الندى لاجئاً


متكئاً على خرائبه الطائفية
وابتذاله الدولاري المتأنق
وجماله اللامع في سوق النخاسة الصحراوي
مبعثراً حلواه على منضدة مغتصبه و "حريره"
يغض الضرورات عن المحتل إلا من غد يسترشيد بالطائفة والأكيد إلى الأمس يوثق به مستقبله
مترف كالجهالة من ترف الخيانة فيه
للسيف فيه نزق الأغنية في المراقص لا على حدود الهوية و الوطن
....هاهو يجتمع ويلملم كل هؤلاء وطنا واحدا في النخاسة
ويكشف عن زنده وسيفه و هويته في وجه الندى...
كم جميل هو بعوراته ، يصفق له العالم ، و الصحراء و الأبيض...
لاتجمعه إلا دماء الندى في المخيمات... كما جمعتهم كثيرا...
_____________________________________________
مخيم نهر البارد يعيد للأنساق إتزانها في خرس ، قرينة هو يحسم المرافعون عن اليقين جدالهم
فألمه رئة ، بعد هذا وقبله أيضاً
باتفاق الشهود.
 
 

Friday, 15 June 2012

في يأس الحضور

إصعدي ياطرائد اليأس من ثورتي ووطني سأقرأ على جسدك ترانيم الدم السوري
فيتذكر حديد عدوي أني لم أهزم بعد
بدورع من الشقائق والندى يكسرون عجرفة المتناسق بمعدنه
وسنذرف جميعاً نشيداً غير هذا لوطنٍ غيرِ ذاك
ألا ترين مدائح إنتصاري في قانون يُغزل على عوراتهم و إنتصاراتي
ليس بعد... لم أهزم بعد
لم يُهزم بعدُ نيلي ، فيجف ياسمين دمشق
في فوهتنا وملح دمنا
تعالي نجدل صبرنا ودمنا إلى السماء
لم نُهزم بعد ، و أول الهزيمة تشاؤم يحاضر الدم المسفوك و الكلمة الحرة..
______________________________
______
نقطة.

Sunday, 20 May 2012

"تودد" أو الثورة التي لا تؤنث لا يعوَّل عليها: الضوؤ و المكان أو اللغة و المعنى




"تدور ريتا حول ريتا وحدها:
لا أرض للجسدين في جسد، ولامنفى لمنفى إلا الوطن
في هذه الغرف الصغيرة ، و الخروج هو الدخول
عبثاً نغني بين هاويتين،
فلنرحل...
ليتضح السبيل
لا أستطيع، ولا أنا،
كانت تقول ولا تقول"
-
محمود درويش – أحد عشر كوكباً


لعل شهرزاد في سردها الليلي الألف ويزيد بليلة، تؤرخ ماللحكي الأنثوي من فضاء في الثقافة العربية –سابقاً و لاحقاً- ، هو فضاء يتحدد بعنصرين:
- الضوء.
- المكان.
فشهرزاد لم يصلنا منها الحكي نهاراً، بل أن صياح الديك بما يحمل من دلالات الفجر، هو مبتدأ سكوتها وتحول حكيها "المباح" إلى "حرام" يستوجب الصمت، فالنهار هو ملك الذكر، لاتنكشف فيه الأنثى ، ولا تخرج إليه ، إلا رمزاً لا إنساناً في نسق ذكوري اللغة.  فزمنها محصور بالتمام و الكمال في الليل و العتمة ، ومنه كانت شهرزاد – و إن رآها البعض انتصاراً أنثوياً- استمراراً ثقافوياً للذكورية و الفحولة بانتصار أنثوي مرمز و مؤقت لايستوي لذاته بل لسياقه.

ولعل الخنساء ، تمثل إنتصاراً ثقافوياً آخر للذكورة ، ولكن بأدوات أنثوية –أيضاً- ، فالخنساء التي خرجت بأبيات شعرها للنهار و الشعر في اصله ثورة ورفض وتمرد، هاهي الثقافة تذكر فعلها الشعري النهاري فقط ، في ظل الرثاء لفقدان الذكر/الرجل/ الإبن-الأبناء/المقاتل/ المحارب. ليصبح شعر الخنساء حكياً أنثوياً في ظل الرجل وإن خرج للضياء، ولكنه لم يخرج من حدود ظل الذكورة، ولن تزودنا الثقافة عن شعرها –الخنساء- الانثى/المرأة في غير موضع الرجل/الذكر ذاك شيئاً، فأبقت أنوثتها حبيسة فقدها الذكوري في الذاكرة الجمعية العربية وادراكنا اللغوي الشعري.

ولعلنا لسنا بحاجة للـتأكيد على أن المرأة كائن إندماجي ، أي أنها ليست كائنا ثقافياً مستقلا، بقدر ما هي كائن "إرتباطي"، إنها وسط الآخرين و فيهم ومنهم و بينهم وبهم عضوياً، أي أنها بنت فلان وزوج فلان و أم فلان و أخت فلان، وهي جزء عضوي و مؤسس في بنية العائلة، وفي عمقها، لذا كانت لغتها الوحيدة هي الحكي و أداتها اللغوية هي اللسان. و الحكي –حكيها- لا يكون إلا للزوج أو الولد أو البنت محاطاً بالسور العضوي للفضاء العائلي/الدم: أسرة /أهل/ بيت ، ومن هنا كانت فكرة المحدد الثاني لفضاء الحكي الأنثوي: المكان.

إن خروج الانثى من ليل/عتمة "الحكي" إلى نهار/ضوء "الوجود"، سواءا بالكتابة أو الثورة أو الرفض أو غيره من الأفعال الوجودية ، هو إنتقال ثوري في ذاته يرفض حوصلة الذكر لها وإن بدت مريحة للأنثى وقدستها السماء وتأويلاتها، ويستبدلها بقلق وجودي ما، إذ يتركز وعيها الوجودي بذاتها، وكلما كان وعي الإنسان بذاته وجودا زاد قلقه، وزادت مقاومته للقوى التي تحاول نفيه أو استلابه. ولعل الصراع مع قوى النفي الذكورية للمرأة في فضاءنا العربي سواءاً من المكان المحكي أو المكتوب أو الثقافي أو الديني أو الإجتماعي أو السياسي ، يعيد التأكيد في عموم الحالات وخواصها ، أن القلق الوجودي دوما هو قلق مرتبط بـ"مسألة الحرية" كما يقر بذلك جلبير دوران وغيره.
وتلك المسألة إنسانياً بشكل عام و أنثوياً بشكل خاص ، لابد لها أن تخلق "حالة من الحوار" الذاتي أولاً ، و الآخروي ثانياً ، و المكاني/الحيزي ثالثاً، فيتلازم "القلم" (كأداة) و"الألم" كنتيجة ، لا صوتياً أو مورفولوجياً فقط ، بل دلالياً وارتباطياً كذلك، ولن تكون العملية التعبيرية عن الذات الأنثوية (تجلياً لذات تفكر وتعرض و تقول ما تفكر فيه وماتعرفه فقط، بل ستغدو مظهراً لتبعثر الذات وانفصالها عن نفسها، إنها مكان كل خارج ، لا باطن له، تنبسط عليه مجموعة من المواقع المتمايزة للذات) ، بحسب الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو.
ولعل هذا مايفسر الربط العضوي بين الإبداع و الإكتئاب، ليقفز في ذهننا مجموعة من الأمثلة الذكورية الثقافوية أولاً أمثال نيتشه وفيرلين وفان غوخ، و إنكسارات أبو حيان التوحيدي وابن حزم وعبدالرحمن شكري وغيرهم من المبدعين الذين إنتهى الأمر بهم إلى نتيجة تجعل الإبداع ذات علاقة شبه عضوية بالإكتئاب، ثم تحضر الأنثى في ظل الذكر الثقافي ، لنتذكر إن تذكرنا بعد غنائم ذاكرتنا الذكورية سليفيا بلاث و ليلى صبار و فيرجينيا وولف وغيرهن.

إلا أن خروج الأنثى من ظلمة الحكي لضياء الوجود الذاتي، لا يتحقق وحيداً،  فتبرز الهيستيريا الذكورية اتجاهها بوصفها (جسداً) يوجد/يعبر/يتحدد/يحاور لكي يخترق قواعد الرمز الذكوري ، ويتحداها، ويخلخل أنظمة المعنى ثقافياً وآليات إنتاجه، وهو ما يفسر مقولة مي زيادة إذ تقول: (إن تاريخ المرأة استشهاد طويل). وتعيد بقولها (ليس من ألم يضاهي ألم المرأة) لويز ميشال التأكيد على ذلك، ونشير إلى علاقة العقاد بصالون مي زيادة كمثال من بحر.
وقد عرف تاريخ الفن سوابق لطرح الوجود الجسدي للأنثى في فضاء المكان، وجسدها كجسد مستعمر ومحتل في الفنون البصرية في سبعينيات القرن المنصرم خصوصاً في أعمال فريدا كالو. حيث يتحول ظهور المرأة (خروجها من ظلمة الحكي المجرد إلى ضوء التعبير الوجودي) وتمثيلاته إلى نتيجة ثابتة وطرفية في السياق الثقافي الذكوري، فمثلاً يلاحظ مؤرخو الفن من الحركة النسوية أن مصطلح "فن النساء" يمكن أن ينطبق على التقاليد الفنية المرتبطة بالسياق العائلي من الإنتاج، وهو سياق –كما ذكرنا- يمثل إمتداداً لحرمة التمثيل الثقافي المستقل خارج حدود الحكي الليلي و ألفة البيت وسوره، فالنهار استحضار الضوء، و الضوء أساس علوم المكاشفة، مثال ذلك "شغل اللحف" و "الطبخ" –الذي اقتحمته الثقافة الذكورية بمنطق حداثي-. وهنا وعلى الرغم من أن الأجساد الأنثوية تُستغل في انتاج مثل هذه الفنون ، إلا أن تمثيل الجسد الأنثوي كأولى مشاهد الحضور (نهاراً/مكاشفة/لوناً/ تحرراً)أو الاعتراف به ليس عنصراً محوريا في المنتج النهائي وادراكنا له بل يمكن إنفصاله عنه، فمصطلح (فن النساء) يشير إلى فن ينطلق من الفروقات الأنطولوجية في معرفة المرأة بمنطق أعلى و أدنى، وهي المعرفة الواقعة بين مطرقة اللغة وسندان الثقافة ، البالغا الذكورة، و إن إتشحا بضمير أنثوي من باب التحايل.
وهو نوع لا يختلف كثيرا إلا في النعومة عن وسائل نفي الإنثى وتحجيم وجودها ، وحصر دلالتها في الأداة/المادة المقيدة و ليس الرمز/القيمة الحرة، فنلاحظ مثلاً أن بعض الفنانات استخدمنّ (ترميزاً أنثويا أيقونياً للجسد) في أعمالهن بطريقة تشير إلى "حزام العفة" الذي كان سائداً في الثقافة الغربية، في نوع من المعادلة، لما زعمته الحركة النسوية الأنجلو أمريكية مثلاً ، من أن الصور الوحيدة المتاحة لأعضائهن التناسلية لاتوجد إلا في سياق طبي وعلمي، وهو سياق بالغ الذكورة.
فكان خروج المرأة من حتمية عتمة الحكي والكيانية الإرتباطية إلى ضوء النهار الثقافي والإستقلال، هو نوع من أنواع الصدمة و المواجهة للبنية الثقافية الذكورية المسيطرة، فكانت الحاجة لتحويل الحيز التعبيري للوجود الأنثوي في الضوء من "موضوع" إلى "ذات" لها صفاتها المميزة و الحاكمة ، و التي تتحدد بيد الذكورة لاغيرها، فخرجت علينا "الحداثة" بمقاييس للجمال ، لتحوله من نسبيته الحرة إلى وصفيته المقيدة بالبنية الثقافية المتغيرة ، لنرى مثلاً مسابقات الجمال التي تحولت إلى معيارية شكلية ووصفية وتنميطية (تخضع كذلك لبنية الانتاج وعلاقات رأس المال)، ولابد للذكورة أن تُنعم بها على الأنوثة، فيصبح المعيار و المقياس و منطق القيمة مذكراً بإمتياز، "بتصوير جسد الأنثى العاري بأبعاد مثالية" و "تقديم المرأة على أنها الآخر الغريب" ، و "كمجال هامشي غير معروف" تحتاج الذكورة الثقافية على الدوام لتحديد مقاييسه ومحدداته ومعاييره، لا لذاتها ولا لجوهرانيتها، ولكن للمتفق عليه من الثقافة الذكورية لغة ووصفاً، أي تملكاً بصرياً/وصفياً/ذاتياً/لغوياً لكيان موضوعي، وفي النهاية فتلك البنية الثقافية التي تدعي الأنثوية هي بنية بالغة الذكورة.
                 
ولذلك دلالته المركبة، فمن ناحية يتمتع الفن البصري بمكانة كبيرة في المجتمعات الغربية المعاصرة بوصفه شاهداً يعبر عن الواقع الإجتماعي، بما فيه من ميل لتأسيس مانعرفه عن ذلك المجتمع على مايمكن مشاهدته، وليس على علاقات وعمليات وسياق المشاهدة، وهو ما لايختلف عن منطق قطع الرؤوس و الأيدي في تماثيل الإناث في الثقافة الغربية، بما له من دلالة غياب الفعل/الأيدي وغياب الفكر/ الرأس (والعقل)، وتحول الكيان الأنثوي إلى حيز تطبيق للمقاييس الوصفية الذكورية أداتياً (جنساوياً)، ولعل الأكثر شرحاً لذلك التمثيل الثقافي للأنثى كان "بغماليون" الذي أعطى للتمثال المؤنث منتهى الجمال من حيث مقاييسه المادية/الوصفية (الجسدية)، لتتدخل الثقافة فيما بعد فتّمن على ذلك القبرصي ، فتحيي له قطعته الفنية بعد طول دعاء وتمني، وهاهو "الحكيم" بعد أن ضاق بغماليون بأنثاه الضاجة بحريتها، يتضرع لتعود ذاتاً في تمثال، فيعطيه –بحكمة- مايريد من سطوة الذكر على الأنثى.


إن الخطاب الثقافي الذي يتناول المرأة في الفنون التعبيرية ، في بعض المجتمعات و إن كان يتناول المرأة بصورة معينة ، نازعاً عنها قيمتها الموضوعية وواضعاً إياها في السياق المحدد سلفاً بشكل وصفي / شيئي، فهو معبر فعلي عن واقع تناول الأنثى في بعض المجتمعات، إلا أنه ليس كذلك في مجتمعات أخرى، إذ تتحول الصورة التعبيرية عن الأنثى ، لما يمكن تسميته حالة من "الإستلاب المضاعف"، بالسعي للتماهي مع "صورة" المجتمع مقدم الصورة الأصلي ، وهو إستلاب مضاعف من حيث:

1.استلاب للخصوصية الثقافية لصالح منتج وصفي لمجتمع آخر وثقافة أخرى وتمثيل خطابي آخر للمرأة.

2.إستلاب للأنثى التي ترى في الصورة التعبيرية عنها إنفصاما عن الواقع و إختلافاً جذرياً شديداً، و هو إستلاب مبني على أستلاب أساسي في اعتبار الأنثى جسد فقط.
وهو مانراه بجلاء في فنوننا التعبيرية في تناولها للأنثى إعلامياً وثقافياً وخطابياً و مجتمعياً ، بشكل يزخر بالتكوينات و بالدلالات عبر وسائط بالغة السيولة و النعومة وقصر المدة الزمنية لصالح التكثيف الصوري و الرمزي، وتمثيلاتهما الغير محايدة (وهو ما يفسر تكثيف تحول الفنون الأنثوية إلى فنون استعراضية ادائية وليست فنية في ذاتها غذا ماقورنت بالفنون الذكورية).
وهو مالايمكن تجاهله في رد الفعل الذي بزعم الخصوصية الثقافية و الحضارية ، يقمع الأنثى ، وينتقل من تذرير المرأة وتسليعها باسم الحداثة و التحضر، إلى تخصيص المرأة وتشيؤها والتعامل معها كوسيلة لغاية أعلى وأسمى دينياً، وبالتالي حجبها وتنقيبها ونفيها عن الحيز التعبيري وجودياً، وهنا لا يختلف المنطقان من حيث كونهما يقومان على نفي الوجود الأنثوي من الحيز الجوهراني الخاص به، لحيز الأداة/المادة المملوكة ، وهما منطقان يتطبقان فيما يزعمان من التناقض، في لا أخلاقيتهما وقمعيتهما ، إذ تظل العلاقة بينهما علاقة صفرية غير منتجة ، و إن كانا متساويان في المقدار و متعاكسان في الإتجاه ، فهما من "نفس الجنس" القامع النافي الجنسي الجذر.
فالترميز الذكوري للانثى هو بحد ذاته عملية تختزل المرموز إلى محض بعده كموضوع، بينما يحتكر الرامز أو صانع الرمز كل الذاتية لحسابه، فالترميز يفترض أصلاً بالموضوع المرموز أن يكون قابلاً للتشكيل، أي مادة مطاوعة يحدد الآخر مضائرها، فتمتلك اللدائنية لا طاقة الحرية.


"أمررْتُنَّ بالسُحب تُنْحَرُ بمدية الملاح؟
أمرَّتْ بكنَّ الحرابُ مقذوفة بلا تسديد، و الرياحُ مقذوفةً، عشواء،
إلى الآبار الدفينة في الغيم؟
لَمْعٌ على شفاهكنَّ؛ أَحُزنٌ؟
لايُقاومَ حزنٌ؛ لايُقاوم الحزينُ.
ربما معارك نجدةٌ على شفاهكنَّ؛ معاركُ تحدِّثُ الشفاه بها الشفاهَ لَمْساً.
سعيداتٌ كالشبهة أنتنَّ،
الحدقات الثواني في عيون الساعات، و الصوت النبيذُ ،
الذي لا يُهان."
-
سليم بركات – السيل



ثانياً : المكان لغةً ومعنىً:
 

"المكان الذي لا يؤنث لا يعول عليه"
 –
 ابن عربي

يلج الحيوان العالم بدوافع راسخة التوجه وغاية في التخصص، بشكل مقيد، لذا فإنه يوجد في "عالمه" محدود الإمكانيات، أي أن المكان له السيطرة على الكامن فيه بأدواته ومحددات الأخير، من قبل غرائزه و أدواته البيولوجية، فقد برمجت أجساد الحيوانات بحث توجد وتبقى ضمن "مكان"/بيئة بذاتها، في حالة من القطيعة التي تفرضها ثنائية "إما / أو"، حيث لا يمكننا مثلا ان نجد دباً قطبياً تأقلم في الصحراء الأفريقية.
أما عالم الإنسان فمفتوح نسبياً، فالبنية الغرائزية لدى البشر أقل تخصصية من تلك للحيوان، مما يعطي لعالمه –الإنسان- القابلية لتشكيل محتواه ، ومعناه ، خروجاً عن ثنائية الـ"إما/أو" في جانبها المادي الصرف ، إلى مطلق الفكرة الإنسانية: القيمة. فالإنسان يحيا في عالمه، محاطاً بحشد من المعطيات التي تغمر ادواته الحسية في شقها المادي و المعنوي/القيمي، فيتعين عليه أن يسبغ على عالمه معنى وشكلاً، ليستطيع البقاء فيه و التعايش معه.

ومن هنا يصبح المكان – أي مكان- "مكاناً تعبيرياً" للوجود الإنساني فرداً وجمعاً، وتلك خاصية بدأت مع بدء الخليقة و الإنسان البدائي ولعل أبرز أمثلتها ماعرف بـ"رسوم الكهوف" وإن لم تكن الأقدم.

 إي أن الحيز التعبيري للإنسان ليس إلا ممارسة جمالية ، هو المجال الذي يصبح فيه إنتاج الدلالات الحسية والرموز هدفاً في ذاته ولذاته،  وهو بذلك يشكل "المعنى" باعتباره الغاية الأسمى و الأهم للحضارات ، فإذا انفصلت عاطفة الحب عند الإنسان عن رموزه وصوره وتخيلاته التي تعطيه المعنى و القيمة و أساطيره المحبوكة حوله افتقر مفهومه، حتى أصبح مجرد رد فعل "مادي" حيواني على مؤثر خارجي، ويصبح المكان حينها مجرد حيز "بيولوجي".

فالمكان الذي يحتوي الإنسان (فرداً وجمعاً) يعبر عن ثقافته، باعتبارها نظاماً رمزياً تخيليا يحدد القيمة الأولى للمعني و الدلالات القائمة و التي يعاد تركيبها وتفسيرها و تقديمها حسب النظم الذهنية التي تدخل فيها، وهو نظام يرثه الفرد وترثه الأجيال، كما أنه كيان حي يؤثر و يتأثر، ، وهو من بين جميع النظم العقلية الأكثر مساواة بين الأفراد، و الأكثر حريةً وعفويةً و إنفتاحاً ، فاستيعابه لا يشترط إختصاصاً كالنظام العلمي، ولاتربية قاصدة كالنظام الإعتقادي (وهنا يظهر عوار ما يسمى بـ"أسلّمة" المجتمعات و الثقافة وتهافتها) ، إنما تكفي فيه مباشرة الحياة في مجتمع ما و التأثيرفيه و التأثر به، ومشاركته أترابه رؤيتهم للمناظر نفسها وسماعه للأصوات نفسها ، وتخيله القصص والأساطير نفسها ، ومعاناته التجارب ذاتها ، وشعوره ذات المشاعر ، وتخيله نفس القصص و التصاوير ، بل وتاثره بالمناخ ذاته.
أي أن الظرف الجامع هاهنا (مادياً و معنوياً) يخلق نوعا من الزمنية المشتركة ، والجامعة ، تلقي بتفاصيلها الخطابية (معرفةً وثقافةً و اجتماعاً وغيرها) على المكان ، وهنا تُخلق ما يمكن تسميته بـ "حالة حوار"، ويشترط لتحققها في الزمان و المكان التالي :


1.لغة.
2.معنى.


قد يقول قائل ، أن اللغة -أي لغة وليست المنطوقة/المسموعة إلا إحداها- وظيفتها الأهم "إيصال المعنى" ، وذلك صحيح، فبدون المعنى لا توجد اللغة ، ولكن ذلك التجريد قد يغفل عما يمكن أن تمثله اللغة ، من وسيط يسهل تحوله إلى زمنية جامعة أو/و أداة قمع ، لا تخلق حالة حوار ، بل تحول العلاقة بين ساكنيها إلى مرسل ومستقبل فقط.
ولعل أبرز الأمثلة التي يهمنا تناولها هنا وعلى علاقة بالسياق، في ما يتعلق بــ"المكان" وتحوله إلى لغة قامعة ، لا تنتج حالة حوار مع ساكنيها – و اللغة سكنى-،  هي "المدينة" وما تحمله من دلالة على امتداد التاريخ الإنساني، فما من طاغية إلا و ارتبط إسمه بفضاء "مكاني/مديّني" جامع ، يطبعه بطبائعه ، ويحول ملامحه إلى ملامحه، فيغرقه بصوره ومدائحه وخصال علومه وعظمته. فمن منا يستطيع فصل روما عن نيرون، وبغداد عن هولاكو ، وستالينغراد عن هتلر، وغيرها.

 ولكن السياق هاهنا ليس سياقاً مجردً ، ففي ذلك التجريد نوع من الاختزال و الإقصاء، إذ يتعامل مع "المدينة" (باعتبارها "المكان" في هذه الحالة) وكأنها كيان ثابت، لايتغير و لا يتحول و لا يحاور ولا يتحاور، وهي ثبوتية غير صحيحة ، تؤدي لإعطاب النسق الجامع (الناطق و المنطوق)، فروما أحرقها نيرون ، وستالينغراد دمرها هتلر، وبغداد أغرقها هولاكو في دمائها وحبرها فأبكى شريانيّها النهرييَّن، إلا أن روما ماتزال موجودة ، وبغداد زارها هولاكو آخر أكثر من مرة ودحرته، و ستالينغراد ضربت أروع الأمثلة في الصبر و المقاومة. أي أن العلاقة بين المكان/المدينة والطاغية ، ليست علاقة ثابتة أو صلبة، بل هي علاقة حية و متحركة لأنها حالة حوار.


وبالعودة لذكورية اللغة و أنثويتها، و اعتمادا على دراسات علم النفس ، التي تناولت الجانب الجنوسي للغة وعلاقتها بالمشاعر (ولعل أشهرها تجربة إيان ميتروف وغيرها)، والتي إعتبرت أن اللغة التي ينتجها المنطق الذكوري هي لغة "إخبارية" ، أي أنها تهتم بالإخبار عن المدلول، إخباراً وصفياً/مادياً/صلباً (يغلب عليه الجانب الوظيفي) ، في حين اللغة التي ينتجها المنطق المؤنث هي لغة "تخيلية" ، أي أنها تهتم بتخيل المدلول، تخيلاَ صورياً /لونياً/مكانياً، بعبارة أخرى، وجدت بعض الإحصائيات أن الرجل يستخدم لغة رقمية/خرائطية في إدراك مكانه و وصف طريق ما إلى موقع بذاته (كأن يشير إلى عدد الشوارع أو إسمها) في حين أن الأنثى تستخدم لغة حدسية/مكانية في وصف نفس الطريق إلى ذات الموقع السابق (كأن  تشير إلى أشكال الشوارع و/أو إتساعها/ضيقها أشكال البنايات و/أو ألوانها تفاصيل شكلية في الشارع/المكان) ، ولعل هذا ما يفسر دروج القول المجتمعي (لا تسأل إمرأة أو عجوزا عن الطريق).
إن اللغة التي ينتجها المنطق الأنثوي لغة أكثر تراكبية وحملاً للمشاعر، وبالتالي فهي الأقدر على خلق حالة الحوار مع المكان، من تلك اللغة التي ينتجها المنطق الذكوري ، الذي يعتمد الوظائفية الصلبة ، و الإخبارية المادية.
ولعل لذلك أهمية بالغة في تناول علاقتنا بالمدينة/المكان من حيث أنها فضاء جامع له وجهين:
- وظيفي: حيث أن المدينة مكان يحقق "حيز إتمام الوظيفة البيولوجية" لقاطنيه بما يضمن بقاؤهم بالمنطق البيولوجي ، فكان شرطا للمدينة أن تحقق السكن و الغذاء و العلاج و..و..لضمان البقاء الصنفي لقاطنيها.
- تعبيري: وهو الأقرب للسوسيولوجيا المجتمعية باعتبار الإنسان كائن ينتج مالايمكن لغيره من الكائنات الحية المشابهة له في الطبيعة وهو مايعرف بـ"الثقافة" ، وما تحتويه من مساحات تعبيرية و حوارية مع الإنسان فرداً/ذاتاً وجماعةً/موضوعاً.
المكان لغة تحاور قاطنيها، و كذلك المدينة ، فإن غلبت على ذلك المكان/المدينة اللغة الذكورية، أصبحت مكاناً وظيفياً لا يخلق حالة الحوار التي يمكن إعتبارها العنصر المؤسس في الإنتماء (ومن ثم الهوية) لمكان ما دون غيره.
 فإن نظرنا إلى الوطن باعتباره أرضاً نعيش عليها بالمنطق البيولوجي فما الفارق بين وطن ووطن، ولماذا يحمي الجندي حدود ذلك الوطن وليس ذاك مالم يعنِّ له شيئاً؟؟!! (وهنا يجب أن نشير إلى عوار منطق بعض رموز اليسار الإسرائيلي الذي يدعي أن الفلسطيني يملك إشكالية مع تعريف ما يسمى بالوطن).
ولتأنيث الأمكنة في أوطاننا باعتبارها فضاءات تعبيرية وليست وظيفية (كما تدعي العولمة بأن جعلت مدننا جزءاً تعبيريا لنموذجها المسيطر، ووظيفياً لنواة فاسدة تضمن الوكالة عنها)، في حراكنا الثوري عربياً دلالة ثورية ، باعتبار أن "الثورة تقوم رفضاً لحالة الإستلاب والإغتراب الذي يعايشها الإنسان في مجتمعه ووطنه وثقافته ودينه"، أوليس كل هؤلاء أمكنة تعبيرية. إن المثال الأوضح لتأنيث الأمكنة في مدننا العربية خلال الثورة وتالياً لها هو فن الغرافيتي ، الذي ينقل الحوائط من لغتها الذكورية الممعنة في الوظيفة و الإخبار اللغوي ، إلى لغة أنثوية واسعة التخييل، وهو ما ينعكس على :

- حالة الحوار الذاتي مع الأمكنة لتصبح الأمكنة أقرب لقلوب قاطنيها فهاهي تعبر عنهم وتتحدث بما يرونه (قبلوه أم رفضوه) وأبلغت عن فكرة لا إخبار فيها ، إنما تعبير وتخيل.
- حالة التعبير : الحوائط تحيط بفضاءاتنا الجامعة (شارع / منازل / ميادين / مؤسسات عامة / محطات / أحياء وغيرها) و بالتالي فهي تعبر عنا، تخبر عنّا ما نعانيه ، ولعلها الأصدق في الإخبار ، فليس بمقدور الأنظة و الحكام و الجنرالات أن يقبضوا لا على الحائط ولا على الفكرة، لذا فحوائطنا ألسنتنا.
وتلك الإسقاطات هي التي تفسر لماذا وجب تحول المكان الإفتراضي (الإنترنت و الشبكات الإجتماعية) للثورات العربية إلى مكان فعلي ملموس ومسكون، و اقتصار دور المكان الإفتراضي على أنه دور الموصل إلى المكان الفعلي ، والزمنية الجامعة التي يخلقها، وهو نفس الدور الذي أدته الفنون و الآداب، دون تمام الإنفصال عن التعبيرية الثورية و قدرتها على خلق زمنية جامعة و توعوية.
إن ما سبق يفسر لماذا تصر الدول التي تدعي حماية الفنون و حقوق التعبير عن الرأي أن تعتبر فنون الغرافيتي خروجاً عن القانون ، تحت تهمة إدعاء مطاط : "الإضرار بالممتلكات العامة" ، و كأن عموميتها هي للسلطات و ليس للسان حال تلك العامة فعلاً. ففي مصر مثلاً ، تتوحش السلطة العسكرية في تذكير المكان ومنع تأنيثه ، بمطاردة هستيرية لفنون الغرافيتي في الأحياء وطلائها بلون يدعي الحياد موتاً : الأبيض، وهو ما تكرر في طولكرم، حيث أزالت البلدية غرافيتي داعم لحراك الاسرى الجائع للحرية.

الغرافيتي يعد إنطاقاً للمكان ، و حالة حوار معه ، ليعود للمكان والكامن فيه تلك العلاقة التي يلتقيان فيها كلٌ له خصوصيته، فيحاور أحدهما الآخر ، و يتسع وجود الجدران لما يفوق حيزها الوظيفي لتكون حيزاً تعبيرياً ينطق بلسان حال قاطنيه ، ويعبر عنهم ، بمنطق أنثوي التخيل ، لا ذكوري الوظيفة.
وأمكنتنا التي نحيا في خضمها في أمس الحاجة لإعادة تأنيث لتعبرعنا ، فلا تصبح فضاءاتنا الجامعة استنساخاً استهلاكياً معولماً و نيوليبرالياً، يُحَدد لها مايجب أن تقول ومالايجب أن تقول ويسهم في ترويض الشعوب و الأفكار والتفرد و التميز بحسب ما يراه الباحثان ستيف نيفا و أنطونيو نيغري، خاصة بعد فترة الثمانينيات التي شهدت بعض الحراكات الشعبية. ولعل مطاراتنا ومراكزنا التجارية من أكثر فضاءاتنا الجامعة تدليلاً على ذلك، فالمراكز التجارية التي تحولت إلى سلعة في ذاتها تتنافس فيها العواصم الإستهلاكية جاعلة من دبي و عمّان و القاهرة و بيروت مكانا إستهلاكيا واحدا متماهيا، تغرق في علامات تجارية ليست لها ولاتتحدث معها وعنها ، ولاتأتي وحيدة أبداً و تفاصيل معمارية مفككة تتدثر بالموت معدناً وزئبقاً ، وهي تسرف في تلك "النهايات" تذكيراً لنفسها أمام كل صيغة تفضيل كـ"أكبر بناية" و "أعلى..." و "أغلى..."و..و...بأن الإنسان ضئيل جداً.

وكذا ايضاً مساكننا ، التي من لغتها "نسكن" إليها (وربط النص الديني السكنى بالأنثى لغة أيضاً) أو هكذا يجب، هي كذلك حالة من الإنتفاء و الاستلاب فنحيط أنفسنا بالأسوار ، و البوابات و الحوائط ، لا لنحمي أنفسنا بل لنقيدها ، ونصبح إمتداداً أكبر لسياسات تفرقنا ، وتؤكد على استقطاباتنا المفرقة و ليس اتفاقاتنا و مشتركاتنا. ولعل المسكن/المكان الذي لطالما كان لصيقاً بمعاناتنا اليومية تحت الظلم و القمع و القهر، خرج من حيزه الوظيفي البيولوجي إلى الحيز التعبيري ، فقط عندما اكتشف المصريون والتوانسة والفلسطينيون و الليبيون واليمنيون والبحرينيون أنهم معاً يستطيعون حماية أنفسهم و إقامة "لجان شعبية" ، إذ قال مكانهم: همومكم واحدة و قهركم واحد وظالمكم ذاته...وأنا جامعكم و أنتم جامعي.

 وفي سوريا مثلا كانت شرارة الإنتفاضة أن نطق سور مدرسة إبتدائية في درعا فخرج عن وظيفيته الذكورية إلى تعبيريته الأنثوية، بأنامل أطفال، هزت عرشاً و أجفلت بنادق فقام لها نظام كامل ، بكامل عدته و عتاده، لينزع أظافرها، ظناً أن للحلم شريان يقطع، وظفر يقلَّم.
 وها هي في البحرين نفس العقلية القمعية الممعنة الذكورة والجنوسة، تدمر فضاءاً جامعاً لا لشيء إلا لأنه عبر عمن فيه ، فأصبح لؤلؤة، إذ لا يمكن فهم تدمير ميدان اللؤلؤة إلا بكونه إخراج للبحرينيين من ذلك الفضاء الذي جمعهم وعبّرعنهم، إلى ما يفرقهم.
وفي الأردن قرر المعتصمون أن يتظاهروا في "دوار الداخلية" ، ولعل أبرز مطالباتهم بكف يد الأمن تبرر إختيارهم للميدان ذاك تحديداً باعتباره مكاناً جامعاً معبراً عنهم و عما يطالبون به أملاً للبلاد، وليس مكاناً وظيفيا قد يتشابه مع الكثير من الأمكنة في البلاد ، التي تحولت من "فضاء" إلى "حيز".

في الخاتمة ، كم نخسر المرأة باعتبارها إنساناً ، و كم يخسر الوطن نفسه حين يُرمز له بكيان لاحرية له.

"قل كلمتك و امش معها" – حكيم قديم من بلادي